لقاء

سميح القاسم: باقٍ في وطني واسرائيل أصغر مني سناً

عندما التقيته أخيراً في القاهرة، بادرني الشاعر الفذ سميح القاسم قائلاً: «ان «الاسبوع العربي» هي اول صحيفة عربية اجرت معي مقابلة مطولة في اواخر الستينيات من القرن الماضي». فقلت له: واليوم سوف نجدد التواصل معك. وسميح القاسم هو احد الرموز الشعرية الكبيرة في هذا العصر. وهو الذي بقي متجذراً في أرض الآباء والاجداد، يعيش فيها، يحكي حكاياتها، يكتشف حقيقتها، يدافع عنها، لانه يعرف تمام المعرفة، ان الارض مثل الحبيبة، عندما تهجرها، فانك تخسرها والى الابد. يستولي عليها القرصان، وتصبح مسرحاً للذئاب! انه يسير على خطى اميل حبيبي. وتوفيق زياد، وفدوى طوقان، وجميع الذين صمدوا في الارض رغم انف قوى الشر والظلام. في هذا الحوار الذي اجريته مع سميح القاسم في فندق «الماريوت» في الزمالك، حاولت ان أعرف سرّ صموده في وطنه، ومصدر ارادته الجبارة، ومدى انزعاج اسرائيل من قصيدته التي يعتبرها سلاحه الفتاك، وصولاً الى مستقبل الوطن السليب… وقد اجاب على اسئلتي، بجرأة الفارس، وصراحة الشاعر المؤمن بالحق والحرية والعدالة. وبلغني اخيراً، انه يمرّ في ظروف صحية صعبة. شفاه اللّه.

ماذا تحدثني عن احوالك؟
السؤال صعب لأن الحديث عن احوالي قد يبدو وكأنه حديث عن احوال شخصية وخاصة، وانا ليس لديّ احوال شخصية وخاصة، سوى حبوب حماية الذاكرة، وبي 12، وفيتامين سي، وطُعم انفلونزا الخنازير. اما الخاص الحقيقي والاكبر، فهو ما يحدث لشعبي ولوطني ولأمتي، هذا هو الحديث الذي يشغلني فعلاً.
لا اعلم الا ما تعلمه من حالة كارثية يعيشها الشعب العربي، بكل قطعانه وكل رُعاته… هذا التمزق، هذا التشرذم، هذه الحالة من المذلة والمهانة، بحيث اصبحنا امة للعبث فقط. نحن أمة من الاسفار، كل شعوب الارض تتصرف بنا وكأننا غير موجودين، حتى دويلة اريتريا تجتاح دولة اليمن وتحتل، فتتدخل هيئات دولية لاخراجها من ارضنا المحتلة، واليمن من اكثر دول العالم التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها، ناهيك عن الاحتلال الاسرائيلي والاميركي والتركي والاسباني والايراني… هناك مساحات شاسعة من الارض العربية ما زالت محتلة، منذ عقود ومن قرون… ليس لدينا لا مخطط تكتيكي ولا مخطط استراتيجي، للتخلص من اشكال الاحتلال، ولا لدينا اصطفاف لمواجهة الاحتلال الاشد والاشرس، الاحتلال الاسرائيلي الصهيوني الاستيطاني… فكيف تتوقع ان يكون حالنا؟!

باقٍ في وطني
كيف يواجه سميح القاسم الاحتلال الاسرائيلي، وانت الصامد في الارض منذ سنوات طويلة؟
لا اريد ان اسميه صموداً ولا بطولة ولا عنفواناً ولا رباطاً. ببساطة، بسبب الخواء العربي، توصلت الى قناعة كأن اسرائيل ما اقيمت لاحتلال فلسطين، ولا لاحتلال جنوب لبنان، ولا لاحتلال الجولان، ولا لتمزيق الأمة العربية… وصلت الى قناعة كأن اسرائيل اقيمت بهدف واحد، هو اغاظة سميح القاسم شخصياً، انا اردّ على محاولة الاغاظة بإغاظة. العنصر الاول من الاغاظة، انني باقٍ في وطني. لم اغادر رغم اغراءات كثيرة، ودعوات كثيرة، وطيّبات كثيرة… لم اغادر لانني اريد ان اردّ على الاغاظة بإغاظة، بقيت في وطني. لا ادّعي بطولة، بل ادّعي القدرة على الردّ، الاهانة بإهانة، والاغاظة باغاظة.

اسرائيل اصغر مني سناً
أنت باقٍ في اسرائيل وغيرك غادر… فما مصدر هذه الارادة؟
انا ما بقيت في اسرائيل، انا بقيت في وطني، ولو غيري فعل مثلي لكان وضعنا مختلفاً للأفضل طبعاً. انا باقٍ في وطني، انا لست باقياً في اسرائيل، انا باقٍ في الرامة، في الجليل، في بقعة من اجمل بقاع الارض. انا باقٍ في وطني، اسرائيل اصغر مني سناً. فلا يعقل انني باقٍ في اسرائيل، بل يجوز القول، ان اسرائيل باقية عليّ.
انا باقٍ بقناعتي البسيطة، لان الوطن ليس جغرافيا فقط، وليس تاريخاً فقط، الوطن احساس بالكرامة الشخصية الانسانية، وانا ادافع عن كرامتي الشخصية الانسانية، ولذلك انا باقٍ في وطني، ولديّ ايضاً سلاح.

سلاح فتّاك
ما هو سلاحك؟
سلاحي اخطر من اسلحة الدمار الشامل التي تحدثوا عنها في العراق، سلاحي اخطر من السلاح النووي الايراني المتوقع، لديّ قصيدة، وهي سلاح فتّاك، كما تعلم، فتّاك باليأس، فتّاك بالمذلة، فتاك بالهوان، فتاك بالتشرذم، فتاك بالاقليمية والطائفية والقبلية، فتاك بما اسميه الجاهلية الجديدة، وهي نظام الحياة العربية الراهن، من المحيط الى الخليج. انتم تعيشون في الجاهلية الجديدة، وانا احارب هذه الجاهلية الجديدة، ولديّ القدرة بقصيدتي. اما جسدي، فهو محدود الاقامة، محدود الحركة، لذلك اترك لقصيدتي ان تفعل ما تستطيع.

قصيدة جيدة
كيف تنظر اسرائيل الى قصيدتك؟ هل تزعجها؟
قبل سنوات عديدة، وبالتحديد في السبعينيات من القرن الماضي، صودرت لي مجموعة شعرية واعتقلت، فتجمّع بعض الشعراء والكتّاب والفنانين من يهود وعرب، للمطالبة باطلاق سراحي، ووُجهت برقيات الى مختلف الشخصيات الثقافية في العالم، فأطلق سراحي. وهناك ناقد اسرائيلي يميني معروف، قال: «من الصعب ان ندافع عن قصيدتك لانها قصيدة جيّدة». هم يعرفون ان هذه القصيدة تنطلق من الشخصي والذاتي الفردي لتكوّن وعياً ووجداناً، وطنياً وقومياً. هم يعلمون ان قصيدتي تشجع طفلاً في النقب، وامرأة في المثلث، وشيخاً في الجليل، على التشبث بما تبقى من تراب.
وبالمناسبة، فان اول من ترجم شعري الى العبرية، كانوا من رجال المخابرات، ونشروا قصائدي في بعض الصحف، ليبرّروا اعتقالي لجمهورهم. وهذه مناسبة لأشكرهم.

ازعاج اسرائيل
ما الذي يزعج اسرائيل اكثر من اي شيء آخر؟
الاصرار على ان هذا الوطن هو وطنك، وانك تنتمي الى هذا التراب، هذا يكفي لازعاجهم.
من هنا اقول، ان اسرائيل لا تحسب حساب الجيوش العربية ولا تحسب حساب السلاح النووي الايراني، اسرائيل تحسب حساب المقاومة الشعبية، وتحسب حساب القصيدة، وتحسب حساب المليون وربع المليون عربي فلسطيني (المواطنين) في الدولة العبرية. وهم يعرّفوننا كالآتي: طابور خامس – قنبلة بيولوجية – قنبلة موقوتة – خطر ديموغرافي – خليّة سرطانية في جسم الدولة… هذه هي تعريفاتنا الرائجة في الاعلام الاسرائيلي. وفي الوعي الرسمي والشعبي. هم لديهم شعار يهودية الدولة، ونحن الذين نعرقل تطبيق هذا الشعار. نحن عشرون في المائة من مجموع السكان، عشرون في المائة في اي بلد لا يستطيع احد تجاهلهم.
لذلك، كنت أحس بغضب غير معقول، حين اسمع بعض السفهاء والتافهين في بلاد الاعراب يقول: «هؤلاء تهودوا، هؤلاء تأسرلوا، هؤلاء جزء من اسرائيل، هؤلاء يهود… ويرفضون الاتصال بنا. ويعتبرون زيارتي لبلد عربي تطبيعاً مع اسرائيل، يعتبرون حملي جواز سفر اسرائيلياً انحرافاً قومياً، وأنا قلتها واكررها: لو خيّرت بين البقاء في الوطن مع دمغة نجمة داود يدمغونها على جبيني او على مؤخرتي، وبين مغادرة الوطن، لفضلت البقاء.
مع الاسف الشديد، الايرانيون اكتشفوا قبل العرب هذه الحقيقة. فيوم دعيت لزيارة ايران عندما كان السيد محمد خاتمي وزيراً للثقافة والارشاد الاسلامي، قلت له مداعباً: انا جواز سفري اسرائيلي، فكان جوابه: «جواز سفرك قصيدتك». وانا اقول: اذا كان عندكم جواز سفر اشرف، ارفعوه.

عاصمة الزيتون
اين تقيم حالياً، في اي منطقة من الارض المحتلة؟
اقيم في الجليل، في الرامة، عاصمة الزيتون العريق والعتيق، الذي يعود تاريخه الى عهد الرومان، قرية جميلة جداً، على سطح جبل حيدر الجنوبي، ثاني اعلى جبال فلسطين، قرية معروفة بتعدديتها، لدينا سُنّة ودروز وارثوذكس وكاثوليك ولاتين وبروتستانت، ولدينا أرمن…
وكان يحضر المقابلة الزميل جهاد فاضل الذي بادره قائلاً: «أليس هناك موارنة؟»
اجابه سميح القاسم مازحاً: نستورد.
وتابع قائلاً: انا على استعداد لاستيراد موارنة… وبالمناسبة، منذ مدة قصيرة، انا زرت كنيسة مار مارون في بلدة الجّش القريبة من قريتي ونقّطت بمبلغ متواضع، طبعاً حسب امكانياتي، لترميم الكنيسة، واحتفلنا بوضع تمثال مار مارون في داخلها، كما احتفلنا بان الكنيسة كلّفت درزياً بنحت تمثال مار مارون. فأخبر في لبنان يا صديق، اخبر في لبنان.

رفض التجزئة
كيف ترى المستقبل في فلسطين؟
اقولها دائماً، اليأس يا أخي، رفاه باهظ التكاليف، لا استطيع تسديد فاتورة اليأس. اليأس يعني الاعتراف بأن رؤياي خاطئة، وان طريقي خطأ، وان مواقفي غلط… وانا متشبث بعدالة قضيتي، وصحة موقفي، وسلامة عقلي ووجداني وفكري. لذلك، انا لا أيأس، اتعذب، احبط احياناً، أتألم بشراسة، لكن ليس هناك قوة في العالم تستطيع تجريدي من طاقة التصدي لليأس، وبوعي الحرية والحق والعدالة، الإلهية والأرضية، لديّ قناعة بأن العرب سيشفون من عللهم الكثيرة، لدي قناعة بأن الوطن العربي هو واحد، والشعب العربي هو واحد، وتعبير «شعوب عربية» هو تعبير سخيف وخطير ومفتعل، وهو من افرازات سايكس بيكو. انا من عائلة تُدعى عائلة حسين قاسم، قاسم جدي، وعائلة حسين في سوريا وفي لبنان وفي الاردن اكثر منها في فلسطين. لذلك ارفض التجزئة: أنت لبناني انا فلسطيني ذلك سوري، ارفض هذا الكلام رفضاً قاطعاً. نحن أبناء وطن واحد، وشعب واحد.

اسكندر داغر

العدد ٢٧٩٢ الاثنين ١٥ نيسان (ابريل) ٢٠١٣ / ٥ جماد الثاني ١٤٣٤

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق