أبرز الأخبارملف

فنانون عينهم على النمرة الزرقاء و… «سعادة النائب»!

هي ليست بشائعة فنية، وقد تكون أبعد منها بكثير. انها في اختصار ظاهرة تزاوج الفن والاعلام مع كراسي السياسة. والظاهرة باتت أقرب الى الحقيقة بعدما كانت حلماً لدى البعض، وما الفرق؟ هنا لا 8 ولا 14،  لا برنامج انتخابياً، لا تحالفات، ولا حتى سؤال عن القانون الانتخابي المقرر. المهم ما يمتلكه «الفنان» أو «الفنانة» من مقومات شخصية وما أدراكم بها. مشهد لم نتعود عليه نحن اللبنانيين، لكنه موجود في العالم وتحديداً في الولايات المتحدة. ثمة من يقول أن غالبية الطقم النيابي الحالي ليس أكثر تشريفاً من الطقم الفني المرشح للانتخابات. صحيح. لكن ذلك في لبنان لا يتعدى مسألة النرجسية والحسد، الا ان القصة بكاملها جديدة ولم نتعود على مثيل لها في العالم العربي، والا فلماذا هذه الهجمة على لقب «سعادة النائب»اليوم؟ وماذا لو دخلت ميريام كلينك مجلس النواب؟ حتماً سيكون هرها بطل الشاشات في اليوم التالي، هل تعرفتم الى عنتر؟!

مما لا شك فيه إن النمرة الزرقاء تغري، بغض النظر عن لوائح الشطب والأموال التي تهدر على الحملات الإنتخابية. إلا أن حكاية الزواج بين السياسة والفن لا بد آتية وإن كانت حتى الساعة غير مبنية على أسس ثابتة، وبغض النظر عن كل ما قيل ويقال، فإن المشهد جدي. وإذا عدنا في الذاكرة نكتشف أن القصة ليست جديدة أو طارئة على عالم السياسة. فالرئيس الراحل رونالد ريغان كان ممثلاً سينمائياً معروفاً، والممثل آرنولد شوارزينغر تخلى عن لقبه كممثل سينمائي وبطل ملاكمة، وصار حاكماً لولاية كاليفورنيا. وفي مصر كانت هجمة الفنانين نحو السياسة بعد قيام ثورة 25 كانون الثاني (يناير) لافتة. منها ما كان ممسرحاً  بعض الشيء، كمثل عزم سعد الصغير ترشيح نفسه للرئاسة، ومنها ما كان أكثر جدية كمثل ولادة أحزاب وحركات ومنها حزب المساواة والتنمية الذي أسسته الفنانة تيسير فهمي إضافة إلى إعلان فنانين لخطهم السياسي وتأييدهم أحزاباً معينة.
وفي لبنان لا بد من الإعتراف بأن هذا الواقع بات يفرض نفسه. فالفنان اللبناني بات كما سواه منغمساً في السياسة. لكن ظاهرة الترشح للحصول على مقعد برلماني تطرح أكثر من علامة استفهام: كيف؟ من؟ ولماذا الآن؟، وما هو برنامج الفنانين المرشحين؟

كارول صقر وكرّت السبحة
الظاهرة انطلقت مع إعلان الفنانة كارول صقرعن نيتها الترشح للإنتخابات النيابية. صقر الخارجة من بيت سياسي قررت أن يكون لها «برنامجها وخطها الإنساني الذي عرف به والدها طوال فترة نضاله السياسي» كما تقول كارول. لكن عنوان برنامجها صار واضحاً: مساعدة كل لبناني بعدما أسقطته الدولة وزعماؤها من حسابه. بعدها كرت السبحة…
ميريام كلينك التي يلقبها البعض بـ «لايدي غاغا لبنان»، وصاحبة الكليب المستفز، وأيضاً عارضة الأزياء، لا علاقة لها بالسياسة أساساً، إلا أنها تنوي الترشح لتصبح نائباً، عن أي منطقة وما هو مشروعها؟ لا يهم.
الفنان غسان الرحباني الذي خاض التجربة مرة وفشل، تراجع هذه الدورة ليطل علينا طوني حدشيتي الذي استعاد اسمه الأصلي وتخلى عن لقبه الفني «زين العمر» من أجل عيون السياسة، وهو متحمس بشدة . أما صاحبة وكالة عرض الأزياء ناتالي فضل الله المثيرة بإطلالاتها التلفزيونية فاعلنت ترشحها جهاراً، وبدورهما المخرج شربل خليل والإعلامي جورج قرداحي، انضما إلى لائحة الأسماء المؤكدة التي تنوي الترشح، وكذلك كارمن لبس نجمة الدراما الأولى، وراغب علامة سفير النوايا الحسنة والفنان الأول في النجومية والشهرة. آخرالعنقود حتى الساعة لارا كاي التي أعلنت أن لا شيء يحول دون ترشحها طالما أن ميريام كلينك أعلنت عن نيتها الترشح. ولم لا؟ كلهم حلمهم واحد: كرسي تحت قبة البرلمان. لكن شتان بين هذا أو ذاك. والكلام ليس من باب التجني على أحد طبعاً.

ضرب ذكاء ام نرجسية!
ظاهرياً لا يمكن التمييز في توجهات الفنانين المرشحين  السياسية. يعني بين 8 و14 اذار الطاسة ضايعة. والمسألة ليست تهرباً أو خوفاً من إعلان موقفهم السياسي. فبعدما كان النجوم يتهربون من الاعتراف بآرائهم السياسية، ها هم يرفعون الغطاء المخفي ويعلنون ليس فقط عن انتمائهم فحسب بل عن رغبتهم بالترشح مع تيارات مختلفة تحاكي عقائدهم وطموحاتهم المستقبلية. لكنهم حتى الساعة يتحفظون في انتظار إعلان تحالفاتهم. ضرب ذكاء! ربما، لكن التجارب السابقة أثبتت عدم نجاح خطة وصول النجوم الى النيابة، وهذا ما ظهر جلياً في الدورة الماضية عندما أعلن الفنان غسان الرحباني ترشحه عن المقعد الأرثوذكسي في منطقة المتن الشمالي، إلا أنه لم يحظ بالفرصة على رغم شعبيته الكبيرة، كذلك تقدم جاد صوايا، بالترشح بشكل منفرد ولم ينجح. فهل تكون انتخابات العام 2013 فاتحة خير لدخول الفنانين الى قبة البرلمان؟
نقيب الممثلين جان قسيس أكد أنه ليس ضد فكرة ترشح أي فنان، إذا كان يمثل قيمة فنية معينة، «وهناك الكثير من الفنانين الذين يحملون تاريخاً فنياً عريقاً وحضوراً كبيراً على الساحة الفنية سواء على مستوى الغناء او التمثيل. لكن أن يتقدم كل من يصنف نفسه فناناً بالترشح، فأنا ضد الفكرة طبعاً، خصوصاً أن لدينا فنانين بالقوة ومنهم من فرض نفسه قسراً على الساح الفنية. وهؤلاء لا مكان لهم في السياسة ولا حتى في أي موقع في المجتمع اللبناني». ويعود قسيس إلى سيرة عدد كبير من الرؤساء الذين حكموا العالم بعدما كانوا حفروا اسماءهم في تاريخ الفن والتمثيل، ومنهم الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان، وحاكم الشارقة الدكتور محمد القاسمي الذي يكرس وقته وأمواله للنهوض بحركة المسرح: «كل هذا ما كان ليحصل لو لم يكن للرئيس أو الحاكم خلفية فنية راقية وحضور لافت في عالم الفن».
اليوم الأمر يختلف ولقراءة النقيب قسيس قواعد وتفسيرات، ويقول: «لا يمكن تفسير ظاهرة ترشح الفنانين اليوم، ولا أفهم الجدوى منها إلا من زاوية ممارسة نوع من النرجسية عند البعض». واعتبر أن السوء والإنحدار في الجو السياسي ساهما في فتح المجال امام أي كان للترشح للإنتخابات النيابية. «في الماضي كنا نسمع بترشح سياسيين حقوقيين ورجال أعمال ومشرعين. وكان المجلس النيابي يضم بنسبة 50 في المئة من الأطباء والمشرعين والقانونيين. اليوم بالكاد يمكننا أن نتعرف إلى أسماء 20 نائباً من أصل 128 ولا أعرف ماذا يمثلون أو ما هي مشاريع القوانين التي تقدموا بها أو أنجزوها لمصلحة الناس. أما مصالحهم فمصانة. ولو لم يتحالفوا مع هذا التيار او ذاك الحزب لما وجدوا مكانة لهم في اللعبة السياسية».

حظوظ ضئيلة
ما لا يختلف عليه اثنان أن نسبة حظوظ وصول مطلق أي فنان إلى قبة البرلمان ضئيلة جداً إذا لم يتحالف سياسياً مع هذا الفريق او ذاك، «عندها يكونون متساوين مع النواب الذين وصلوا على ظهر هذا الفريق أو ذاك، والمؤسف أنه عندما تبدأ الأمور في الإنحدار إلى هذا المستوى فهذا يعني ان على لبنان السلام»، يقول قسيس. وحتى لا يكون الحكم في ظاهرة ترشح الفنانين ظالماً، خصوصاً أنه يصدر عن مرجع فني نقابي كان لا بد من التمييز بين الشرائح الفنية المرشحة. وفي هذا المجال يقول قسيس: «هناك أسماء جديرة بالثقة والإحترام، وتتمتع بتاريخ فني أو إعلامي عريق، منهم الإعلامي جورج قرداحي والفنان راغب علامة والممثلة كارمن لبس وكارول صقر. فلكل منهم جمهوره ومعجبوه. لكن الجمهور وحده لا يكفي. فهناك موقع الفنان وسيكون محظوظاً لو تمكن من خلاله تحقيق الفوز والوصول إلى لقب سعادة النائب. والأهم أن يضع كل فنان أو إعلامي مرشح للإنتخابات المقبلة برنامجه السياسي، فلا يتكل على الجمهور وحده وإلا سيتحول إلى رقم أو لعبة في أيدي السياسيين».

بين الـ «لايك» وصناديق الاقتراع
قد يفترض البعض أنه من خلال هزة خصر، أو جمع أكبر عدد ممكن من المعجبين والـ «لايكات» على صفحة الفايسبوك سيتفوق على غيره في الدخول إلى البرلمان. أو أن شهرته الإعلامية التي جمعت الملايين، تخوله جمع أكبر عدد من الأوراق في الصندوق. لكل هؤلاء نقول: المعادلة خاطئة. فلعبة الكراسي تفترض الكثير من الحنكة السياسية والإجتماعية وتتداخل فيها المعادلات الطائفية والعائلية والإقطاعية، إلا إذا أراد أن يلعبها الفنان المرشح صولد، فيتحالف مع هذا الحزب أو ذاك التيار ليفوز بمقعد نيابي. وإذا سلمنا أنهم دخلوا اللعبة فماذا سيكون مشروعهم الإنتخابي؟ وهل سيتمكن فنانونا من الإلتزام بمواعيد الجلسات بعدما تعودوا أن يبدأ نهارهم عصراً؟ وإذا وضعنا المشهد السوريالي الذي سيرسمه دخول بعض الفنانات إلى المجلس، فإن باقي المشهد غير مقنع.
في الدورة الماضية استقرت بورصة الفنانين المرشحين للانتخابات النيابية على ثلاثة مرشحين فعليين هم: الموسيقي وعراب الـ ««فور كاتس» غسان الرحباني، المايسترو عبدو منذر، والمتعهد ومخرج الكليبات جاد صوايا. لكن أياً من الأسماء الثلاثة لم يحصل على لقب «سعادة النائب». وقد يكون الفنان راغب علامة أكثر المرشحين جدية في الوسط الفني بعدما عبر عن رغبته في تسلم  منصب رئاسي على المستوى السياسي  في المؤتر الصحافي لمجموعة MBC الذي أقامته للإعلان عن انطلاق برنامج “Arab Idol“ في موسمه الثاني. وقبل ان يتلقف الرأي العام والصحافة الخبر أوضح انه «لا يهتم بأي منصب سياسي في لبنان ضمن الظروف السائدة من مشكلات سياسية وطائفية، لكنه سيكون جاهزاً لخدمة بلده في حال تخلص من مشكلاته هذه». أما الإعلامي المخضرم جورج قرداحي فقد أعلن نيته الترشح عن دائرة كسروان وعلى ما يبدو مع فريق سياسي يحاكي انتماءه وتطلعاته منذ زمن. لكن هل سيحصد قرداحي الأصوات ويحقق حلم المليون؟

السياسة المسرح
المحلل في علم الإجتماع البروفسور أنطوان مسرة اعتبر أن ظاهرة ترشح الفنانين «مفيدة» لكن لا يجوز وضعها في إطار الظاهرة، لأن السياسة في العالم تحولت إلى نوع من المسرح يلعب فيه السياسيون أدوارهم التمثيلية ويؤدي الناس دور المشاهدين، في حين يكون البلد أو الدولة ساحة المسرح. ولفت مسرة إلى أننا نعيش نهاية السياسة عالمياً بعدما باتت تقتصر على المنافسة والمبارزة والتصادم وكل ذلك على حساب الشأن العام. وبعدما كانت القوى الكبرى تعتمد على السلطة السياسية والمال والأنتلجنسيا وسلطة رأس المال باتت هناك كتلة واحدة تجمع بين كل هذه الفئات بدلاً من أن تبقى متمايزة، ويعمل كل منها على مراقبة الآخر. حتى الأنتلجنسيا باتوا بصفة مراقبين أو مستشارين للسياسيين. وهذا ما يزيد من واقع مسرحة السياسة على حساب المصلحة العامة ومراقبة المواطنين.
هذه الظواهر قد تبدو طبيعية في دول العالم، لكنها في لبنان أكثر خطورة بحسب مسرة، لأنه يقع في محيط عدائي، ويعيش حالة من التحول الديمقراطي. ويفترض هذا الواقع تأمين درجة عالية من الوعي، لتصويب مسار السياسة والمحافظة على نسيجها الإجتماعي. ويضيف: «نحن لا نسخر من الفنانين والممثلين إذا أعلنوا ترشحهم للإنتخابات النيابية. فهذا أمر طبيعي بعدما تحولت السياسة إلى مسرح عالمي لكنه في المقابل يهدد الديمقراطية على المدى البعيد، خصوصاً في حال نشوب حرب أو في حال امتداد الإرهاب. إذ لا يمكن للمواطنين، وتحديداً الجيل الصاعد، الدفاع عن ديمقراطيته لأنه لم يتعود على مفهوم الإلتزام. أما في المطلق فإن مسألة دخول المسرحيين والأدباء والشعراء المجلس النيابي هي بمثابة نقطة تحول إيجابية لأنهم بطبيعتهم أقرب إلى مشاعر الناس واهتماماتهم وحاجاتهم اليومية، في زمن  باتت فيه السياسة بعيدة جداً عن هموم المواطنين، وأصبح السياسيون ينأون بأنفسهم عن معاناة الناس ومتطلباتهم الإجتماعية». وشدد مسرة على ضرورة التنوع في بنية المجلس النيابي الاجتماعية. لكن ليس بطريقة عبثية. وإذا حصل فمرده إلى الإنحطاط السياسي الحاصل على المستوى العالمي وليس في لبنان والعالم العربي فحسب.
في النهاية كل شيء يرتبط بالناخب وليس المقترع «على الناخب أن يحاسب المرشح إذا أخطأ أو قصر في تأدية واجباته. هذا في المبدأ لكن اللبناني هو في العموم مقترع وليس ناخباً. من هنا يبدو الحكم على الفنانين المرشحين شبه تجنٍ او افتراء بغض النظر عن مظهرهم الخارجي أو كما يقال من أشكالهم تعرفونهم». وإذا سلمنا، يختم مسرة، أن السياسة تحولت إلى مسرح عالمي وهذا أمر محزن فهذا يعني أن «السياسة تحتاج إلى تأهيل وليس الى المرشحين».

اسماء غير مشرفة
الكاتب مروان نجار أصر على شعاره الدائم «في التعميم تعمية». وحتى نكون منصفين يقول: «هناك مجموعة من الأسماء التي أعلنت نيتها في الترشح تشرف وجه البلد والسياسة وتستحق أن تحمل لقب سعادة النائب أكثر من غالبية النواب الموجودين اليوم في البرلمان والذين يعملون لتأمين مصالحهم الشخصية ليس إلا.  لكن في المقابل هناك مجموعة ذات مواصفات مشتركة لا تشرف لبنان. وما ترشحها إلا لمواكبة موجة معينة للحاق بها ورفع شأن أمور أخرى ملتصقة بمواصفاتها». وعلى رغم خشيته من طرح بعض الأسماء «غير المشرفة» إلا أنه تمنى على بعض السياسيين التمثل ببعض الفنانين المرشحين على غرار الفنان راغب علامة وقال: «أتمنى أن يتقدم بترشيحه لينقذ البلد ويخدمه لما فيه خير المصلحة العامة فيكون بذلك أكمل مسيرة نجاحه الفني والإداري بخطوة ترشحه السياسي».
نسأل نجار عن إمكانية ترشحه في الإنتخابات النيابية المقبلة، فيجيب بجرأته المعهودة: «أنا مرشح دائم لأقول ما أريد وأعبر عن رأيي صراحة بكل الطاقم السياسي واحوال البلد لكن من خارج أي اصطفاف أو مجلس نيابي».
ثمة من يعتبر ان المستوى السياسي في لبنان وصل إلى أقصى درجات الإنحطاط بدليل الأسماء والصور التي بدأت تتداول عبر مواقع التواصل الإجتماعي وتنقل أخبار الفنانين المرشحين. لكن حتى لو كانت الغالبية ترى أن في السياسة ما هو أسوأ مما سيقدمه الفنانون، إلا أن المحك يبقى عند صناديق الإقتراع. فهل سيتقبل المقترع اللبناني فكرة تقديمه لقب سعادة النائب لتلك الفنانة وهرها عنتر؟ وأي فنان سيحظى بثقة الشعب «العظيم»؟!

جومانا نصر
 

العدد ٢٧٨٤ الاثنين ١٨ شباط (فبراير) ٢٠١٣ / ٨ ربيع الثاني ١٤٣٤
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق