سياسة عربية

فلسطين: هل تكون حكومة الشراكة مقدمة التجربة الناجحة؟

رغم التباينات التي ظهرت خلال الاجتماع الاخير للفصائل الفلسطينية في القاهرة بين المكونين الرئيسيين منظمة فتح ومنظمة حماس، فان الطرفين ابديا حرصاً على المضي قدماً في المصالحة محاولين العمل على تذليل العقبات التي تعرض هذه المسيرة التي بدونها لا يمكن للقضية الفلسطينية ان تشق طريقها قدماً، في ظل ما يعترضها من الغام اسرائيلية تعمل على زرع التفرقة بين الفلسطينيين.

اثمرت اجتماعات القاهرة الاخيرة بين الفصائل الفلسطينية والهادفة الى المضي قدماً في تحقيق المصالحة الفلسطينية المنشودة، عن الاتفاق على خطوتين مهمتين وهما:
– تأليف حكومة وحدة وطنية فلسطينية يتعين ان تشارك فيها كل الاطراف الفلسطينية بعد اشهر.
– اجراء الانتخابات العامة في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي الشتات الفلسطيني على ان تنطلق فوراً عملية تحديث السجل الانتخابي.
من المفترض وبشكل مبدئي ان تكون انتخابات تشريعية ورئاسية اضافة الى انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني الذي هو احد الشروط الاساسية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
وبالطبع ثمة قضايا اخرى خلافية لم يتم الاتفاق نهائياً عليها، فتم ترحيلها الى ما بعد التحضير لهاتين الخطوتين.
ولقد كان لافتاً ان الاجتماع الاخير في القاهرة، انعقد تحت شعار «الاطار القيادي لمنظمة التحرير الفلسطينية» وشارك فيه الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل وقيادات سياسية من الفصيلين، فضلاً عن قيادات اخرى من الفصائل الفلسطينية وشخصيات فلسطينية مثل مصطفى البرغوتي وحنان عشراوي، وهو ما اعطى الاجتماع قيمة سياسية ومعنوية كبرى.

تناقضات ومطالب
حسب اجواء المجتمعين فقد برزت تناقضات ومطالب من جانب الفصيلين الاساسيين، (اي فتح وحماس) ولكن الحرص على المضي بالمصالحة قدماً افضى الى تذليل هذه العقبات وبالتالي تقرر تقديم مسألة الاتفاق على حكومة الوحدة الوطنية على ما عداها من قضايا وملفات واعتبارها نقطة الانطلاق التي من شأنها ان تبرهن للجمهور الفلسطيني المتلهف لانجاز هذه المصالحة، او بمعنى اخر المتشوق الى الخروج من حالة الانقسام المستمر منذ اكثر من خمسة اعوام، بأن قطار المصالحة انطلق فعلياً ولا مجال لاعادته الى الوراء.
وحسب المعطيات نفسها، فإن المناخات الاولية اعطت انطباعاً فحواه، ان ثمة اتفاقاً مبدئياً على امرين اساسيين في اطار حكومة الوحدة الوطنية المنشودة وهما:
– تأليف حكومة موقتة برئاسة عباس نفسه.
– ان تضم هذه الحكومة ما بات يعرف بشخصيات اكاديمية او تكنوقراط (اختصاصيين).
والواضح ان التوجه الى مثل هذا النوع من الحكومات يرمي ضمناً الى تحقيق هدفين اساسيين دفعة واحدة.
الاول: اعطاء انطباع للجمهور الفلسطيني بأن ثمة رغبة لقوى قيادة الفصيلين بالاتيان بحكومة تصرف كل اهتماماتها في الانجاز والعطاء لازالة مظاهر الفساد السياسي والمالي وما الى ذلك مما ارتكبته الحكومات السابقة، مما بدد ثقة الشعب الفلسطيني بقياداته وحكوماته، خصوصاً بعد نشوء السلطة الفلسطينية بعد عام 1965.
الثاني: ان قيادتي الفصيلين عازمتان على عدم الدخول في لعبة المحاصصة الوزارية والسياسية، وما الى ذلك، فضلاً عن ان هذه الحكومة ستكون حكومة مؤقتة مهمتها الاعداد للانتخابات العامة والاشراف عليها لتأتي انتخابات نزيهة، تستعيد ثقة الشعب الفلسطيني والعالم برمته بالسلطة الفلسطينية وبما سينبثق عنها لاحقاً من حكومة ومؤسسات سلطوية.
وعليه، ثمة متابعون للشأن الفلسطيني الداخلي يرون بأن القيادات الفلسطينية توصلت ضمنياً الى قناعة فحواها، انها تتصرف على اساس انها تبني المؤسسات السلطوية من جديد، لكي يتم التخلص فعلاً من آثار المرحلة السابقة، التي يشوبها الكثير من السوداوية والسلبية.

مرحلة جديدة
اضافة الى ذلك، فإن كلا الطرفين اي فتح وحماس عزمتا ضمناً على الانطلاق في مرحلة جديدة من التعايش والمشاركة، بناء على قناعة عبر عنها بصراحة خالد مشعل نفسه في حديث اذاعي ابان محادثات القاهرة الاخيرة، عندما قال: «فلسطين لنا جميعاً… نحن شركاء في هذه الامة، وحركة حماس لا يمكنها ان تفعل شيئاً من دون حركة فتح كما لا يمكن لفتح ان تفعل شيئاً من دون حماس.
وعلى هذا الاساس، ثمة من يرى ان هذه القناعة ما كان يمكن ان تترسخ على هذا النحو قبل فترة من الزمن وبالتحديد قبل تجربة الاعوام الخمسة المنصرمة حيث كان يتصرف كل طرف على اساس ان في مقدوره الغاء الطرف الاخر او استتباعه، لا سيما وان كلاً منهما كان يخوض للمرة الاولى تجربته المشتركة في الحكم التي لم تدم سوى اشهر قليلة.
ففي ذلك الحين، وبالتحديد بعد صدور نتائج الانتخابات التشريعية العامة والتي شاركت فيها حركة حماس للمرة الاولى وافرزت فوزاً كاسحاً، تصرفت الحركة الاسلامية التي تسلمت رئاسة المجلس التشريعي ورئاسة الحكومة حينذاك، من منطلق انه صار في امكانها ان ترث حركة فتح سياسياً وان تصير هي القابضة على زمام الامور كلها ولو بعد حين.
وفي المقابل، فإن حركة فتح التي غرقت يومها في حالة احباط وصد من جراء الهزيمة المدوية التي عانتها، قررت ضمنياً ان عليها العمل على استرداد ما فقدته من سلطة ومن شعبية ولو بعد حين، اذ لم تقبل هذه الحركة يومها بأن تستوعب الدرس وتستخلص العبر والاسباب التي ادت الى فقدانها عرش السلطة، وبالتالي ان تتقبل طوعاً شراكة التنظيم الفلسطيني الصاعد، بل انتظرت اللحظة المؤاتية لتنقض على منافستها.

انفراط عقد الشراكة
بناء عليه، كانت تجربة انفراط عقد الشراكة، فأقال رئيس السلطة الفلسطينية عباس حكومة حماس برئاسة اسماعيل هنية وعطل المجلس التشريعي وشكل حكومة جديدة برئاسة سلام فياض، فتفردت حركة حماس بحكم غزة وقطاعها الذي كان خرج لتوه من تحت اسر الاحتلال الاسرائيلي ووقع في المحصلة الشعب الفلسطيني ضحية هذا الانقسام الفلسطيني العميق على مدى اعوام خمسة، ضاعت معه كل محاولات رأب الصدع واعادة الامور الى مجاريها الطبيعية، وكانت غزة اكثر من سواها ضحية ذلك كله، اذ حوصرت وهوجمت عشرات المرات من الجانب الاسرائيلي الذي امعن فيها قتلاً وتدميراً وتشريداً.
وهكذا، واذا حسنت نيات كلا الطرفين، فإن الفلسطينيين مقبلون من الان وحتى الصيف المقبل على تجربة حكم مشتركة ابتداءً من الرئاسة انتهاء بالمجلس التشريعي مروراً بالحكومة، فضلاً عن مسألة اعادة احياء منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها التاريخية، وهي عملياً اذا اكتمل عقدها وانجزت خطواتها ستكرس تجربة حكم جديدة على كل مكونات الشعب الفلسطيني وفصائله. فهي عملياً ستنهي عهد تفرد الفتحاويين شبه المطلق بمؤسسات، خصوصاً ان مشاركة الفصائل الاخرى التاريخية كانت رمزية وشكلية وهو امر سيكون من الصعوبة ان تقبله هذه الحركة التي تعتبر نفسها رحم النضال الفلسطيني، فضلاً عن انها تعودت منذ ان امسكت بزمام منظمة التحرير الفلسطينية التي انشئت قبل انطلاق حركة فتح بأعوام وصارت الرقم الصعب في رحلة النضال الفلسطيني، ان تكون هي المطلقة اليد والحرة التصرف بكل مقدرات النضال الفلسطيني اولاً ثم بمقدرات السلطة الفلسطينية بعد اتفاقية  اوسلو.
وفي المقابل فإنه سيكون على حركة حماس ان تتقبل وضعية الشريك في الضفة وغزة ايضاً، وهو امر سيكون صعباً عليها خصوصاً وانها تعودت ان تكون مطلقة اليد في حكم غزة وقطاعها على مدى اعوام عدة.
ولا ريب في ان واقع الحكم والشراكة الموشك على الارتسام بعد اشهر قليلة، ترك جملة تساؤلات وهواجس حول امكانية نجاح هذه التجربة الجديدة من نوعها على كل الاطراف الفلسطينية، على الشعب الفلسطيني برمته، فضلاً عن الفصائل الفلسطينية الاخرى التي طالما شكت مراراً من قمع هذا الطرف او ذاك، وعدم تقبله وجود آخر له حق الشراكة وحق العمل والتواجد بحرية، فضلاً عن حق الاختلاف الفكري والعقائدي.

كلمة السر
وحيال ذلك كله، فإن ثمة من يرى بأن «كلمة السر» الاساسية ستكون في انتخابات المجلس التشريعي حيث سيعرف كل فريق حجم حضوره الشعبي، واستطراداً حجم حصته في الحكم والحكومة لاحقاً، اذ ان كلا الطرفين ينسبان حسابات غير نهائية لقوة حضورهما الشعبي، ويوم الحساب الحقيقي الذي سيكون من خلال فرز صناديق الاقتراع سيبنى على الشيء مقتضاه.
وحتى يوم الاحتكام الى الشعب والى صناديق الاقتراع، فإنه سيكون على الفصائل الفلسطينية ان تتجاوز ايضاً الخلافات والتباينات التي ظهرت في الاجتماعات الاخيرة في العاصمة المصرية حول القوانين التي ستجري على اساسها الانتخابات المقبلة، سواء في الداخل او في الخارج، خصوصاً انه تم الاتفاق على ان تشمل الانتخابات هذه المرة فلسطينيي الشتات، فضلاً عن قضايا اخرى خلافية، ولكنها جوهرية مثل قضية اشكال النضال والتفاوض للوصول الى الحقوق النهائية للشعب الفلسطيني.
ابان الاجتماعات الفلسطينية الاخيرة في القاهرة، حرص جميع المشاركين على اطلاق اجواء تفاؤلية او على الاقل حرصوا على تثبيت وتكريس ما هو متفاهم عليه وارجأوا الى وقت لاحق ما هو مختلف عليه.
لكن ذلك على بلاغته لا يعني اطلاقاً انتهاء عصر معاناة الشعب الفلسطيني من جراء الانقسام، فالفلسطينيون امامهم مخاض صعب جداً لبلوغ مرحلة «الربيع الفلسطيني» الذي سيتجلى حتماً بانجاز المصالحة من جهة، وتكريس تجربة شراكة حكم حقيقية ناجحة من جهة اخرى، تكون على قدر ما قدمه الشعب الفلسطيني من تضحيات جسام على مدى اكثر من 6 عقود من الزمن.

 

ا. ب

 

العدد ٢٧٨٤ الاثنين ١٨ شباط (فبراير) ٢٠١٣ / ٨ ربيع الثاني ١٤٣٤
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق