سياسة لبنانية

لبنان يدفع ضريبة ابناء جلدته… وجيرته!

بات الامن الاجتماعي جزءاً من التحديات الخطرة التي تواجه اللبنانيين، بفعل تناسل الازمات وتفرعها من السياسة الى الامن، فالاقتصاد وصولاً الى المالية العامة والدين المتنامي.

شكل الصدام حول مشروع قانون سلسلة الرتب والرواتب، خلال الاسبوعين الاخيرين من شباط (فبراير)، عاملاً ضاغطاً على الحكومة كي تتعثر – ظاهراً – في اقرار احالة مشروع القانون هذا الى المجلس النيابي، فتكتسب بذلك مساحة من المناورة والتقاط الانفاس، أملاً في التوصل الى صيغة تمويل لاكلاف هذه السلسلة تأمن جانب الهيئات الاقتصادية والمؤسسات المالية الدولية، وتنال رضا عشرات الآلاف من الموظفين الذين اعتصموا في اداراتهم. وبذلك يضاف التحدي الاقتصادي – المالي – النقابي بنداً رئيساً على جدول اعمال التحديات اللبنانية السياسية والامنية، بما ان الامن الاجتماعي بات جزءاً لا يتجزأ من مشهدية هذه التحديات المتناسلة كالفطر، فتقترن سويةً كي تشكل عبئاً اضافياً على اللبنانيين.

الازمة السورية
يقول تقرير بحثي صادر عن مركز كارينيغي للسلام الدولي ان «عدم الاستقرار الاقتصادي الذي تعاني منه المنطقة جراء تداعيات الربيع العربي، فضلاً عن مفاعيل الأزمة السورية، سدّدا ضربة الى الاقتصاد اللبناني، مما أدّى إلى تفاقم المشاكل التي يعاني منها وإلى كشف نقاط ضعفه الداخلية. فسجّل نمو إجمالي الناتج المحلي في لبنان انخفاضاً كبيراً في العام 2012 ليصل إلى واحد في المئة أو أقل بعدما كان 3،5 في المئة في العام 2011، والتوقّعات للسنة 2013 قاتمة أيضاً. وتأثّرت كل القطاعات الأساسية بشدّة بالاضطرابات الإقليمية. اذ سجلت الصادرات والسياحة وقطاع النقل تراجعاً حاداً بسبب انقطاع الطرقات الرئيسة وتدهور الوضع الأمني على الصعيدين الإقليمي والمحلي. كذلك، توقّفت الاستثمارات المباشرة، ولا سيما في السوق السكنية، وطاول هذا الوضع بتداعياته مختلف القطاعات الأخرى. إلى ذلك، ارتفع التضخم تدريجياً ليصل إلى 10 في المئة في العام 2012 بعدما كان 6 في المئة في العام 2011، ليعكس بذلك زيادة كبيرة في الأسعار، فضلاً عن عدد آخر من العوامل، منها ضخ كمّية من السيولة تفوق قدرة الاقتصاد على امتصاصها، والزيادة الأخيرة في الحد الأدنى للأجور، وتراجع الإنتاجية. وتزداد البطالة في كل القطاعات تقريباً – ولا سيما في أوساط الشباب الذين يدخلون سوق العمل لأول مرة – كما يتّسع العجز التجاري حيث بلغ 14 مليار دولار في العام 2012، مما يعكس تباطؤاً في صادرات السلع والخدمات. كما سجّل ميزان المدفوعات عجوزات قياسية بلغت أربعة مليارات دولار في العامين 2011 و2012. وزاد تباطؤ الاقتصادات الخليجية من تأزم الوضع بسبب تراجع طلبها لليد العاملة الأجنبية».

وطأة
يضيف التقرير: «تعكس هذه التطوّرات بصورة أساسية الوطأة الشديدة التي تمارسها الأحداث الخارجية على الاقتصاد اللبناني. كما أن المشاكل الاقتصادية المستمرّة التي جرى تجاهلها طوال عقود عطّلت قدرة الحكومة على التعامل مع هذه العوامل الخارجية الضاغطة. من هذه المشاكل، القطاع العام الذي ترتفع كلفته ويعاني من عدم الفاعلية في إدارته، على غرار شركتي الهاتف الخليوي التي تؤمّن نحو 20 في المئة من الإيرادات الحكومية، فضلاً عن شبكة المواصلات وقطاع الطاقة. ويواجه كل من النظام القضائي والقوانين والإدارة المالية العامة مشاكل خطيرة في آلية الحكم، وتعاني الوزارات والبلديات من الضعف وعدم الفاعلية بسبب النقص في التدريب لدى الموظّفين، ومعايير الحكم المتدنّية، والضعف في إدارة المالية العامة، والتنظيمات المسبِّبة للشلل والتعطيل. كما تعتمد موازنات البلديات في شكل أساسي (وصولاً إلى نسبة 80 في المئة أحياناً)، على التحويلات من الحكومة المركزية، إلا أنها لا تحصل عليها وفقاً للمواعيد المحدّدة، مما يحدّ من قدرتها على تنفيذ مشاريعها، فضلاً عن ذلك، ليست المعايير والمتطلّبات في ما يتعلّق بأداء البلديات محدّدة جيداً أو موجَّهة كما يجب، مما يتسبّب بالهدر وضعف الأداء عموماً. كما أن عبء الدين (140 في المئة من إجمالي الناتج المحلي) لا يُتيح هامشاً كبيراً للتصرّف في الموضوع المالي، وتستحوذ فوائد الديون على ثلث النفقات اجمالاً، الأمر الذي أدّى مع مرور الوقت إلى تقلّص المساحة المخصّصة للإنفاق على البنى التحتية والشؤون الاجتماعية في الموازنة. علاوةً على ذلك، تعتمد العائدات إلى حد كبير على الضرائب الاستهلاكية، ونسبة التهرّب من تسديد هذه الضرائب على الدخل مرتفعة جداً، إذ تُقدَّر بنحو 50 في المئة، مما يحدّ من القدرة على توليد المزيد من الإيرادات».

اللاجئون
ويشير التقرير الى ان «تدفّق اللاجئين السوريين القى بعبء مالي إضافي على كاهل الحكومة المطالَبة بتأمين الخدمات الأساسية، وبما أن عدداً كبيراً من اللاجئين يبحثون عن عمل في لبنان، يمارس وجودهم ضغوطاً إضافية على سوق العمل. كما أنهم يُحمِّلون وزراً كبيراً للخدمات في قطاعات الصحة والتعليم والسكن، مما تسبّب في بعض الحالات بارتفاع في الأسعار. كان يمكن أن يجلب هذا التدفّق للطاقات البشرية عملات أجنبية ومزيداً من السيولة للنظام المصرفي، لكن الاقتصاد لا يتجاوب مع الطلب المتزايد الذي يولّده اللاجئون، لأن الوضع يُعتبَر، جزئياً على الأقل، موقّتاً، ولا داعي تالياً لتكبّد عناء الاستثمار في هذا المجال. فضلاً عن ذلك، ستحدّ زيادة الأجور المثيرة للجدل (وهي إجراء مرحلي لمعالجة الوضع الاقتصادي المتدهور) من قدرة الحكومة على الإنفاق على برامج أخرى مثل البنى التحتية وسواها من النفقات لاستحداث الوظائف، والتي من شأنها أن تؤمّن معالجة جزئية من دون زيادة عجز الموازنة. وستؤدّي إلى زيادة بنسبة 24 في المئة تقريباً، دفعةً واحدة، في رواتب القطاع العام. لم يُجرَ بعد تقويم كامل لهذه الزيادة (التي لم تتحقّق بعد) على الاقتصاد والموازنة. واقع الحال هو أن آفاق لبنان الاقتصادية تبدو قاتمة إلى حد ما، ولا سيما على ضوء الظروف العالمية والإقليمية غير المؤاتية».

المانحون
ويلفت التقرير المذكور الى ان الحكومة إزاء هذا الوضع، «طلبت اخيراً دعماً للموازنة من المانحين الدوليين بغية تمويل العبء المترتّب عن تدفّق اللاجئين السوريين، إلا أنها لم تتّخذ أي خطوات محدّدة لمعالجة الركود الاقتصادي الراهن. وتحاول الحكومة أيضاً إيجاد مصدر للإيرادات يؤمّن لها الكلفة الإضافية التي تبلغ 1،2 مليار دولار (بحسب وزارة المال). فهي تسعى إلى معالجة العجز الإضافي الذي تتسبّب به زيادة الأجور من دون تلبية مجمل الحاجات التمويلية للموازنة. لم تُجرَ دراسة وافية ومتأنّية للاقتراح المتعلق بزيادة الإيرادات من أجل تمويل زيادة الأجور، مثلاً من خلال زيادة الضرائب على فوائد الودائع من 5 إلى 7 في المئة، وزيادة الضريبة على القيمة المضافة إلى 12 في المئة. فعلى سبيل المثال، لم يتم تقويم الزيادة الضريبية على فوائد الودائع وتأثيرها في معدّلات الفوائد عموماً، وكلفة الدين، وخدمة الدين، وتدفّقات الرساميل، والاستثمارات، وتالياً على التنافسية والنمو. فهذه الزيادة قد تتسبّب بكلفة صافية بدلاً من عائدات صافية. كما أن زيادة الضريبة على القيمة المضافة قد لا تؤدّي إلى تحقيق إيرادات صافية، بل من شأنها في الواقع تعطيل التأثير التوسّعي لزيادة الأجور. إذاً، لم تعالج السياسة المالية الحاجات الراهنة، بل تحوّلت نحو مسألة الأجور التي لا تزال معلّقة. وركّزت السياسة النقدية على زيادة الودائع والتدفّقات المالية من خلال الفوائد العالية التي تهدف في نهاية المطاف إلى حماية احتياطي العملات الأجنبية وسعر الصرف. ومما لا شك فيه أن هذه المقاربة لم تحفّز الاقتصاد، فالإجراءات الهامشية لزيادة الطلب على القطاع السكني من خلال دعم الفوائد ليست كافية لممارسة تأثير على الاقتصاد».

المصارف
يبدي التقرير البحثي اعتقاداً بأن «وضع المصارف في لبنان آمن إلى حد ما. صحيح أن نسبة القروض المعدومة في الحافِظات المصرفية ارتفعت قليلاً، إلا أن الجزء الأكبر من هذه القروض لا تتعدّى قيمته العشرين مليون ليرة ومملوك من شركات صغيرة تشكّل 80 في المئة من مجموع المدينين المتخلّفين عن التسديد. وفقاً لمصرف لبنان، تملك المصارف اللبنانية احتياطات مناسبة بقيمة 80 في المئة في مقابل القروض المعدومة. واستمرّت التدفّقات المالية من الخارج، ولو بوتيرة أبطأ. وانعكس تراجعها في زيادة عجز ميزان المدفوعات. حتى الآن نجحت المصارف اللبنانية في احتواء تأثيرات الأزمة السورية عليها، والتي تظهر بوادرها من خلال تراجع الطلب على الائتمان. ولا تزال حافِظات الأصول المملوكة من المصارف اللبنانية مستقرّة ومنوَّعة إلى حد كبير، على رغم أن المصارف امتنعت عن زيادة حصّتها من الديون الحكومية. بدلاً من ذلك، ازدادت ودائعها لدى مصرف لبنان الذي استحوذ بدوره على حصّة أكبر من الدين الحكومي وصلت إلى أكثر من 17 في المئة بحلول نهاية أيلول (سبتمبر) 2012. بيد أن هذا التغيير في حافظات المصارف لا يُغيّر المخاطر التي تواجهها. لكن زيادة حصّة مصرف لبنان في تمويل الحكومة قد تؤدّي إلى تفاقم التضخم».

مخاوف
ويلفت التقرير الى ان «ثمة مخاوف من أن تمارس الأزمة في سوريا تأثيراً دراماتيكياً في المصارف اللبنانية من خلال هروب الرساميل وتراجع القروض بسبب تباطؤ النشاط الاقتصادي. وبما أن المصارف الأصغر حجماً عاجزة عن استخدام الودائع التي تملكها استخداماً كاملاً، يدفع لها مصرف لبنان فوائد عن فائض الاحتياطي بغية دعمها، لكن ثمة حدوداً لقدرة المصرف المركزي على امتصاص هذا الفائض من دون أن يتكبّد بنفسه عبئاً مالياً كبيراً. تُقدَّر أصول المصارف اللبنانية في فروعها في سوريا بمليارَي دولار أميركي، وهي مملوكة من المصارف الأقوى التي تؤمّن تغطية للاحتياطي لديها ولا تفرض مخاطر إضافية غير منطقية. وحقّقت هذه الفروع نمواً سريعاً قبل اندلاع الأزمة، وبإمكانها تأدية دور مشابه عند تسوية النزاع. ولكن في الانتظار، يتكبّد مصرف لبنان تكلفة اضافية. ويخلص الى انه «كان للاضطرابات الإقليمية والأزمة السورية تأثير عميق على الاقتصاد اللبناني، وقد كشفت أكثر فأكثر هشاشة بنيته وأدائه. حتى الآن، لم تضع الحكومة خطة لمواجهة الأداء الاقتصادي المتدهور. لكن نظراً إلى المعوِّقات المالية التي تواجهها الحكومة – فضلاً عن الانقسامات السياسية الداخلية – ليس واضحاً كيف سيتمكّن لبنان من الخروج من الأزمة الاقتصادية الخانقة»

طلال عساف

العدد ٢٧٨٦ الاثنين ٤ اذار (مارس) ٢٠١٣ / ٢٢ ربيع الثاني ١٤٣٤

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق