الاقتصاد

منتدى دافوس: مقاومة الصدمات واعادة تحريك الاقتصاد العالمي


٤٠ رئيس دولة وحكومة و٢٥٠٠ من قادة الاقتصاد والسياسة يفكرون باوضاع العالم
ربما كان التقشف، هو السبب، لكن القطار الذي ينقل الناس الى دافوس، المنتجع الشتوي الضاحك، في اعالي جبال الالب السويسرية، الذي يتحول في مثل هذه الايام، من كل سنة، الى ملتقى لتخيلات «تآمرية» بلا حدود، تميز بالعتمة، فالظلام الدامس يغمر هذا القطار، لدى مروره، في كل واحد من الانفاق التي تقطع رحلته عبر جبال الالب، وما اكثرها!

في هذه السنة، مثله، في كل سنة، اعطى المنتدى الاقتصادي العالمي، الصحافيين الكثر، الذين توافدوا على دافوس، لانتزاع جملة من السيدة انجيلا ميركل، ام جرعة تنفس من بيل غايتس، ام ابتسامة من ديمتري مدفيديف. فجعلهم يقعون ضحية العقدة التي تصيب كل صحافي يذهب الى مثل هذه المؤتمرات: «مع من سأتكلم؟!»، «الى اين انا ذاهب؟!».
مواعيد كثيرة، متراكمة، في وقت واحد مع اصحاب القاب طنانة، شبهها ايمانويل كارير، في تحقيق صحافي شهير، بـ «افلام مهرجان كان السينمائي، نقدر قيمتها الفنية حتى من دون ان نشاهدها».
ومن اجل اعطاء المهرجان الاقتصادي نفحته الخاصة، حرص منظمو منتدى السنة، على مشاركة الممثلة السينمائية، شارليز ثيرون، جلسة الافتتاح، لكن في صفة كونها، موفدة الامم المتحدة للسلام، داعية للعديد من المبادرات الانسانية في افريقيا.

اجتماعات مغلقة
وتميز المنتدى الذي امتد من يوم الاربعاء الى يوم الاحد، من الاسبوع الفائت، باجتماعات عديدة، عقدت وراء ابواب مغلقة، ممنوعة على سائر البشر العاديين. لان العلامة البيضاء اللون، المميزة، التي تعطي حاملها صفة الجدارة، ثمنها 75 الف دولار، ليس الا. فتشكل بالنسبة الى 99 في المئة من البشرية، الذين يبقون خارج هذه اللقاءات، ولا يستطيعون حضور اكثر من لقاءات، مختارة وقليلة، تشكل الدليل القاطع على قساوة الواحد في المئة. انها لديناميكية، ساعدت على مدى سنوات، النظريات، حول تسلط مجموعة من القادة الاقتصاديين والماليين، من جميع الحركات الماسونية، جاءوا من عالم آخر، للقضاء على الانسانية. وفي انتظار الضربة القاضية، يلتقي، في كل سنة، في دافوس رؤساء مجالس ادارة مؤسسات اقتصادية و«رؤساء» حكومات، ومصارف لتبادل الحديث والرأي، حول المواضيع المهمة في العالم، وفي هذه السنة، بلغت اجور الشقق التي استأجروها في الفنادق، حدوداً لم تصل اليها، اسعار شار ع بارك آفنيو، في نيويورك.
وفي الانتظار، تمكن حاملو «البادج» الابيض الشهير، من التسلل الى حيث كان يتواجد كبار هذا العالم في دافوس، وقدمت بي بي سي، نصائح مفيدة، لمن يهمهم الامر، فانهم ليسوا في حاجة الى ارتفاع 1500 متر، ووسط حرارة قد تصل الى عشرين درجة تحت الصفر، ان يفعلوا مثل نساء برلين، اللواتي يعتمدن نوعين من الاحذية للذهاب الى الاوبرا، واحد للمشي على الطريق، وواحد من ذات الكعب العالي للدخول الى القاعة. ففي دافوس يكفي انتعال احذية «ما بعد» التزلج، وان كان لمجرد القاء تحية خاطفة على ديمتري مدفيديف ام تبادل كلمتين مع كريستين لاغارد، مديرة صندوق النقد الدولي. ونصحت بي بي سي، كذلك بالذهاب الى منتدى دافوس، محملين باطنان من بطاقات التعريف الشخصية وتوزيعها، حسب ما يتسر على اشخاص لا نعرفهم، «فان كلاً منهم شخصية مهمة».
وما همكم اذا كانت هذه البطاقات ستنتهي في اول سلة للمهملات، الم تكن ابتسامة من اخذها مجانية؟
منتدى دافوس الاقتصادي، تولى افتتاحه، في هذه السنة، الى جانب النجمة السينمائية الحسناء، تشارليز ثيرون، رئيس الحكومة الايطالية، ماريو مونتي، اضافة الى رئيس الاتحاد السويسري، اوولي ماورر، ورئيس المنتدى ومؤسسه كلاوس شواب، وتكلمت بعد الايطالي، مونتي، مديرة صندوق النقد الدولي، الفرنسية، كريستين لاغارد. وشارك للمرة الاولى، في لقاء من هذا المستوى رئيس وزراء ليبيا الجديدة، علي زيدان.

40 رئيس دولة وحكومة
وجرى تعديل حفل الافتتاح واختصاره بالنسبة الى الماضي. ولكن 40 رئيس دولة وحكومة، كانوا حاضرين، مثل الالمانية انجيلا ميركل، ورئيس الحكومة البريطانية دايفيد كاميرون، ورئيس الحكومة الروسية ديمتري مدفيديف، الذي يتولى، منذ بداية هذه السنة، رئاسة مجموعة العشرين، وشارك في مراحل المنتدى حوالي 2500، من قادة الاقتصاد والسياسة، في العالم، من بينهم الامين العام للامم المتحدة، بان كي مون، والامين العام لمنظمة التجارة العالمية باسكال لامي، ورئيس البنك المركزي الاوروبي ماريو دراغي، وعلى صعيد الغياب سجل عدم حضور الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، وانخفاض كثافة الحضور الصيني والروسي.
وجرى منتدى هذه السنة، تحت شعار «الديناميكية وطاقة الاستعادة»، التي تعني في نظر كلاوس شواب، التكيف، مع تحديات التغيير، ومواجهة الازمات ومعرفة كيف ننطلق من جديد. ويرى مؤسس منتدى دافوس، ضرورة الجمع بين الديناميكية والاستعادة، «لان قيادات سنة  2013، ستكون في حاجة الى كلتيهما». وتمنى شواب، مزيداً من التفاؤل، على الصعيد الدولي، في مواجهة التوجهات، نحو حب الذات والقومية، لدى العديد من الدول.
وبعيداً، عن هذه المفاهيم العامة، تحدث المنتدى، مثل دائماً، عن كل شيء تقريباً. فعلى الصعيد الاقتصادي، سيطر على المناقشات، تطور ازمة الديون في سائر انحاء العالم، بين مشاكل بعيدة المدى ومشاكل حديثة. وجرى توزيع وثيقة، حول سيناريوهات الاقتصاد الروسي في العام 2030، ودراسة اخرى حول عودة التنافس الى القارة الاوروبية، وثالثة حول دور المجتمع المدني، وجرت مناقشات، حول الامن الغذائي في افريقيا.
وعلى الصعيد السياسي، شملت المناقشات كذلك، ابرز ازمات الوقت الحالي، من سوريا الى مالي، في حضور وفود عربية وافريقية عديدة.
وشمل «المنتدى المفتوح» الذي يجري عادة، على هامش منتدى دافوس الرسمي، طاولة مستديرة حول سوق العمل واخرى حول البدانة.
وكانت على البرنامج مناقشة حول ترشيح جبال سويسرا لاستضافة الالعاب الاولمبية الشتوية في سنة 2022.

الثروات المفرطة
وفي المناسبة لاحظت اوكسهام، عشية انعقاد مؤتمر دافوس، ان الثروات المفرطة، تعمق الفوارق الاجتماعية الشاملة وتمنع مواجهة الفقر في العالم. واوضح تقرير بعنوان «ثمن اللامساواة: كيف تضر الثروات والمداخيل العالية، بنا جميعاً». ان 240 مليار دولار تشكل المداخيل الصافية لمئة اكبر اغنياء العالم، وهو رقم اربعة اضعاف ما يحتاج اليه العالم، للتغلب، في صورة نهائية، على الفقر. وتدعو اوكسهام في المناسبة، قادة العالم، الى كبح التضخم الذي تسجله المداخيل المرتفعة، والى الالتزام بتخفيض اللامساواة الكبيرة، السائدة في العالم، باعادتها على الاقل الى مستويات التسعينيات. وكان 1 في المئة، من اغنى اغنياء العالم، سجلوا في العشرين سنة الاخيرة زيادة مداخيلهم في معدل 60 في المئة.
ليس هذا فحسب، بل ان الازمة الاقتصادية التي يتخبط فيها العالم، ادت الى تسريع وتيرة زيادة ثرواتهم وليس الى ابطائها. ولاحظت اليزا باتشيونبي، مديرة حملات اوكسهام في ايطاليا: «انها الاسطورة في عينها، الاعتقاد، ان ثروة الاقلية، تؤدي الى تأمين الرفاهية للآخرين، ان العكس هو الصحيح، لان حصر الثروات بين ايدي واحد في المئة من الناس، في العالم، ادى الى انحسار النشاطات الاقتصادية، والى جعل حياة الجميع اكثر صعوبة، وفي صورة خاصة، هؤلاء الذين يجدون، انفسهم في ادنى مستويات السلم الاقتصادي. وليس في استطاعتنا ان نحصر اكبر نسبة من الثروة بين ايدي قلة، في عالم تقل فيه اكثر فاكثر، مصادر الحياة الاساسية، مثل الماء والارض الصالحة للزراعة، فلا يبقى للاكثرية الساحقة، اكثر من امكانية الكفاح من اجل تقاسم ما تبقى».
ويدل على استحالة ديمومة مثل هذه الحالة، كون تأثير هذا الواحد في المئة على احوال البيئة، فاق عشرة آلاف مرة، تأثير المواطن العادي الاميركي. ودعت منظومة اوكسهام قادة العالم الى التعلم من الدروس الآتية من دول، مثل البرازيل، حيث لم يرفض مسار النمو، مبدأ المساواة، والى استيحاء مبدأ «العقد الجديد» (نيو ديل) الذي اطلقه الرئيس الاميركي الاسبق، فرانكلين روزفلت، وساعد على تخفيف حدة اللامساواة وتناقص الحقوق المكتسبة، حيث قال، منذ سنة 1936: «ان تحقيق المساواة السياسية بالنسبة الى الكثيرين منا، ليس له اي معنى. في ظل وجود اللامساواة الاقتصادية».
واردفت السيدة باتشوتي: «على قادة العالم (المجتمعين في دافوس) الالتزام رسمياً، بتخفيض اللامساواة، لاعادتها الى مستويات سنة 1990، لاننا في حاجة الى «عقد جديد» شامل، ينهي عقوداً من لا مساواة متزايدة، فالاغنياء، يستفيدون من نظام اقتصادي، جرى تعديله لمصلحتهم، انطلاقاً من الفراديس الضرائبية الى القوانين الهزيلة التي تسوس سوق العمل. لقد حان الوقت لاصلاح النظام من اجل مصلحة البشرية كلها وليس لمصلحة نخبة».

الفراديس الضرائبية
ان من شأن اغلاق الفراديس الضرائبية، التي تتحكم وحدها باثنين وثلاثين مليار دولار، تشكل ثلث ثروات العالم، ان يعيد الى المصالح الضرائبية 189 مليار دولار، ومن شأن عناصر اخرى، يشملها «العقد الجديد»، ان تقلب اتجاه المسار: مثل النظام الضرائبي، ونظام عمل الشركات المساهمة، واعتماد تدابير لدعم الاجور بالنسبة الى مداخيل الرساميل المضمونة، وزيادة الاستثمارات في القطاع العام المجاني، وفي الشبكات الامنية.
ولا تقل الانتقادات من الناحية المعاكسة. فان الجنرال جان جاك هالترم، قائد امن منتدى دافوس، مثلاً، يأخذ على الاوروبيين «انهم يحبون ان يشتغلوا اقل، وان يتقاعدوا باكراً، انه من الامور المستحيلة، والمشكلة الاساسية في ما يحصل». ولاحظ ارتفاع «النزعات القومية، المضرة» في عدد من دول القارة العجوز، مع العلم ان توقعات سلبية، كانت صدرت في السنوات الماضية، عن بعض المنظرين، في دافوس، لم تحدث. مثل تلك التي توقعت خروج اليونان من العملة الاوروبية الموحدة، وانهيار منطقة اليورو الاقتصادية بفضل مؤسسات مركزية، مثل البنك المركزي الاوروبي، في مواجهة نزعات قومية في دول غنية، مثل المانيا، ودول سكاندينافية، كان من شأن تفاقم الازمة فيها، ان يقضي كذلك على اقتصادها
 

جوزف صفير


 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق