سياسة لبنانية

قراءة اميركية – بريطانية لـ «مشكلة أوروبا مع حزب الله»

لم تتلكأ مراكز الابحاث الاميركية عن مواكبة الاتهام البلغاري لحزب الله بالتورط في تفجير الحافلة التي كانت تقل سياحاً اسرائيليين في تموز (يوليو) 2012، فسارعت الى وضع مقاربات مختلفة لهذا الاتهام ولخلفياته ولتداعياته المحتملة، والمأمولة اميركياً واسرائيلياً، على مستوى التعاطي الاوروبي معه.

تضغط الولايات المتحدة الاميركية والمملكة المتحدة لادراج ما تسميانه الجناح العسكري لحزب الله في اللائحة الاوروبية للمنظمات الارهابية، مرتكزتين على الاتهام البلغاري للحزب بالضلوع في تفجير مطار بورغاس. ويتبين ان لا اختلافات بين موقفي واشنطن ولندن، باستثناء تمايز بريطاني – قد لا يكون جوهرياً – في ما خص التفريق بين ما تسميه الجناحين العسكري والسياسي للحزب، بحيث ترى ان ادراج الجناح العسكري في لائحة الارهاب الاوروبية لا تحجب مشروعية العمل السياسي للجناح الآخر للحزب في الحياة السياسية اللبنانية، النيابية والوزارية.
وتعتقد لندن ان لدى الحزب الرجاحة السياسية التي تمنعه من هز الاستقرار في لبنان في حال ادرج جناحه العسكري في اللائحة الاوروبية للارهاب، لذلك لا تخفي رغبتها في مساحة للمحادثات السياسية اللازمة للوصول إلى حل مستدام، وهو الامر الذي سبق ان قامت به في لبنان عبر سفارتها من خلال اللقاءات المباشرة مع مسؤولين ونواب في الحزب، علماً بأن هذه اللقاءات توقفت منذ فترة.

ايران والحزب
يقول دانييل بنجامين، وهو شغل منصب سفير متجول في وزارة الخارجية الأميركية ومنسق سابق لشؤون مكافحة الإرهاب في الوزارة، في مداخلة له في منتدى سياسي نظمه مركز واشنطن لسياسة الشرق الادنى: «ان هناك انطباعاً سائداً بأن حملة الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب مرتبطة حصراً بتنظيم «القاعدة». وفي الواقع، إن انبعاث إيران اخيراً كدولة راعية للإرهاب والأنشطة العالمية لحزب الله قد أصبح قضية بارزة في أجندة السياسة الخارجية الأميركية. وفي العام 2012، أحبطت السلطات التايلندية استهدافاً للسياح الإسرائيليين. وقادت التحقيقات الإضافية تلك السلطات نحو مستودع معبأ بآلاف الكيلوغرامات من المتفجرات ومواد صنع القنابل، مما يثبت أن التركيز لم يكن منصباً على شن هجمات معزولة، بل على التحضير للقيام بحملة. ووردت تقارير عن أنشطة أخرى في أذربيجان وكينيا، اضافة إلى أماكن أخرى».
يضيف: «في تموز (يوليو) 2012 ، تورط حزب الله أيضاً في عمل تفجيري في مطار بورغاس البلغاري أسفر عن مقتل عدد من الإسرائيليين والبلغاريين. وفي الايام الاخيرة، وبعد الانتهاء من تحقيقات شاملة ومكثفة، نسبت وزارة الداخلية البلغارية الى الحزب مسؤولية القيام بالعمل التفجيري. ويذكر أن هذه النتيجة أخذت قدراً كبيراً من الحماسة السياسية، حيث علمت الحكومة البلغارية أنه كانت هناك مخاطر متعلقة بإصدار مثل هذا الإعلان، لكنها فضلت إعطاء الأولوية لواجبها في مكافحة الإرهاب».

مجابهة
يضيف: «إحدى القوى الدافعة وراء النشاط المتزايد لحزب الله – الذي بلغ مستوى لم يصل إليه منذ تسعينيات القرن العشرين – هي الرغبة في إظهار الانعكاسات المحتملة إذا قررت الدول الغربية مجابهة إيران بسبب برنامجها النووي. ويبدو أن الجماعة طامحة إلى الانتقام من مقتل عماد مغنية، رئيس العمليات العسكرية للحزب الذي شغل هذا المنصب فترة طويلة، ومن وفاة العديد من علماء الذرة الإيرانيين. و يرى أعضاء حزب الله أنفسهم بالفعل في حال صراع مع الغرب وهم يرغبون الآن في إثبات ما سيكون عليه الموقف من سوء، إذا استمرت التوترات تتراكم فوق بعضها البعض».

اوروبا
ويذكّر بانه «لطالما طالبت الولايات المتحدة أوروبا بإدراج حزب الله كمنظمة إرهابية. ومن شأن هذه الخطوة أن تحمل في طياتها مضامين مهمة تتعدى قيمتها الرمزية: وسيُجرِّم ذلك عمليات جمع الأموال والعمليات اللوجستية ويساعد في نزع الشرعية عن هذه الجماعة كفاعل سياسي. حتى ان قادة حزب الله أقروا علناً بالضرر الذي ستلحقه تلك التسمية، أي إدراجه كحركة إرهابية. والأمل منعقد على أن يكون البيان البلغاري نقطة تحول في المناقشات المتوقفة منذ فترة طويلة بشأن وجود حزب الله في أوروبا. إن واقع شن هجوم على التراب الأوروبي سيصعب على صناع السياسة الأوروبيين تجاهله. وكانت المعارضة الأوروبية للتسمية تُعزى بشكل جزئي إلى المخاوف من الانتقام (على سبيل المثال، استهداف «قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان» – «اليونيفيل»). وحتى ان الأهم من ذلك هو أن صناع السياسة الأوروبيين أكدوا مصلحتهم في الإبقاء على تأثيرهم في لبنان، وكثيراً ما كانوا يشيرون إلى أن استقرار هذه الدولة يُعتبر ذا أهمية بالغة. إن هذا التخوف ليس بالأمر الهين نظراً الى تاريخ لبنان، وخصوصاً الخسائر الفادحة في الأرواح خلال الحرب الأهلية. مع ذلك، على رغم هذه المخاوف المشروعة، قد يكون المنطق الأوروبي حيال هذه القضية مخلاً. فالضغط الذي مارسته أوروبا على حزب الله خلال الأعوام الأخيرة لم يفضِ إلى زعزعة الاستقرار في لبنان، ومثال على ذلك رد الفعل الصامت نسبياً للجماعة تجاه الأنباء التي تفيد بأنه تم اتهام ناشطيها بقتل رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري. وعلاوة على ذلك، يعتبر حزب الله في حد ذاته مُساهماً كبيراً في الاضطرابات المحلية، كما رأينا في اغتيال الحريري (…)، وكذلك عملية القتل الواضحة لرئيس شعبة المعلومات في قوى الامن الداخلي اللواء وسام الحسن في العام 2012».

الاستقرار
ويعتبر ان «على اوروبا في المرحلة المقبلة أن تتساءل عما إذا كانت هناك أي مصلحة لحزب الله في العمل بفاعلية من أجل زعزعة استقرار لبنان. فعلى رغم الأعمال العدوانية التي تقوم بها هذه الجماعة في وطنها، يبدو أنها حريصة على حماية ما بقي من صورتها كبطل في الدفاع عن المصالح اللبنانية وكقوة وطنية تشد أزر لبنان القوي. وبذلك لا يبدو أنها في صدد اتخاذ خطوات تهدد بشكل خطير ذلك الهدف. وعلى رغم التصور بأن إدراج حزب الله على قائمة إرهابية خاصة قد يقدح شرارة انتقام ضد قوات «اليونيفيل»، إلا أن احتمال اندلاع حرب أهلية جديدة ضئيل جداً».
ويخلص الى ان «قصة أنشطة حزب الله في أوروبا لا تنتهي عند بلغاريا، ففي قبرص، على سبيل المثال، هناك محاكمة جارية ترتبط بمشتبه به اعتُقل في تموز (يوليو) 2012 وكان قد أقر بمراقبة السياح الإسرائيليين باعتبارهم أهدافاً محتملة. وستمكن المقاضاة والإدانة الشاملة من تلبية متطلبات بعض الدول الأوروبية بتقديم دليل ضد حزب الله يمكن أن تكتمل أركانه في عملية التدقيق القضائي. وسيكون من الصعب على صناع السياسة تجاهل ذلك الدليل. في أي حال، ستعكف أوروبا على درس قضية الإدراج بشكل مكثف في المستقبل القريب. وأشارت دول عدة الى أنها ستغير سياستها إذا نسبت بلغاريا مسؤولية تفجير بورغاس الى نشطاء حزب الله.

مشكلة
اما كيرن بيتس، وهي مستشارة سياسية وممثلة لـ «لجنة الاستخبارات المشتركة» في السفارة البريطانية في واشنطن، فتعتبر في مداخلتها في مركز واشنطن ان «حزب الله مشكلة إقليمية وعلى الأرجح أنها تتنامى على الصعيد الدولي». تضيف: «كشفت التحقيقات البلغارية أن هذه الجماعة تعتبر أيضاً مشكلة أوروبية. اذ اتهم وزير الداخلية البلغاري عضوين من الجناح العسكري لحزب الله بتورطهما في الهجوم المروع الذي وقع في تموز (يوليو) وأسفر عن مقتل خمسة إسرائيليين وسائق حافلة بلغاري بينما أصاب ثلاثين شخصاً آخرين بجراح. وترى المملكة المتحدة أن الرد الصحيح هو قيام أوروبا بإدراج الجناح العسكري لحزب الله كمنظمة إرهابية. وليس لدى المملكة المتحدة شك في شأن تورط الحزب، وكانت قد أدرجت «منظمة الأمن الخارجي» التابعة للجماعة كحركة إرهابية في العام 2001، ثم وسعت هذه التسمية في العام 2008 لتشمل الجناح العسكري بأكمله».
وتشير الى ان «التسمية الأوروبية لن تزعزع استقرار لبنان، كما أنها لن تؤثر في الدور المشروع الذي يلعبه الجناح السياسي لحزب الله في السياسات اللبنانية. بل إن القيام بهذا الإدراج عبر البرنامج الأوروبي لتجميد الأصول الإرهابية سيُثمر عدداً من الآثار الإيجابية: فإضافة إلى أنه سيرسل رسالة واضحة بأن أوروبا لن تتسامح في أي أعمال إرهابية تُرتكب على التراب الأوروبي، سيخفض الدعم لأنشطة حزب الله وسيشكل ضغطاً على الجماعة للابتعاد عن العنف كوسيلة لتحقيق أهدافها، ويضع حداً لقدرتها على جمع الأموال ونقلها، مما يقلم أظافر الجماعة من حيث العمل في أوروبا. كذلك ستكون للتسمية آثار رمزية، حيث ستلحق الضرر بشعبية الحزب وتحد من شرعيته».
وتوضح ان «المملكة المتحدة تميز بين جناحي حزب الله العسكري والسياسي، مستندة في ذلك الى خبرتها في التعامل مع الإرهاب، وخصوصاً في إيرلندا الشمالية. وتتمثل رؤية المملكة المتحدة بأنه -حتى في أفضل الأحوال- لا يُمكن حل المشكلة الإرهابية إلا من طريق الضغط الدائم والمستمر (على سبيل المثال، تعزيز الأمن الدفاعي، وحفظ الأمن والنظام العام، وتنفيذ عمليات بقيادة الاستخبارات، وزيادة الضغوط المالية، والعقوبات) إلى جانب اتخاذ التدابير السياسية. ومن المهم ترك مساحة للمحادثات السياسية اللازمة للوصول إلى حل مستدام، وتأمل المملكة المتحدة في أن يسعى حزب الله يوماً ما إلى تحقيق أهدافه فقط عبر السياسة. وتقر المملكة المتحدة بأن الحزب هو قوة سياسية مؤثرة في لبنان ويتمتع بدعم كبير من المجتمع الشيعي اللبناني. والجماعة جزء من الحكومة اللبنانية ويمكن أن تكون يوماً ما قوة داعمة للاستقرار في البلاد».
وتشير الى ان «المملكة المتحدة أُعجبت بالتحقيقات المضنية التي قامت بها الحكومة البلغارية حول هجوم بورغاس وتعتقد أنه تم الكشف عن أدلة كافية للاتحاد الأوروبي لإدراج الجناح العسكري لحزب الله كـ «منظمة إرهابية». وتدرك المملكة المتحدة أيضاً ان لدى أوروبا قاعدة تشريعية مختلفة عن تلك القائمة في الولايات المتحدة في شأن العقوبات وأنه يمكن الطعن في العقوبات الأوروبية أمام المحاكم»

طلال عساف

العدد ٢٧٨٥ الاثنين ٢٥ شباط (فبراير) ٢٠١٣ / ١٥ ربيع الثاني ١٤٣٤
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق