صحة

داء الصرع بين الخطأ والصواب!

قبل أن تذهبوا بخيالاتكم الى البعيد، الى اللاحقيقة، وترموا تحليلاتكم على أمراض وأزمات وحالات، وقبل ان تغرزوا شوكة في جبين من يعانون من داء الصرع، اصغوا: مصابو داء الصرع ليسوا مجانين ولا شياطين! انهم مرضى بحاجة الى علاج ودواء ونقطة على السطر…

في آذار (مارس)، وفي اليوم العالمي للصرع في السادس والعشرين من الشهر عينه بالتحديد، رُفع من جديد عنوان من شقين: «ما تروح بخيالك لبعيد… يللي بيوقع بالنقطة إلك صديق»… تُرى (وبصدق) أين قد تذهب خيالاتكم إذا سمعتم بطفل يسقط بالنقطة؟ ماذا لو أتى طفلكم وهمس في أذنكم بأسلوبه: سقط وائل، رفيقي، أرضاً وشعرت أنه يموت ورحت أبكي؟! هل ستمنعون طفلكم من الاقتراب من وائل؟ هل ستطلبون من المدرسة عزل وائل؟ هل وائل طفل مختلف؟ وما هو مفهوم وأعراض وأبعاد داء الصرع الذي يحلو لنا تسميته شعبياً بداء النقطة أو هزة الحيط أو حتى الوقوع بالساعة؟!

يوم عالمي بالبنفسجي
مرضى داء الصرع لهم يوم عالمي ولون رائع: البنفسجي… يعني، في الشكل، بدأ هؤلاء يلقون بعض العناية لكن ماذا عن المفاهيم العامة حول هذا الداء وهؤلاء المرضى؟
نظمت الهيئة اللبنانية لمكافحة الصرع والجمعية اللبنانية لأمراض الدماغ والأعصاب بالتعاون مع مختبرات سانوفي العالمية لقاء أضاء على هذا الداء، ولأن الوضوح لا يكون من دون استعراض الأخطاء، استمعنا في البداية الى تحليلات شعبية: مريض الصرع يكون مركزاً وفجأة، في اقل من لحظة، يُصبح في مكان آخر! هو شخص تأتيه النقطة على الساخن او على البارد، وفي الحالة الثانية، على البارد، يا رب استر! انها نقطة دم تقف في رأس المريض فيُصاب بالصرع! وامرأة حسمتها سياسياً: حكامنا كلهم مرضى صرع ويسقطون بالنقطة!
بين الاستهزاء والجهل، وبين السخونة والبرودة، وبعيداً طبعاً كلياً عن السياسة، بحثنا عن الحقيقة فوجدناها في مكان آخر، مختلف تماماً، فمن يسقط في النقطة ليس بهلواناً ولا مجنوناً. انه انسان، طفل، له مستقبل لا يقل شأناً أبداً عن مستقبل أطفالكم. لا تصدقون؟ ما رأيكم في أن الفيلسوف سقراط كان مريض صرع، ومثله نابوليون بونابرت وموليير والرسام فان غوغ ولاعب الكرة رونالدو وألفرد نوبل! نعم، لا تستخفوا أبداً بالآخرين، فهم قد يكونون مثلكم وأكثر.
ثلاثة أطباء استعرضوا الداء هم: رئيس الجمعية اللبنانية لأمراض الدماغ والأعصاب الدكتور نبيل محسن ورئيس الهيئة اللبنانية لمكافحة داء الصرع الدكتور وسيم نصر الدين والاختصاصي في أمراض الدماغ والأعصاب الدكتور سليم عطروني، وثلاثتهم ركزوا على امرين: أطفال المدارس والتثقيف!

المصابون واحد في المئة
يبدو ان نسبة المصابين بهذا الداء في مجتمعنا تدنو من واحد في المئة، وهي نسبة ليست طبعاً قليلة حتى ولو قلنا، في قرارة أنفسنا: هل يحرز واحد على مئة ان ننظم له يوماً عالمياً؟ نعم يحرز. كل انسان، في حد ذاته، يحرز. والمريض ليس نازلاً بـ «الباراشوت» بل يتحدر من عائلة تتفاعل معه وتتألم لآلامه وتموت الف مرة وهو يعيش النوبة المرضية!
ما هو داء الصرع؟
قد يُخيل لكم، عند سماعكم التسمية، بان مريض هذا الداء يُصاب بآلام في الرأس لكن الصرع المقصود هنا، هو السقوط بالصرع ارضاً. في كل حال هناك من لا يحلو لهم تسمية هذه الحالة بالمرض بل الدلالة عليها بالاختلال العصبي الداخلي… فماذا يحصل بالتحديد ليتم هذا الخلل؟
كلنا نعلم ان الدماغ هو الذي يتحكم بحركاتنا وأحاسيسنا وأفكارنا وعواطفنا، وهو مقر الذاكرة، وهو الذي يُنظم الأعمال اللاإرادية في أجسامنا مثل خفقان القلب وعمل الرئتين لكن ما لا يدركه كثيرون هو ان في الدماغ خلايا تتصل ببعضها من خلال إشارات كهربائية، وقد يحصل أحياناً تفريغ كهربائي غير عادي في مجموعة من الخلايا ما يتسبب في حدوث نوبة صرع. يعني، بكلام آخر، تحصل أزمة الصرع نتيجة ظهور شحنات كهربائية دماغية زائدة ومفاجئة. ويعتبر الإنسان مريضاً بالصرع بعد حدوث أزمتين متتاليتين.
نوبات أزمات الصرع قد تكون جزئية أو كلية. النوبة الجزئية تنتج عن شحنات دماغية موضعية تؤدي الى أعراض مختلفة مثل الاختلاجات الجزئية في الأطراف أو الاضطرابات السلوكية المؤقتة. اما النوبات الكلية فتنتج عن انتشار شامل للشحنات الدماغية ما يؤدي الى حالات شرود أو غيبوبة مع اختلاجات شاملة لكل الأطراف. ومن هذين التصنيفين الجزئي والكلي تتفرع أنواع من الصرع تزيد عن ثلاثين.

اسباب مجهولة
اتفقنا إذاً على أن داء الصرع هو خلل في الشحنات الكهربائية في الدماغ لكن ما سبب هذا الخلل؟
مؤسفٌ أننا في ظل كل هذا التمدن والتطور الظاهرين لا نزال نسمع عن أمراض مجهولة السبب. سبب داء الصرع للأسف قد لا يظهر في أحيان كثيرة. والظنون تتأرجح بين أن يكون نقصاً في الأوكسيجين في الدماغ أو نتيجة صدمة رأس قوية أو ربما نتيجة وجود جلطة دماغية قديمة أو ورم دماغي أو بسبب اختلال في احد المكونات المعدنية في الدم أو حتى بسبب وجود قابلية جينية خلقية أو وراثية.
سبق وقلنا أن الإنسان يعتبر مصاباً بداء الصرع إذا تعرض الى نوبتين وأكثر لكن هل هذا يكفي لتشخيص الداء؟
يتحدث الدكتور وسيم نصرالدين عن دراسة أجريت على طلاب قيل انهم يعانون من داء الصرع تبين ان 23 في المئة منهم لا يشكون منه! إذاً دقة التشخيص ضرورية. في كل حال يُفترض ان يبدأ التشخيص باقتناع او بشك الطبيب، من خلال رواية الشهود بأن الأزمة التي تعرض لها المريض توحي بنوبة صرع، وقد يطلب بعض الأطباء من أهل المريض تصويره خلال النوبة للتأكد من طبيعة الحالة. ويُصار بعد ذلك الى إجراء تخطيط للدماغ بحثاً عن وجود شحنات كهربائية خاصة بالصرع، وفي حال أتى التخطيط طبيعياً فهذا لا ينفي كلياً وجود الصرع! الشك إذاً يبقى قائماً! ويخضع المريض ايضاً الى صورة الرنين المغناطيسي للدماغ والى فحص للدم بحثاً عن خلل في المكونات المعدنية.

الشفاء ليس مستحيلاً
عند التأكد من التشخيص يُفترض ان يبدأ العلاج. فالشفاء ليس مستحيلاً والعيش بلا نوبات ليس «ضحكاً على الذقون»! فقد أصبح يوجد اليوم أكثر من سبعة عشر دواء للصرع بينما لم يكن يزيد العدد قبل اعوام عن دوائين او ثلاثة. نسبة الشفاء اصبحت عالية وتوقف نوبات الكهرباء اصبح ممكناً. والعلاج يتم عادة بالأدوية وهو يؤمن في معظم الحالات السيطرة على الداء. التثقيف يفيد جداً ايضاً. واختيار الطبيب لنوع الدواء ينطلق من جملة معايير بينها نوع الأزمات وجنس المريض ووضعه الصحي العام. ويفترض التزام المريض بأخذ العلاج بدقة، لا ان يوقفه حين يشعر بتحسن وبتوقف الأزمات لأنها قد تعود أقوى وأشد.
ماذا لو فشل الدواء في ايقاف النوبات؟ ماذا عن الحل الجراحي؟
الجراحة خيار آخر قد يلي فشل الدواء في التحكم بالنوبات، وفي هذه الحال يخضع المريض الى فحوصات متطورة في مراكز متخصصة بداء الصرع بهدف تحديد نقطة انطلاق الخلل الكهربائي في الدماغ، ودراسة امكانية إجراء استئصال أو فصل لهذه النقطة، أو زرع بطارية تحت الجلد لمكافحة هذا الخلل. في كل حال لا بدّ أن تثقوا بأن الكثيرين قد يشفون من هذا الداء عبر العلاج بالأدوية لمدة سنتين او ثلاث سنوات، وعدد قليل جداً لا يشفون، وعندها يكون البحث عن خيارات أخرى بينها العمل الجراحي.
ولدكم مصاب؟

تأكدوا من انه ولد مثله مثل سواه. من حقكم طبعاً ان تخافوا عليه قليلاً أكثر، لكن مثله مثل كل الآخرين يتمتع بذكاء طبيعي ولا يحتاج الى مدرسة تُعنى بالاحتياجات الخاصة، ولا مبرر بالتالي لانخفاض توقعاتكم من تفوقه، لكن نصيحة أن تعلموا الإدارة بحالته كي لا تتسبب أي نوبة قد يتعرض لها خلال وجوده في المدرسة بهلع غير مبرر.

اشارات تحذيرية؟
سؤال قد يخطر في بال الكثيرين… أليست هناك إشارات تحذيرية قد تُنبىء بقدوم النوبة فيستعد لها الأهل والمريض؟ الجواب من الاختصاصي في امراض الدماغ والاعصاب الدكتور سليم عطروني: ليست هناك علامات واضحة لكن قد يشعر البعض بالإرهاق المسبق وبالتوتر والقلق وربما بعدم القدرة على النوم وبتغيير في درجة حرارة الجسم… لكن، للأسف، قد تحدث النوبة أيضاً بلا أي إنذار!
النوبة قد لا تدوم إلا ثواني قليلة وقد تمتد الى دقائق عدة، ويحدث خلال النوبة العامة: فقدان الوعي والتصلب العضلي العام والتشنج والاختلاج وتكثر الإفرازات اللعابية وقد يحدث التبول اللإرادي ويخرج البراز وقد يترافق كل هذا مع حدوث التقيؤ… أما في النوبة الجزئية فيحتفظ المصاب باتصاله بالواقع لكنه لا يعود قادراً على الكلام. وهنا، خلال النوبة، لا تعمدوا الى تقييد حركة المريض ولا تضعوا شيئاً، أي شيء، في فمه. ولا تحاولوا إسعافه بالهواء الاصطناعي. بل قفوا الى جانبه وانتظروا انتهاء النوبة ثم توجهوا به الى طبيبه.
لن نقول طبعاً: هي نوبة وتمرّ… بل هي أزمة تحتاج الى علاج والعلاج يتطور، فلا تخجلوا بوجود حالة من هذا النوع بينكم ولا تذهبوا بخيالاتكم بعيداً وتذكروا دائماً أن من يقع بالنقطة قد يكون لكم أيضاً، مثله مثل أي إنسان آخر، أفضل صديق!.

نوال نصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق