لقاء

باسمة بطولي… كل لوحة من لوحاتها قصيدة شعرية

اللقاء الجديد الذي تم مع الشاعرة والرسامة باسمة بطولي في رحاب «الحركة الثقافية – انطلياس»، كانت له نكهة خاصة، وذلك بمناسبة صدور كتابها الجديد، وبالتالي ألبومها التشكيلي «أصداء بصرية» الذي يضم مجموعة كبيرة من لوحاتها الفنية المختارة، التي رسمتها على مدى ممارستها لهذا الفن الجميل. باسمة بطولي تكتب الشعر وكأنها ترسم… وترسم وكأنها تكتب الشعر… فهي تارة تعبّر بالكلمات وطوراً تعبّر بالالوان، وهنا تكمن اهميتها. حين نقرأ قصيدتها يخيّل الينا وكأننا نشاهد احدى لوحاتها، وحين نتأمل لوحتها نمتلىء بالشعر. هكذا يتم التواصل بيننا وبينها، بيننا وبين الشعر والالوان، بين الكلمة والصورة، بشكل ولا اجمل. فهي تعرف تمام المعرفة، مدى تداخل وتكامل الفنون بعضها بالبعض الآخر. أليس في قصيدة الشعر المتوهجة مثلاً، رؤى وأصداء، حب وذكرى، الوان وموسيقى… أوليس العكس هو الصحيح ايضاً في اللوحة التشكيلية؟ وعلى هامش صدور الكتاب – الألبوم «أصداء بصرية» عقدت ندوة حوله، وهنا بعض ما قيل فيه.

من خلال اعمال باسمة بطولي المعروضة في الكتاب، تَبين للفنانة التشكيلية لينا كيليكيان، كم من الصعب الفصل بين شعر باسمة المرسوم ورسم باسمة المكتوب، فهي اتقنت منذ البدايات، فن الرسم بالكلمات، وكتابة الشعر بالريشة. فجعلت المتذوق يقرأ الشعر المرسوم بمخيلة عابرة لكل حدود.

قاسم مشترك واحد
ترى لينا كيليكيان، ان نحلل لوحات باسمة من ناحية تقنيات الرسم واستعمال الالوان ومزجها ليس بالامر الصعب. لانه يظهر بوضوح تام تمكنها من تطويع الريشة والالوان لتترجم الفكر في لوحة.
اما التحدي – حسب رأيها – فيكمن في تحليل محتوى اللوحات التي يجمع بينها قاسم مشترك واحد، بالرغم من كل التنويع في المشاهد والشخصيات والتعابير. وهذا القاسم، هو ان لوحاتها جميعها تشكل مجموعة نوافذ للاطلالة على ما يمكن تشبيهه ببوابات العبور، تمهيداً للرحلة البصرية الخيالية التي تعرف اين تبدأ ولا تعرف اين تنتهي. فاتجاه الرحلة يختلف بين شخص وآخر، لكن نقطة الانطلاق واحدة.

العيون مرآة الروح
لفتت لينا كيليكيان الى ان الشخصيات معظمها من النساء ذات الملامح المبهمة، لتزيد من الغموض، ولتدفع بجرأة المتذوق الى استكمال اللوحة في مخيلته… فالحس المرهف بالانوثة لدى باسمة بطولي يجعلها تتقن لعبة اظهار او اخفاء الملامح، لتترك المجال الواسع للايحاء بالشيء الجميل والطاهر، الذي لو حدّد بتفاصيل دقيقة، لفقد الكثير من رونقه الخيالي. حتى نظرات النساء فهي خجولة، خاشعة، تتجنب التحديق، لترمي نظراتها الى ذلك المكان البعيد حيث كل شيء عذب وجميل ورقيق. وبما ان مرآة الروح هي العيون، عرفت باسمة بطولي، كيف تعكس روح شخصياتها ووهجها في اللوحات القليلة التي رسمت فيها عيوناً شاخصة تختزل في نظراتها عمق الفكرة او ملامح الشخصية المجسّدة في اللوحة.
  اما الطبيعة في اعمال باسمة بطولي – كما ترى لينا كيليكيان – فهي جزء لا يتجزأ من فلسفتها البصرية، بحيث لا تكتمل اللوحة اذا ما فقد التواصل مع الطبيعة، كما تجسدها بمختلف تكاوينها.

الكتابة في الرسم
الدكتورة غادة السمروط استهلت كلامها بالقول، ان تكتب في الرسم يعني انك تكتب في حضرة الريشة والماء واللون، في انغماسها وانعصارها وذوبانها، في قيودها وتمردها وحريتها، في كيميائها وفيزيائها وهندستها. الى ما هنالك مما تراه العين، ومما لا تراه. ويعني انك تكتب في لوحة هي عالم بصري وفكري في آن. اما ان تكتب في الرسم عند باسمة بطولي، فيعني انك تكتب في حضرة الرسم والشعر معاً، رسماً وشعراً يختصرهما عنوان ألبومها «أصداء بصرية». واذا كانت الشاعرة الرسامة ارادت الحديث اليوم عن الرسم فقط، فهي لم تستطع الغاء القنوات بينه وبين الشعر.

كما في تجربة صوفية
تشير غادة السمروط، الى ان «الاصداء» جمع «صدى»، والصدى هو الصوت ورجعه، هو قصيدة تتردد اصداؤها في المسامع. وقبل ان يكون كلمة مقروءة، كان الشعر عند العرب سمعياً يردده الناس في المجالس، فيتردد في آذانهم صوتاً واصداء صوت. ويردّنا الصدى الى النداء، فهو إذاً منادٍ ومنادى، وصوت في مدى بينهما. اما ان يكون هذا الصدى بصرياً، فهو يأخذنا من الأذن الى العين، من المنادي الى الرأي، من الصوت الى الصورة، اي من القصيدة الى اللوحة تنعكس الواحدة في الاخرى، وتروح الشاعرة المنادية الرائية في انعكاسهما تترنح في الابيات والالوان، تنقبض وتنبسط محدثة وميضاً يأخذك الى اوج ما يصل اليه الرسم والشعر، يأخذك الى قمة الفن العميقة، والى حميمية القصيدة الروحانية، تترددان فيك أصداء مرئية وخفية، محسوسة ومجردة، صوتاً ورجع صوت، صورة وانعكاساتها صور في النفس وألق في الروح. فترى نفسك في محاولة لكشف ما تكتنزه وتسرّه اللوحة/القصيدة، او الصدى/الصورة، واذا بك تجوب انعكاس القصيدة واللوحة والرسامة والشاعرة في مرآة ثلاثية الابعاد، يتماهى فيها السمع والبصر، والسامع المنادي المبصر، يتماهى فيها المخلوق مع الخالق، كما في تجربة صوفية بحتة.

عينان تختزلان الانسان
وترى غادة السمروط، ان اول ما يأخذك في هذه الاصداء البصرية عينان مغرورقتان نوراً واخضراراً ونقاءً، عينان هما كما اسمتهما الرسامة «نافذتان»، نافذتان تطلان على العالم الداخلي والخارجي، هما مرآة تعكس الواحد في الآخر، تعكس صدى البصيرة في اللوحة. عينان هما هوية الشاعرة واسمها، ألم تغنّ فيروز: «عينينا هني أسامينا»؟ نعم! هما العينان تختزلان الانسان كله، هما ايضاً «عين الماء» و«عين الشمس»، بل تعايش الماء والضوء، الماء والنار في العين، في الانسان. يتبدّى هذا التعايش عند باسمة بطولي في لوحتها «المياه المحترقة»، فالمياه التي تطفىء النار تحترق ايضاً بها، لتعود وتنبعث مصفاة مطهرة، ذلك هو حلم الرسامة يتردد في ارجاء المرآة/اللوحة والقصيدة.

حب وحنان وأنوثة
تطل هاتان العينان – كما ترى غادة السمروط – على محورين توزعت بينهما لوحات الألبوم: الاول في الوجود والحياة، نرى فيه آدم وحواء منذ خروجهما من الجنة، من النور الفردوسي، نراهما في مسيرة الحياة في الارض، بما فيها من حب واسئلة يطرحها الانسان في مواجهة مع الكون، والثاني يصور مسيرة الألم والتطهّر تحمل توقاً وسعياً الى النور، مسيرة تبرز فيها شخصيات انثوية يظهرن كقديسات موشحات طهراً وصفاء. وفي هذا دائرية «الأصداء» عند باسمة بطولي. هذه الدائرية واقع يتجلى ليس فقط في موضوعات اللوحات، بل في تقنيتها ايضاً. أنت لا تعثر في اللوحة عندها على خطوط حادة منكسرة او متقطعة، ولا على زوايا قائمة، بل على خطوط منحنية مقوّسة وشبه دائرية، تشير الى خفقة جانح، وتمايل غصن، وهبة نسيم، وضمة حبيب، وغمضة جفن، وغيرها من منحنيات الحب والحنان والانوثة والصفاء.

اللوحة المرآة
وخلصت الدكتورة غادة السمروط الى القول: فكيفما قلبت بصرك في لوحات باسمة بطولي ترى نفسك مشدوهاً بما يرتسم امام العين، تدخل في تقاسيم اللوحة وتضاريسها، تعبر حدودها، وشيئاً فشيئاً، ترى نفسك تستسلم الى زوبعة عاصفة لطيفة تعبرك وتعبر بك الى نبض يختلج فيك، الى روح تستيقظ في قلبك، تسافر على متنها، فتحط بك على شاطىء النور حيث السلام والسعادة، فيعبرك الحب وتشعر كأنك الكون كله، او كأن الكون دخل فيك. ذلك هو تماهي الداخل بالخارج، والخارج بالداخل، البعض بالكل، والكل بالبعض، تدرك عندها انها نسمة صوفية تهب من نور اللوحة تلاطف الروح. ذلك هو فعل اللوحة المرآة تعكس بهاء الخالق في خلقه. لقد نجحت باسمة بطولي في لوحاتها وشعرها ان تزاوج بين ضوئها الداخلي وضوء اللون والكلمة لتجتاز ليل الحياة، وتخط وميضاً في سمائه، وميضاً استطاعت من خلاله ان تسكن، ولو لحظوياً، قلب الخلود، كما يقول رينه شار.

اسكندر داغر

العدد ٢٨٠٥ الاثنين١٥ تموز (يوليو) ٢٠١٣ /٦ رمضان ١٤٣٤

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق