تشكيل

«سحر العتم» في فضاء بيروت

العتمة لها قسطها الوفير من السحر والشاعرية فكيف اذا كانت عتمة متوهجة وتتخللها ومضات فاتحة؟! صور بالابيض والاسود تفتح امامنا شريط الذكريات من اوسع ابوابه، والذكريات تعني الماضي الذي لطالما ارتبط في ذهننا بصفات الاصالة والجمال وايام الصغر التي يحن اليها بقوة كل انسان معاصر…

انه الفنان حسان زهر الدين اختار في معرضه «سحر العتم» ان يقلب ألبوم الصور القديم امامنا  وفق تقنية «المحفورات» القديمة بدورها والتي عرفت شهرة واسعة ولم تزل الى اليوم اذ لها قيمتها عند جمهورها لان القيمة الفنية حاضرة جداً فيها، والسبب ان الطبعات تبنى، تتشكل، وتولد خطوة خطوة في خيال الفنان وتتطلب الكثير من الموهبة والدراية والتمرس والخبرة لانجازها. والطبعة او الرشمة هي صورة مطبوعة على الورقة بواسطة لوحة محفورة سابقاً والمادة المستخدمة يمكن ان تكون النحاس كما هو الحال في هذا المعرض او الخشب او الحجر ويمكن سحب نماذج هذه اللوحات بعد اضافة الحبر اليها من خلال مطبعة يدوية، وفي صنع الرشمات يمكن استخدام طريقتين: تقنية الفجوات وتقنية اللون الواحد.
نقول ذلك لان لوحات زهر الدين المعروضة في غاليري عايدة شرفان وسط بيروت تحت عنوان «سحر العتم» عبارة عن رشمات ذات نسخ قليلة بين نسخة و20 منقولة عن صور حقيقية محفوظة…

حفر في الذاكرة
ولعل الفنان اختار فن الحفر تحديداً لانه هنا كمن يحفر في الذاكرة، يشبه عالم الاثار الباحث عن طبقات التربة ذرة ذرة ليكشف عن عظام بقايا وادوات، ولان الحفر ينقل التفاصيل الصغيرة من دون الريشة.
وكان الفنان «بحذر وانتباه وعناية يكشط طبقات النحاس الصماء فيوجد ادوات وحيوات يراها تلمع تحت طبقات النحاس الاصفر، يدفع فيها ادواته نبشاً لذاكرة لا تخرج من حيز اناس ابتعد عنهم من غير كره او جهل ثم يأتي من يقف امام اللوحات ويرى فيحيي اللوحات بتواريخ تأتي من ذاكرته» وفق ما يقول الناقد يسري الامين.
ونحن حين نتمعن في اللوحات نلاحظ ان اشخاصها هم اناس بلا هويات محددة يشبهون اناساً عرفناهم  او انها وجوه مألوفة مثل ام تشبه كل الامهات في الثلاثينيات او الاربعينيات وصبية صغار وبنات يرتدون اللباس السائد في تلك الفترة، نشعر كأننا نعرفهم كما اسلفنا ونشعر بقربهم منا خصوصاً ان شخصيات حسان زهر الدين ينظرون الينا وهم هنا في وسط الصورة، وفي هذا تركيز مقصود من قبل الفنان  على الانسان في لوحاته اذ جعله محور المشهد دون  حاجة الى اضافات وزخرفات تغطي على الجوهر اي الانسان.
انها بالفعل عتمة عند حسان عز الدين الا انها عتمة متوهجة تقود الزائر الى سحر الضوء اذ تجذبه اليه بشاعرية وخفر.

ك. ح

العدد ٢٨٢١ الاثنين ٤ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٣ / ١محرم ١٤٣٥

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق