أبرز الأخبارلبنان

لبنان يقاوم «أثمان» القصير بالديبلوماسية «الاحتوائية»

لبنان، عيناً على مرحلة ما بعد القصير وعيناً أخرى على مصير البرلمان. فبعد القصير، أدخل «حزب الله» لبنان في ورطة مزدوجة داخلية ومع الخارج، في ضوء ارتفاع منسوب المخاوف من انفجار الاحتقان السياسي – المذهبي في الداخل، والخشية من رفع المجتمع العربي والدولي «بطاقة حمراء» في وجه لبنان بعدما حوّله «حزب الله» شريكاً في القتال الدائر في سوريا.

بعد التمديد سنة وخمسة أشهر للبرلمان، لم تتأخر ملامح «الورطة» السياسية القانونية في البروز حيال الطعنين اللذين قُدما الى المجلس الدستوري في قانون التمديد قبل ان يتحوّل «الدستوري» أسير لعبة «تطيير النصاب» التي وضعته امام «لغم» التعطيل الذي سابق مهلة 20 حزيران (يونيو) موعد انتهاء ولاية مجلس النواب وبدء سريان ولايته الممدَّدة.
وفيما كانت عملية التدقيق القانونية تُظهر ان نظام المجلس الدستوري لا يتيح له الا قبول الطعن او ردّه، ولا يجوز له تالياً تقصير ولاية التمديد او الايحاء بأي اتجاه سيسلكه الاستحقاق الانتخابي بعد إصدار قراره، لان الامر يبقى من صلب عمل مجلس النواب، برزت ملامح المأزق من خارج الاطار القانوني وتعدّته الى الواقع السياسي، حيث دخل «الدستوري» في عملية استنزاف مع فشله المتكرر في تأمين نصاب جلسة درْس التقرير الذي اعدّه رئيسه القاضي عصام سليمان بشأن قانون التمديد، بسبب غياب 3 من اعضائه وهم: محمد بسام مرتضى  واحمد تقي الدين (شيعة) وسهيل عبد الصمد (درزي)، وهو ما اعتُبر مؤشراً على رغبة في الحؤول دون توصل المجلس الى قرار بالأغلبية المطلوبة اي سبعة اصوات، من اصل العشرة الموزعين مناصفةً بين المسيحيين والمسلمين (بينهم ايضاً عضوان سنيان).
وقد بدأ هذا المسار التعطيلي مع المناخ الذي اشار الى اتجاه المجلس الدستوري لقبول الطعن بعد تأمين الحصول على أصوات الأعضاء المسيحيين الخمسة إضافة إلى العضوين السنيين، وهو ما عبّر عن توجّه ضاغط من رئيس البرلمان نبيه بري والنائب وليد جنبلاط بغية «تثبيت» التمديد وعدم إجراء الإنتخابات التي يعتبر جنبلاط حصولها في هذه الظروف بمثابة «انتحار»، في حين ان إرجاءها لفترة مديدة كان هدفاً «استراتيجياً» ل
ـ «حزب الله».
 وفيما كان الإرجاء يجرّ الإرجاء لجلسات «الدستوري»، كانت الاشارات القانونية تشي بأن مرور موع
د العشرين من حزيران (يونيو) من دون قرار للمجلس سيجعل قانون التمديد للبرلمان سارياً ونافذاً.

بين بعبدا والبرلمان
وكان واضحاً ان التأزم على خط عمل المجلس الدستوري هو مرآة تصاعد الاحتدام بين رئاستي الجمهورية والبرلمان والتي تظّهرت من خلال تلميح اوساط قريبة من الرئيس نبيه بري بأن سليمان يمارس ضغوطاً مباشرة على المجلس الدستوري للأخذ بطعنه في موازة غمز قوى 8 آذار من قناة ان سليمان يمارس الضغوط بدفع من جهات غربية وتحديداً اميركية.
وما عزّز الجو القاتم هو استياء «حزب الله» من المواقف التي يطلقها رئيس الجمهورية في شأن تورّطه في القتال في سوريا، وخصوصاً بعد الحملة الديبلوماسية الواسعة التي أطلقها سليمان باتجاه ممثلي البعثات الديبلوماسية في لبنان لتأكيد موقف الدولة الرافض لتورط اي فريق لبناني في
الازمة السورية.
 واذا كان سليمان ابلغ رئيس كتلة نواب «حزب الله» محمد رعد هذا الموقف صراحة، مطالباً الحزب بالانسحاب من سوريا، فان تداعيات هذا الموقف جاءت لتعقّد الامور، علماً بأن مقدمة أخبار تلفزيون «المنار» عشية استقبال رئيس الجمهورية لرعد سمّت سليمان بـ «جنرال بعبدا» مساوية إياه بـ «جنرال الرابية».
 وكان اللقاء بين رئيس الجمهورية ورعد الاول لسليمان مع قيادة «حزب الله» منذ انتقاد رأس الدولة انخراط الحزب في الأزمة السورية. وفي حين افاد المكتب الاعلامي في «القصر» اللبناني ان البحث بين سليمان ورعد «تناول الاوضاع السياسية والامنية» ولا سيما حادثة مقتل الناشط الشيعي المعارض للحزب هاشم السلمان امام السفارة الايرانية وتداعيات الوضع السوري، نُقل عن مصادر «القصر» ان لقاء رئيس الجمهورية ورعد أتى بطلب من الاول لسماع الخلفيات والاسباب التي دفعت حزب الله إلى عدم الالتزام بسياسة النأي بالنفس عن الازمة السورية.
ولفتت المصادر إلى ان «سليمان ذكر خلال اللقاء بأن الجميع وافقوا في 11 حزيران (يونيو) 2012 على إعلان بعبدا» مؤكداً «ان مشاركة الحزب بالقتال في سوريا تجاوُز يرتّب مخاطر على لبنان وهي انقلاب على كل المفاهيم».

  وأضافت: «رأى سليمان خلال اللقاء ان لهذه المشاركة ضرراً على الوحدة الوطنية وعلى العلاقات الخارجية للبنان وعلى علاقات الطائفة الشيعية مع الشعب السوري حالياً ومستقبلاً، كما دعا رئيس الجمهورية النائب رعد إلى سحب الذرائع لتخفيف الاحتقان ولضرورة تعاون حزب الله في مقتل الشاب هاشم السلمان».
واكتسب هذا الموقف من رئيس الجمهورية دلالته لانه جاء عشية اطلالة الامين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله في  14 الجاري يتناول خلالها التطورات الأخيرة من القصير الى الداخل اللبناني.

كما جاء استقبال رعد بعيد ما اوردته تقارير في بيروت من ان رئيس الجمهورية طلب من القيادة الإيرانية خلال استقباله السفير غضنفر ركن ابادي أن تمارس نفوذها مع «حزب الله» كي ينسحب من القتال في سوريا، معتبراً أن ما يقوم به الحزب من تدخل في المعارك في سوريا «غير مقبول بكل المفاهيم والأعراف»، وأن سليمان طلب من السفير الإيراني إبلاغ ذلك الى الرئيس احمدي نجاد ما دام الحزب يؤمن بولاية الفقيه وبالمرجعية في طهران.

عملية احتواء ديبلوماسية
ومن دلالات لقاء سليمان – رعد ايضاً انه أتى غداة قرار دول مجلس التعاون الخليجي اتخاذ اجراءات «ضد المنتسبين الى حزب الله في اقاماتهم او معاملاتهم المالية والتجارية» ومطالبتها الحكومة اللبنانية بتحمل مسؤوليتها ازاء «سلوك الحزب وممارساته غير القانونية في سوريا والمنطقة» وهي الخطوة غير المسبوقة التي استكملت دعوة هذه الدول مواطنيها إلى عدم السفر إلى لبنان، وذلك بعد اعتبارها «حزب الله»  «منظمة إرهابية»
، مع امتناعها عن وضعه على لوائح الحركات الإرهابية لـ «ضرورة القيام بالمزيد من الدراسة».
 وكان رئيس الجمهورية باشر عملية «احتواء» ديبلوماسية للمناخ العربي والغربي «الغاضب» الذي ارتسم مع خوض «حزب الله» غمار  «الحرب السورية» بلا «قفازات»، وهو ما تردّد دويّه اضافة الى بلدان الخليج  في دول الاتحاد الاوروبي التي تنتظر «تحقيق الإجماع» على تصنيفه على لائحة المنظمات الإرهابية (تدرسه مجدداً نهاية الشهر) من دون إغفال تنديد واشنطن بتدخل الحزب في النزاع السوري و«حسمه» معركة القصير لمصلحة نظام الرئيس بشار الاسد.
وبدا واضحاً ان رئيس الجمهورية من خلال استقباله سفراء دول مجلس التعاون الخليجي وسفراء الدول الاعضاء في مجلس الامن وسفراء دول الاتحاد الاوروبي، حاول وإن من خلال عنوان «مواجهة ازمة النزوح السوري» إحداث فك ارتباط بين سلوك «حزب الله» في الملف السوري وموقف الدولة اللبنانية، وذلك عبر «التبرؤ» من انخراط الحزب العسكري في القصير وغيرها وتأكيد التمسك بسياسة النأي بالنفس وإعادة الاعتبار، ولو مبدئياً، الى «إعلان بعبدا» الذي صدر عن أعضاء هيئة الحوار الوطني  في 11 حزيران (يونيو) 2012 والذي نص في بنده الـ 12 على «تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية والدولية وتجنيبه الانعكاسات السلبية للتوترات والأزمات الإقليميّة»، وفي البند 13 على «ضبط الأوضاع على طول الحدود اللبنانية – السورية وعدم السماح باستعمال لبنان مقرّاً أو ممراً أو منطلقاً لتهريب السلاح والمسلحين»، وهو الاعلان الذي تم ايداع نسخة منه في جامعة الدول العربيّة ومنظمة الامم المتحدة.
واللافت في الحملة الديبلوماسية لرئيس الجمهورية، حرصه على حضور وز
ير الخارجية في حكومة تصريف الاعمال عدنان منصور جزءاً منها، وذلك في إطار رسالة حازمة بأن السياسة الخارجية يرسمها رئيس البلاد، وقد حدّد عنوانها العريض امام سفراء دول مجلس الامن بتشديده على «رفض اي تدخل لبناني في الازمة السورية»، وذلك في ردّ مباشر على كلام منصور خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب الاخير في القاهرة الذي برّر فيه تدخل «حزب الله» بالصراع في القصير بانه في اطار الدفاع عن لبنانيين موجودين في الريف، وبتدخل اكثر من 40 دولة في هذا الصراع.

فؤاد اليوسف

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق