مسرح

بيار شماسيان: اذا لم تضحكني النكتة أو الكاراكتير لا أنقلها للجمهور

هو لا يتقن الا فنّ اضحاك الناس ولا شيء يعنيه الا ذلك. بعيد كل البعد عن السياسة وان كان يؤمن بأن مسرح الكوميديا قادر على قلب أنظمة واسقاط حكومات ورؤساء. ألم يفعل ذلك أعضاء فرقة «تروبادور»  في فرنسا قبل 600 عام؟ لكن زمان أول تحوّل. والفنان بيار شماسيان يدرك ذلك تماماً ويتلقف الحسرة على زمن كوميديا أيام زمان وحتى الأمس القريب، يوم كان يشكل مع سامي خياط ثنائياً كوميدياً راقياً، ولاحقاً مع أندريه جدع وليلى اسطفان في مسرح الساعة العاشرة. اليوم يعود بيار شماسيان ليلتقط خيوط هذا الفن الكوميدي في عمل مسرحي مشترك مع سامي خياط. وتبقى أم جورجيت هي الأساس.

كيف التقيت مع سامي خياط من جديد؟
صحيح أنني انفصلت فنياً عن سامي خياط منذ العام 1985 لكننا لم نتوقف عن التواصل. وعندما عرض علي فكرة عمل مسرحي كوميدي جديد فرحت وعدت إلى البدايات يوم بدأنا العمل سوياً في العام 1973. فوافقت لأن الفكرة تنطلق من إيمانه بالمسرح الكوميدي وضرورة إعادة وضعه على السكة الحقيقية. وهكذا بدأنا التحضيرات وسيبدأ عرضها في 9 تشرين الأول (اكتوبر) المقبل على خشبة مسرح مونو.
ماذا تعني لك هذه العودة بعد افتراق دام نحو 28 عاماً؟
اللقاء من جديد مع سامي خياط  يعيدني إلى الوراء 40 عاماً، وتحديداً إلى عصر المسرح الكوميدي الذهبي. فالجمهور كان مميزاً وكان في غالبيته من جمهور الفرانكوفون. حتى المضمون كان مختلفاً ومتنوعاً ولم يكن يتضمن العبارات الخفيفة والبذيئة التي صارت من أساس المسرح الكوميدي. وأنا متأكد أننا بهذا العمل المسرحي الجديد سنستعيد كل ذلك ولو استغرق الأمر وقتاً.
قلتم إن العمل سيشكل نقلة لكن الكوميديا في العموم تعتمد على تقليد الشخصيات السياسية  والقفشات المقتبسة من الواقع السياسي؟
هذا مفهوم خاطىء. فالمسرحية التي لا نزال نشتغل على عنوانها، وقد يلمع في أية لحظة، تعتمد على شخصيتين أساسيتين: سامي خياط وأنا وممثلين يؤديان أدواراً ثانوية. أما في المضمون فالمواضيع في مجملها إجتماعية وتحاكي وجع الناس في إطار كوميدي وهي تخلو من تقليد أية شخصية سياسية، باستثناء بعض القفشات التي ترد عرضاً وتتحدث عن الشواذات التي تعتري الجسم السياسي.
وهل يشبع هذا الأسلوب ذوق اللبناني اليوم؟
الجمهور اللبناني ذكي جداً ومتطلب وقد مل من رتابة المواضيع التي يقدمها له المسرح الكوميدي اليوم. حتى الكلمات البذيئة لم تعد مصدر الضحك إنما مجرد تسلية وإضاعة وقت.
إذا عدنا إلى أساس المسرح الكوميدي كيف يمكن اختصاره؟
الشانسونييه ليست مجرد اسكتشات تقليد أو أغنيات مركبة على كلمات بذيئة. فالمسرح الكوميدي نشأ منذ 500 عام، وكانت هناك فرقة بإسم «تروبادور» تجول على القصور والأمراء لتنقل لهم وجع الناس وهمومهم في إطار كوميدي. وقد اطلق عليهم إسم «فنانو القصر» وكان تأثيرها فاعلاً إلى درجة انها توصلت يوماً إلى اطاحة عرش أحد ملوك فرنسا. نعم هذه هي رسالة المسرح عموماً، والكوميدي ليس استثناء.
لكن «اللطشات» التي تمر عبر المسرح الكوميدي كفيلة في زكزكة السياسيين والمسؤولين؟
المسرح الكوميدي يعتمد اليوم على فكرة إحداث صدمة لدى جمهوره من خلال استعمال عبارات نافرة وحركات إيحائية. وهذا خطأ فالمسرح الكوميدي يفترض أن يحمل رسالة لكنها غير موجودة وإذا حصل ولمعت في مسرح ما، فهي لا تؤثر في السياسيين. على العكس تراهم يضحكون للنكتة التي تطاولهم مباشرة، ويخرجون من المسرح ليستمروا في الضحك على الناس.
هل تعرضتم لتهديد أو لرقابة استوجبت توقيف عمل ما؟
لم أتعرض لتهديد مباشر. لكن في العام 1978 أطلقنا على إحدى المسرحيات إسماً هو في الأساس شعار لحزب معين فطلب منا تغيير الإسم.
لكنك لم تسمه؟
ولا أريد أن اسميه. فالمسألة مضى عليها الزمن ولن أعود إلى الوراء.
هل أنت من رواد المسرح الكوميدي؟
آخر مسرحية شاهدتها كانت للفنان ماريو باسيل، وتسليت.
هل ستعيدون إحياء مسرح الساعة العاشرة بعدما فرط عقده نتيجة الإشكال الذي حصل مع أندريه جدع. وفي المناسبة ما هي أسبابه؟
طبيعي أن يحصل إشكال مماثل بين عناصر الفرقة المسرحية. في النهاية الرجل يختلف مع زوجته بعد 50 عاماً من الزواج. لكن الإشكال انتهى. وقررنا فتح صفحة جديدة قد نشهد على فصولها بعد الإنتهاء من المسرحية الجديدة مع سامي خياط.
بعض الأقلام كتبت أن الأسباب كانت سياسية؟
أنا فنان ولا أنتسب إلا لحزب المسرح والفن والعيلة والمشاوي والضحكة. حتى الأحزاب الأرمنية لا أنتمي الى أي منها ولدي أصدقاء من كل الأطياف والإصطفافات والدليل أنني أقدم اليوم برنامجاً في محطة «أو تي في» بعدما عملت في «إل بي سي». وإذا عرض علي عمل في محطة «إم تي في» أوافق بناء على العرض هذا هو مبدئي في العمل.
لكن مطلق اية محطة مسيسة ستفرض عليك شروطاً أقله بما لا يتعارض وخطها السياسي؟
ممنوع حدا يجرب معي هالأسلوب. وأنا أعني ذلك. وإذا أصروا «يروحوا يبلطوا البحر». لدي قناعاتي الخاصة وأعمل للفن والمسرح وإضحاك الناس فقط.
ويستطرد ممازحاً: حتى زوجتي لا تفرض رأيها علي.
ابتكرت شخصية «إم جورجيت» حتى أصبحت ملازمة لك في كل مكان وزمان. ما سر هذه الشخصية؟
إم جورجيت هي حماتي (رحمها الله). كنت اجلس وأصغي لحكاياتها إلى أن خطرت في بالي فكرة تجسيد هذه الشخصية. والمفاجأة أنها صارت كلام الناس ومتلازمة لشخصيتي حتى إن الناس باتوا ينادونني بإسمها.
لكن هناك شخصيات أخرى ابتكرتها واشتهرت بها منها شخصية الرئيس الراحل رشيد الصلح؟
صحيح وأنا أفتخر بذلك خصوصاً عندما اسمع البعض يناديني بإسم «دولة الرئيس». أو عندما ألتقي بكريمته وتناديني بإسم «بابا رشيد».
نعود إلى مفهوم المسرح الكوميدي. هناك خيط رفيع يفصل بين الضحك والإبتذال فكيف تبتكر أفكارك وشخصياتك؟
هناك قاعدة أعتمدها منذ دخولي عالم المسرح الكوميدي. فإذا لم تضحكني النكتة أرفض أن أحولها إلى الجمهور. يجب أن تفاجئني وتضحكني حتى أقتنع بها.
نفهم من ذلك أن المسرحية الجديدة مع سامي خياط أضحتك؟

سامي خياط هو من كتب اسكتشات المسرحية الجديدة وأنا توليت وضع التوابل والبهارات على الكاراكتيرات.
هل من السهل إضحاك اللبنانيين اليوم؟
أعترف بأن المهمة مستحيلة في ظل الظروف الأمنية والسياسية والإقتصادية التي نعيشها لكن الناس بحاجة إلى الضحك.
لكن مسألة إضحاك الناس صعبة على عكس البكاء؟
صحيح والجمهور اللبناني متطلب وذكي وقادر على أن يفضح مطلق أي إسكتش مكرر أو عادي. وهنا تكمن صعوبة المسرح الكوميدي الراقي.
تزرع الضحكة في قلوب الملايين فما الذي يضحك بيار شماسيان؟

لا أحد يضحكني باستثناء زوجتي. (ممازحاً). ويستطرد: وحدها النكتة التي تفاجئني تضحكني وهذه من اختصاص إبني.
نفهم من كلامك أن فرخ البط عوام؟
صحيح لكنه لن يحترف الفن مطلقاً.
توافق على القول بأن من يضحك الناس هو في العموم إنسان حزين؟
صحيح إلى حد ما. لكن مجرد إضحاك الناس يزيل عني كل الهموم والكآبة.
40 عاماً في المسرح الكوميدي ماذا أعطتك هذه المسيرة الطويلة؟
أتعبتني كثيراً لكنني تمكنت من أن أحفر إسماً نظيفاً وأكسب محبة الناس.

ج. ن
 

 

العدد ٢٨١٥ الاثنين ٢٣ ايلول (سبتمبر) ٢٠١٣ /١٧ ذو القعدة ١٤٣٤

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق