أبرز الأخباررئيسيملف

أزمة قبرص هل تجتذب اموال المودعين الخليجيين الى لبنان؟

اذا كانت المسألة قائمة على قاعدة «بكل عرس الو قرص»، فالثابت أنها لا تسري على موضوع تداعيات ازمة قبرص المالية على لبنان الا في حال توسع دائرة الأزمة واشتدادها، وهنا حدّث ومن دون حرج عن العقبات التي ستنشأ في قضايا التبادل المالي والتجاري والاستثماري بين البلدين. ومن توقع أن تدفق خيرات ودائع الخليجيين على المصارف اللبنانية، فهو أيضاً على خطأ، لأن من قرر ايداع أمواله في المصارف القبرصية انما كان يتعمد الهروب من نظام الرقابة على المصارف اللبنانية، واليوم أكثر من اي وقت مضى، لأن المصارف اللبنانية باتت تحت عين المجهر. فهل يغامر المودع الخليجي أو اللبناني من جديد بعدما وقع فريسة الأزمة المالية القبرصية؟ وهل تعود رؤوس الأموال الخليجية المهاجرة الى الاستثمار في الأسواق المحلية في ظل الأزمات المالية التي تعاني منها دول أوروبية من وقت الى آخر؟ انه موسم الطيور المهاجرة ومعها كل شيء يطير ويحط بحسب المواسم.

ليس غريباً أن يحصل ما حصل في قبرص. ومن يقرأ في أزمة اليونان الإقتصادية وإقراض المصارف القبرصية يدرك أن الأزمة حاصلة حتماً. لكن ما يهمنا هو تداعياتها على لبنان، والمقصود في هذا الكلام مصير المودعين اللبنانيين والخليجيين. فهل سيتم تحويلها إلى المصارف اللبنانية؟ وما هو مصير الأحد عشر مصرفاً لبنانياً في قبرص؟
ثمة من يقول أن الاستثمارات الخليجية في قبرص ليست عالية إلا أن احتمال اتساع دائرة الأزمة الحالية بحيث تطاول دولاً أوروبية أخرى، سيقود حتماً إلى آثار سلبية قد تتكبدها الاستثمارات الخليجية. وعلى ذمة الخبراء فإن الودائع الكبيرة التي أودعتها الصناديق السيادية الخليجية في بعض المصارف الأوروبية، مهددة بالتأثر سلباً بالأزمات التي تتعرض لها دول أوروبية منذ أشهر عدة. هذا الواقع فتح قابلية خبراء الإقتصاد على تشجيع المودعين الخليجيين على الإستثمارات المحلية على اعتبار أن البيئة الاستثمارية المحلية أكثر أماناً من البيئة الأوروبية. والدليل أن دول الخليج عموماً، والسعودية على وجه الخصوص لم تتأثر سلباً بالأزمات المالية التي ضربت كلاً من اليونان وإسبانيا والبرتغال وقبرص، وباتت درساً مهما أمام الاستثمارات الخليجية المهاجرة.

 

 

المصارف اللبنانية في قبرص
لكن ماذا عن المصارف اللبنانية التي تعمل في الجزيرة القبرصية منذ سنوات، خصوصاً أن الودائع تفوق المليارين وخمسمئة مليون دولار؟ وهل ستطاولها الإجراءات التي طاولت المصارف القبرصية؟
يوجد في قبرص 11 مصرفاً لبنانياً، اثنان منها محليان، والاخرى تمثل فروعاً لبنوك لبنانية وهي: بيبلوس بنك، الاعتماد اللبناني، بنك أوف بيروت، بلوم بنك، بنك ميد، بنك بيروت والبلاد العربية، انتركونتيننتال بنك، بنك لبنان والخليج، بنك بيمو. وكل هذه المصارف لا تشملها سياسة الاقتطاع المالي التي اتخذتها مؤخراً السلطات القبرصية. لكن المواقف من تداعيات الأزمة بقيت متناقضة، فالودائع التي هي تحت المئة ألف يورو مضمونة في أي مصرف، بما فيها المصارف القبرصية المتعثرة. لكن عملية سحب المودعين في كل المصارف العاملة في قبرص ومن بينها اللبنانية ستقتصر على مبالغ صغيرة محددة. فهل يستفيد لبنان من تداعيات الازمة المالية القبرصية؟
الخبير المالي نسيب غبريل أكد أن المصارف اللبنانية في قبرص سليمة من الناحية المصرفية، وضامنة لودائع عملائها من جانب مراكزها الرئيسية. وأوضح أن هذه المصارف وجدت لخدمة اللبنانيين، خصوصاً في مرحلة السبعينيات والثمانينيات وأبقت على خدماتها بعد انتهاء مرحلة الحرب. إلا أن نسبة الودائع لا تتخطى الـ 3 في المئة من موجودات القطاع المصرفي اللبناني، وهي، أي المصارف اللبنانية تملك السيولة الكافية مما يضمن عدم تأثرها بالأزمة المالية كما باقي المصارف القبرصية. لكن هذا لا يعني أنها في منأى عنها، فالقيود التي فرضت على السحوبات تطبق على المصارف القبرصية بنسبة أكبر مما هي عليه في المصارف اللبنانية، إلا أنها بدأت تنخفض، مما سمح للمودعين سحب اموالهم لكن بمبالغ قليلة.

مناخ غير مشجع
من إيجابيات الأزمة المالية القبرصية أنها لا تحمل أية تداعيات سلبية على لبنان. هذا ما يؤكده الخبير المالي غبريل. هذا في المبدأ. ولفت إلى أن الأموال الموجودة في المصارف اللبنانية تعود الى مودعين لبنانيين وسوريين، أما نسبة المودعين الخليجيين فقليلة. وفي حال قرروا سحبها فإن الخيار فردي وقد يفضلون إبقاءها في المصارف القبرصية او نقلها إلى أي بلد آخر. واكد أن الوجهة التي سيختارها الخليجيون لن تكون حتماً المصارف اللبنانية، لأن الأسباب التي تحول دون مجيء السائح الخليجي والإستثمار في لبنان لا تتوقف فقط على قرار حكوماتهم، فهناك المناخ الإستثماري والوضع الأمني غير المشجعين للمودعين الخليجيين. واعتبر أنه من البديهي أن يفكر الخليجي في إيداع أمواله المسحوبة من المصارف القبرصية في مصارف بلده. وإذا فكرنا في قطف الفرص فعلينا أولاً تطوير البيئة الإقتصادية للحد من تداعيات الخضات الأمنية والسياسية.
استقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وعودة الدور السعودي إلى لبنان فتحتا طاقة أمام البعض للتأمل بعودة الحركة الخليجية والسعودية إلى لبنان، وأولها أموال المودعين في المصارف القبرصية. لكن لا هذا ولا ذاك يفيد. فـ «المناخ الإستثماري لا يتوقف على دور سياسي سعودي أو غير سعودي. المطلوب تطبيق الإصلاحات البنيوية التي ترفع من نسبة التنافسية وتطوير قدراتنا والتخفيف من الهدر في القطاع العام». ويضيف غبريل: «المطلوب قرار سياسي داخلي قبل توقُّع أي إيجابية من أي قرار سياسي خارجي، وجعله خاضعاً للأولويات الإقتصادية. وطالما أن الأمن والسياسة في مهب الريح فالأمل في استقطاب رؤوس الأموال الخليجية والسياح ضئيل جداً حتى لا نقول إنه معدوم».

خوف وريبة
قراءة الخبير الإقتصادي لويس حبيقة لا تختلف، ويقول: «ودائع المصارف اللبنانية في قبرص والتي تقترب من 3 مليارات دولار بقيت في منأى عن الأزمة والإجراءات الضريبية. وهذه الإجراءات لا تشمل كل المودعين في المصرفين اللبناني والقبرصي، إنما تستهدف فقط المودعين الذين يملكون أكثر من مئة ألف يورو. ومع ذلك كان يمكن أن يكون لبنان مرتعاً لاستقطاب الودائع، لأن القطاع المصرفي اللبناني متطور جداً ولديه القدرة والجهوزية والخبرة اللازمة. إلا أن عدم الاستقرار في البلد حال دون ذلك. إذ بات من الثابت أن الإستقرار الأمني والسياسي يحتلان الأولوية في خريطة استقطاب الودائع، وتليهما الإصلاحات لتطوير بيئة الإقتصاد ورفع مستوى تنافسية الإقتصاد اللبناني.
هذه التطمينات لم تمنع شريحة كبيرة من المصارف اللبنانية من ان ينتابها الخوف من امتداد الأزمة اليها، حيث يشير حبيقة إلى حال الخوف والريبة التي تنتاب بعض المصرفيين اللبنانيين بسبب هذه الإجراءات الضريبية والتي يخشى أن تفتح الأبواب أمام المزيد من سياسات فرض الضرائب على كل المصارف في قبرص. حتى إن البعض يتحدث عن زيادة ضرائب بنسبة 4 في المئة على المودعين بشكل عام. وهذا ما سيساهم في ظهور موجة من سحب الودائع التي ربما قد تعود إلى لبنان، بعدما تم تحويل جزء منها إلى المصارف اللبنانية في قبرص خلال حرب تموز (يوليو) في العام 2006 والباقي إلى خارجها.
تدل أزمة قبرص بوضوح على أن النظام الاقتصادي الصناعي لم يتعاف بعد، فـ «الركود الكبير» مستمر في كل أوروبا وبدرجات مختلفة. ويمكن القول بأن قبرص كما اليونان لم تكونا مهيأتين للانضمام إلى منطقة اليورو وهما تعانيان من نتائج قرارهما، بحسب الدكتور حبيقة. ويشير إلى أن الخيار القبرصي الأخير كان واضحاً: فإما الإفلاس أو قبول الدواء المزعج والمكلف للبقاء في منطقة اليورو. في الخيار الأول يوضح حبيقة أن قبرص كانت أمام تحد مفاده ترك النقد الأوروبي والعودة إلى النقد الوطني الساقط حكماً في السوق، مما يشجع على زيادة الصادرات، إضافة إلى اعتماد نقد وطني مما يعني إفقار البلد واندحار الأجور والأرباح وصولاً إلى مستوى المعيشة. أما خيار البقاء في منطقة اليورو فسيحصل ضمن شروط قاسية، أسوأ ما فيها أنها تشكل سابقة لدول تعاني من الداء القبرصي، أي عجز مالي مرتفع ودين عام و قطاع مصرفي متضخم يوازي أضعاف الناتج المحلي.

لبنان ليس ملاذاً آمناً
نصل إلى الودائع الخليجية واللبنانية وهنا بيت القصيد. الواضح يقول حبيقة أن الودائع ستترك المصارف القبرصية عندما تسمح لها الظروف بذلك،أي عندما ترفع الدولة يدها عنها ويتمكن المواطن أو الشركة من التصرف بأموالهما. لكن أين ستتوجه هذه الأموال وفي طليعتها الروسية؟ يجيب حبيقة: «من المتوقع أن تعود إلى بلد المنشأ أو تذهب إلى اليونان وربما إلى دول أوروبا الشرقية ككرواتيا وصربيا وألبانيا وغيرها… أما القول بأن لبنان سيكون وجهتها فليس منطقياً لأن المودعين في المصارف القبرصية تعمدوا وضعها هناك للتهرب من نظام الرقابة على المصارف اللبنانية. وكما هو معلوم فإن النظام المصرفي في لبنان بات تحت المجهر ولا يمكن لأي كان تخطيه».
اذاً «ليس لبنان بالملاذ الأمني أو السياسي الآمن لاستقبال الودائع أو الإستثمارات. حتى الإشارات السعودية، بحسب حبيقة، لن تعيد الثقة إلى المستثمر الخليجي لأن الأسباب التي تحول دون قدومه كسائح أو مستثمر لا تتوقف على حكومة ميقاتي أو من يتولاها لاحقاً، «الثابت أن لا شيء سيتغير مع تغير الوجوه، لأن الوضع في لبنان يرتبط بالأزمة السورية أولاً وما يحصل في مصر وقبرص ثانياً. ثم من قال إن الدور السعودي ولّى ليعود؟ الدور السعودي ما زال على حاله، ما تغير هو المعنويات التي استمدها الشارع السني مع تسمية الفريق السني المتمثل بتيار المستقبل وحلفائه، الرئيس تمام سلام لتشكيل الحكومة. أما على الأرض فلا شيء تغير».
وختم: «كل الأموال التي ذهبت إلى قبرص لن تعود إلى لبنان. أما وجهتها فستكون أوروبا الشرقية التي لا تزال مصارفها خارج دائرة الرقابة المصرفية».

بين متفائل ومتشائم
كلام خبراء الإقتصاد يتفاوت بين متفائل بالتداعيات ومتشائم من ردود الفعل المتوقعة على التبادل التجاري والمالي والإستثماري بين لبنان وقبرص. وعلى ذمة أحد خبراء الإقتصاد فإن المودعين في المصارف العربية واللبنانية الموجودة على الأراضي القبرصية لن يتأثروا بالوضع، لأن الخطة تقضي بسحب 10 في المئة من الودائع، وعندما يتم فتح القطاع المصرفي القبرصي وترفع القيود يصبح في إمكان كل مودع الاختيار بين إبقاء أمواله أو سحبها حتى لو تم وضع بعض القيود عليها. وأوضح «إن الأزمة التي تشهدها قبرص الجنوبية ستكون لها انعكاسات ايجابية على القطاع المصرفي اللبناني الذي يمتاز بالكثير من الصلابة والمتانة. ونحن أمام فرصة ذهبية يجب استغلالها لجذب الاستثمارات والودائع ورؤوس الأموال الموجودة في مصارف قبرص الجنوبية الى لبنان، سواء كانت روسية أو غير ذلك».
ووفق رئيس جمعية منشئي الابنية وتجارها ايلي صوما «هناك عنصر جديد طرأ على المعادلة الاستثمارية هو الازمة المصرفية في قبرص، التي باتت تهدد رؤوس اموال المودعين في مصارفها (بمليارات الدولارات)، وخصوصاً الاجانب (من اللبنانيين وغيرهم)، مما يدفعهم الى المجيء إلى لبنان لايداع أموالهم في المصارف اللبنانية او توظيفها في القطاع العقاري، مستفيدين من مناخ الاقتصاد الحر، والسرية المصرفية والاستقرار النقدي».
فهل يكون التناقض في المواقف ناتجاً عن أزمة أنظمة أم عن مشكلة ثقة؟ وهل يسقط الإقتصاد في مأزق عميق ويعجز عن الخروج في ظل السياسات الحالية والأنظمة الجديدة القائمة في المنطقة؟
عملياً ليست الخيارات كبيرة للدول المدينة. فإما أن ترفع نسبة النمو إلى أعلى من معدل فوائد الديون وهذا شبه مستحيل، لأنه يبقى النمو ضعيفاً أو غائباً وبالتالي أدنى من معدل الفوائد المتدنية أصلاً، أو تتخذ الخيار الأصعب عبر إلغاء قسم من الديون كما حصل في اليونان، حتى لا نقول السطو على قسم من الودائع لتسديد ديون قديمة أو جديدة.
وبين هذا وذاك فالثابت أنه في كل عرس يكون للبنان الحصة الأكبر من القرص. لكن ولا مرة عرفت الدولة أن تستغل الفرص التي تأتيها على طبق من فضة. ويسألون: لماذا ينهار البلد بعد؟!.

جومانا نصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق