رئيسيسياسة عربية

اليمن: حوثيون وجنوبيون يعيدون تفجير الحوار من الداخل

خلافاً لحالة التفاؤل التي يبديها الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، يتوقف المحللون عند كم من التعقيدات التي من شأنها ان تعيق اي تقدم في مجال الحوار الوطني. فالتصريحات السياسية والدبلوماسية التي يطلقها البعض داخل وعند بوابات قاعات الحوار الذي تجاوز فترته الاصلية المخصصة له، لا تعني شيئاً بالنسبة الى المدققين في التفاصيل، والذين يتابعون المشهد من داخله، لجهة تمسك بعض الاطراف بتقسيم البلاد الى دويلات او كيانات متعددة الاشكال والمرجعيات. او – على الاقل – التأسيس لحالة يسهل معها الوصول الى تلك الحالة، وتوجيه النقاشات نحو قرارات وتوصيات تصب في تلك الخانة.

الجهود التي بذلت من اجل اعادة اطراف الحوار الى قاعة الاجتماع، املاً بتجاوز بعض العقبات، والتوافق على امور محددة، وتعليق الخلاف حول قضايا اخرى، لم تفلح في اقناع المخالفين لوجهة النظر المتمسكة بانجاح الحوار، وتصوير الحالة بانها ذات مسار واحد، ولا مجال فيها للخروج عن خط الحوار ومعطيات التوافق بتلك الثوابت.
باختصار، عاد المتحاورون حول المستقبل السياسي للدولة اليمنية الى قاعة الاجتماع، لكنهم لم يعودوا من اجل الحوار، وانما من اجل تنفيذ اعتصام داخل القاعة، والاصرار على مطالبهم التي تؤسس لحالة انفصالية ضمن اكثر من مسار، معتبرين ان التأسيس لتلك الحالة بدلاً من اقرارها بصيغة مباشرة هو اقصى ما يمكن تقديمه من تنازلات.
واستعاد الجنوبيون الذين كانوا اصحاب ذلك المشروع تنسيقهم مع انصار التيار الحوثي الذين يشاركونهم الرأي والموقف بخصوص التصورات الانفصالية للدولة، وصولاً الى حالة من التقسيم طالما حذر منها بعض اليمنيين، ولوح باستخدام القوة لمواجهتها البعض من اتباع النظام القديم الذي ما زال يمتلك قدراً من النفوذ في مختلف مستويات الحكم.

نقطة الخلاف
وبقدر من التفصيل تمثلت النقطة الخلافية بحسب معلومات مؤكدة حصلت عليها «الاسبوع العربي» من مصادر متابعة للحوار، بتمسك الجنوبيين بالابقاء على المحافظات الجنوبية كاقليم واحد ضمن التقسيمة عينها التي كانت قائمة قبل الوحدة. بينما يشير التوجه الرسمي الى تقسيم البلاد الى اقاليم عينها، تتخطى الحدود التي يمكن ان يصار الى تطويرها انفصالياً، وبحيث تكون المحافظات الجنوبية اكثر من اقليم، والتمسك باحداث قدر من التداخل بين المحافظات الجنوبية والشمالية والوسطى بما يحفظ قدراً من «التشبيك الجغرافي»، ومن ثم السياسي والاقتصادي، وربط كل تلك المناطق بمصالح مشتركة تصعب من عملية الانفصال، وترفع من كلفتها في اية مرحلة مستقبلية. ومثل ذلك ينطبق على منطقة صعدة الشمالية التي يصر الحوثيون على ابقائها ضمن اطار اقليم واحد، حتى ولو كانت جزءاً من اقليم شمالي، وبحيث يسهل فصلها عن ذلك الاقليم في الوقت المناسب، وتحويلها الى جيب شيعي قد يؤسس لدولة تتكون من شريط يمتد باتجاه البحر الاحمر، ويمتلك بعض مقومات القدرة على الوجود.
وهو المطلب الذي يحاربه العديد من الهيئات المشاركة، خصوصاً المرجعيات الامنية والسياسية التي ترفع شعار الوحدة، والحفاظ على البلاد موحدة وبعيدة عن اي مشروع انقسامي.
فالتقارير الواردة من العاصمة اليمنية صنعاء تشير الى انه تم الغاء جلسة العمل الاولى في سلسلة الجلسات الختامية للحوار الوطني اليمني، بسبب مقاطعة ممثلي الحوثيين والحراك الجنوبي واعتصامهم في قاعة الحوار.
وكان الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي افتتح يوم الثلاثاء الجلسات الختامية، قبل ان يتم التوصل الى توافق نهائي حول المسألة الخلافية الرئيسة المتبقية، وهي عدد الاقاليم في الدولة الاتحادية المفترض قيامها في اليمن، خصوصاً مع اصرار الجنوبيين على اقليم جنوبي غير مقسم، يستعيد في الشكل حدود دولة اليمن الجنوبي السابق. وفيما توقع هادي الوصول الى حل لهذا الخلاف في غضون ايام في اللجنة الخاصة بالقضية الجنوبية، قرر ممثلو الحراك الجنوبي المشاركون في الحوار ومجموعة ممثلي المتمردين الحوثيين الشيعة، مقاطعة الجلسات الختامية.
واكد بيان مشترك للمجموعتين انهما قررتا مقاطعة الجلسات الختامية بسبب عقد هذه الجلسات، بالرغم من عدم التوصل الى توافق في اللجان المختصة للمسائل الرئيسة، وهي عدد الاقاليم وشكل الدولة ومسألة صعدة، معقل التمرد الحوثي الشيعي في شمال غرب البلاد. واتهم البيان ما اسماه «القوى التقليدية» في اليمن بالسعي الى تفريغ مؤتمر الحوار من محتواه ومضمونه، وتسليم اهم قضايا الوطن الى مراكز تلك القوى.
كما اتهم البيان تلك القوى بالعمل على وضع مخرجات العملية ضمن اطار «المحاصصة السياسية» في ما بينهم، وباسلوب محاصصة الحكومات و«تقاسم مقدرات الوطن عينها» منذ التوقيع على المبادرة الخليجية». الى ذلك، شهدت الفعالية التي أقامها الحراك الجنوبي في مدينة عدن للاحتفاء بالذكرى الخمسين لثورة 14 تشرين الأول (اكتوبر)، صدامات وأعمال عنف أدت إلى مقتل وإصابة العشرات. وكانت خلافات دارت بين فصيلين في الحراك، الأول يتبع الرئيس الجنوبي الأسبق علي سالم البيض والآخر يقوده القيادي حسن باعوم أدت إلى وجود لجنتين تحضيريتين ولجنتين أمنيتين في الفعالية.

رفض الحوار
واصدرت الفعاليات المشاركة في الحوار بياناً جددت من خلاله الرفض للحوار الوطني ولكل مخرجاته. وحذر البيان المجتمع الدولي من فرض أية حلول لا تلبي تطلعات الجنوبيين في التحرير والاستقلال، وحمله مسؤولية أي تداعيات بسبب الحوار ومخرجاته.
وكان الآلاف من انصار الحراك الجنوبي احتشدوا منذ الصباح الباكر في ساحة العروض في مدينة عدن استعداداً لاحياء الذكرى الخمسين لثورة الـ 14 من اكتوبر التي تشكل مناسبة استقلال اليمن الجنوبي، ورفعوا شعار المطالبة بالانفصال عن الشمال.
واحتشد المتظاهرون القادمون من مختلف المحافظات الجنوبية في الساحة رافعين اعلاماً انفصالية معادية للوحدة وشعارات تعبر عن رفضهم نتائج مؤتمر الحوار الوطني ومنها «لا للحوار اليمني نعم للاستقلال والتحرير» و«الاقاليم ليست الحل» ومرددين هتافات تقول: «اقسمنا بالله اقسمنا صنعاء لا يمكن تحكمنا». وبحسب معلومات يجري تسريبها عمداً، هناك خيوط تشير الى دعم ايراني لهذه التوجهات، خصوصاً ما يمكن ان يؤسس لدولة جنوبية تمتلك مقومات اقتصادية لا بأس بها، ولجيب حوثي في مناطق الشمال يمكن ان يتطور ليصبح مشروع دولة شيعية في المنطقة. وهي معلومات كرر الرئيس المؤقت عبد ربه منصور هادي الحديث عن بعض تفاصيلها. لكنه توقف عن التلميح عنها بهدف وقف التصعيد مع اطراف اخرى داخلية لها امتداد خارجي.

صنعاء – «الاسبوع العربي»
 

العدد ٢٨١٩ الاثنين٢١ تشرين الاول (اكتوبر) ٢٠١٣ / ١٦ ذو الحجة ١٤٣٤

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق