أبرز الأخبارسياسة عربية

لبنان في قبضة الأمن الملغوم وتشكيل الحكومة أمام اختبار صعب

سريعاً وعلى نحو مباغت ومفاجئ ودراماتيكي وعاصف انهارت «هدنة رمضان» وانقلب لبنان رأساً على عقب بعدما دهمته في الفطر «عيدية» بالغة السلبية، تمثلت في عملية خطف محترفة لطيار تركي ومساعده على طريق مطار رفيق الحريري الدولي، وبعيد خروجهما منه في اتجاه احد فنادق العاصمة اللبنانية.

ومع خطف الطياريْن التركيين طار الاسترخاء النسبي الذي ساد بؤر التوتر الامنية في البلاد، التي كانت على موعد بعيد العيد مع جولة من الحراك السياسي، وسط تقديرات بإمكان احداث كوة في الحائط الحكومي المسدود بعد ارتفاع الاصوات المؤيدة لقيام حكومة حيادية تبحث عن نصاب سياسي يضمن إمرارها.
وبعد «عملية الكوكودي» ضد التركيين كرت سبحة مظاهر الفلتان الامني الذي قلب الاولويات، خصوصاً مع التحركات التي بدأها اهالي المخطوفين اللبنانيين التسعة في أعزاز السورية وتلويحهم تارة بمطاردة من تبقى من الاتراك في لبنان وتارة اخرى بعرقلة عمل مطار بيروت وقطع الطريق منه واليه و… ما شابه.
ولم يكن «المكمن الدموي» لرئيس بلدية عرسال في البقاع الشمالي من لبنان اقل إثارة لغبار التوتر الذي اخذ طابعاً مذهبياً وهدد بتداعيات خطرة، قبل ان تتسارع المساعي لاطفاء التوتر ومحاصرة مظاهره بغية تجنيب المنطقة فتنة سنية – شيعية تعتمل منذ اندلاع الحرب في سوريا وتطاير شظاياها في اتجاه لبنان.

نتيجة مزدوجة
بدت النتيجة السياسية للاهتزاز الامني المستجد، مزدوجة ومتناقضة، فمن جهة عكست الحاجة الملحة لتشكيل حكومة جديدة بعد محاولات مضنية في هذا المجال على مدى الاربعة اشهر الماضية، ومن جهة ثانية اكدت المؤكد في إظهار حجم الانقسام الهائل الذي يحول دون نجاح المساعي لسد الفراغ الحكومي في البلاد.
فلم تكد عطلة الفطر ان تبدأ حتى باغتتها التوترات الأمنية التي حجب صخبها فرحة العيد الذي حلّ مثقلاً بهواجس ما بعده، من دون ان تتطلّب الدوائر السياسية في بيروت الكثير من الجهد لوضع مظاهر هذا الانفلات في «وعاء» إقليمي، ما اعتُبر مؤشراً على ان الساحة اللبنانية مقبلة على «فصول ساخنة» ربطاً بالنقاط التي سجّلتها المعارضة السورية على الارض «في مرمى» نظام الرئيس بشار الاسد و«حزب الله».
  وربطت أوساط سياسية بين اندفاعة التوترات الامنية، التي حوّلت طريق مطار بيروت «رهينة فعلية»، سواء نتيجة خطف الطيار التركي مورات اكنيبار ومساعده مورات آغا عليها او تلويح اهالي مخطوفي اعزاز اللبنانيين بقطعها، والتي أعادت البقاع الشمالي الذي يقع على تماس مباشر مع «العاصفة السورية» الى دائرة «التوتر العالي»، وبين المشهد السوري ومتغيراته الميدانية، معتبرة ان احتجاز التركييْن هو رسالة مباشرة اتخذت من ملف مخطوفي أعزاز منصة لتوجيه «بطاقة صفراء» الى انقرة على خلفية دورها في الأزمة السورية.
وفي حين تمت قراءة «الإنذار» لأنقرة على انه في سياق الصراع السوري – التركي الذي شمل ايضاً تحريك ورقة الأكراد (في سوريا) ضدّ تركيا والمعارضة السورية، فان وجهاً آخر لهذا الملف بدا متصلاً بالتجاذب الايراني – السعودي حول سوريا ولبنان وقضايا اخرى في المنطقة، وسط تقارير في
صحف قريبة من «حزب الله» اعتبرت أن قضية المخطوفين (اللبنانيين والتركييْن) “أصبحت بيد السعودية تماماً، ولم يعد القرار للأتراك أو القطريين، والمسألة الآن بيد رئيس الاستخبارات السعودية بندر بن سلطان، وبيده مفتاح الحل والعقد”، في حين برز حصول تواصل تركي – ايراني حول قضية الطيار ومساعده.
ولم يخفّف ربط خطف التركييْن بعدما اعترض مسلحون الباص الذي كان يقلّهما من مطار رفيق الحريري الى
احد فنادق عين المريسة بملف المخطوفين اللبنانيين التسعة في أعزاز من وطأة هذا التطور الذي كان دهم اليوم الثاني من عيد الفطر الذي «حاصرته» عشية حلوله تقديرات و«شائعات» راوحت بين المخاوف الجدية و«التخويف» الممنهج بأن ما بعده سيكون مفتوحاً على المزيد من الإرباكات الأمنية التي كانت أطلّت خلال الاسابيع الماضية على شكل عبوات انفجرت وصواريخ «لامست» القصر الجمهوري وحُمّلت «رسائل بالبريد السريع» وعمليات خطف «على المذهب» في البقاع الشمالي وتوترات في طرابلس القابعة دائماً فوق «فوهة بركان».

زوار الامام الرضا
ورغم نفي اهالي المخطوفين اللبنانيين في اعزاز منذ 22 ايار (مايو) 2012 (كان عددهم 11 وأُفرج عن اثنين منهم تباعاً في الاشهر الماضية) اي علاقة لهم بخطف التركييْن اللذين كانا في الباص مع كامل طاقم الطائرة التابعة للخطوط الجوية التركية التي كانت حطّت في بيروت قبل وقت قليل من العملية، فقد جاء اعلان مجموعة «زوار الإمام الرضا» تبني خطف  الطيار ومساعده ليؤكد الترابط بين هذا الحادث وملف الرهائن التسعة الذي يشهد تعقيدات بعضها ربطه الخاطفون اي «لواء عاصفة الشمال» بانخراط «حزب الله» في الحرب السورية وبعضه الآخر بما اعتبروه مماطلة من النظام السوري في الاستجابة لطلبهم بإطلاق معتقلات في سجونه كان سلّم لائحة بأسماء 370 منهن وأقرّ النظام بوجود 127 بينهن وجرى خلاف حول الافراج عنهنّ دفعة واحدة مقابل اللبنانيين التسعة جميعاً او على دفعات مقابل اثنين او ثلاثة من المخطوفين كل مرة.
وبدا واضحاً حجم الإرباك الذي اصاب لبنان الرسمي بعد عملية الخطف التي شكّلت تحدياً جديداً للهيبة المتآكلة للدولة و«طعنة» اضافية لواقع السياحة «المنكوبة». علماً بأن هذا التطور أعاد الى الواجهة مسألة أمن طريق المطار التي كانت شهدت قبل نحو عام وتحديداً في منتصف آب (اغسطس) 2012 سيناريو مماثلاً، وإن كان أكثر «انفلاشاً»، حين استرجع اللبنانيون فجأة فصولاً من زمن  الحرب الاهلية ولا سيما أزمة الرهائن الغربيين في الثمانينيات من القرن الماضي مع اندفاعة الخطف (انطلاقاً من طريق المطار والضاحية الجنوبية) التي نفّذها الجناح العسكري لعشيرة آل المقداد وبلغت حصيلتها مواطناً تركياً (ايدن توفان تيكين) ونحو 50 سورياً من معارضي النظام وذلك رداً على ظهور ابنها حسان في شريط فيديو وهو بقبضة خاطفيه (قالوا انهم من «الجيش السوري الحر») معلناً انه «قنّاص» ينتمي الى «حزب الله»، قبل ان تنضمّ مجموعة «زوار الامام الرضا» نفسها الى عشيرة المقداد وتقوم بخطف تركي ثانٍ هو عبد الباسط اصلان لمبادلته باللبنانيين الذين خُطفوا في أعزاز اثناء عودتهم من زيارة العتبات المقدسة في ايران.
والواقع ان عملية خطف الطيار التركي ومساعده خطفت الأضواء من سائر الملفات في لبنان الذي وجد نفسه مع «عملية الكوكودي» أمام قضية شائكة تتشابك فيها كـ «خيوط العنكبوت» عوامل ثلاثة: واحد أمني يتصل بواقع البلاد «المكشوف» بالكامل على «العاصفة» السورية وثانٍ سياسي يرتبط بـ «الانشطار» العمودي والأفقي بين فريقي 8 و14 آذار والذي لم يتأخّر في الظهور على خلفية مقاربة هذا الحدَث. اما الثالث فيجمع مكوّنات الأوّليْن ووضع «الدولة» في مواجهة تحدٍ ينذر بتداعيات ديبلوماسية على صعيد علاقتها بأنقرة، وسياحية – اقتصادية نتيجة «النقزة» التي أثارها احتجاز مواطنيْن تركيين و«سحبهما بأعصاب باردة» من داخل الباص لدى السياح الاتراك الذين غادروا على عجل تحت وطأة الدعوة الملحة لدولتهم كما لدى غيرهم من الزوار الاجانب الذين يأتون أساساً بـ «القطارة» فيما العرب منهم منقطعون في شكل شبه كامل بفعل حظر السفر الذي اصدرته دول مجلس التعاون الخليجي.
واذا كان خطْف القبطان التركي ومساعده دون سواهما من طاقم الطائرة التابعة للخطوط الجوية التركية الذي كان يضمّ ايضاً ست مضيفات، وُضع من  قبل السلطات الرسمية اللبنانية في دائرة المتابعة «فوق العادة» وسط تشغيل «الخط الساخن» بين بيروت وانقرة، فان الاستنفار الامني والسياسي اللبناني لن يكون كافياً بحسب دوائر سياسية لمحو الصورة البالغة القتامة التي ارتسمت مع «عملية الكوكودي» التي تمت في منطقة نفوذ «حزب الله» وتحت عنوان مرتبط به اي الزوار اللبنانيين التسعة.
ولم يحجب الارتباط الوثيق لخطف التركييْن بقضية مخطوفي أعزاز، البُعد السوري في ملف الطيار التركي ومساعده والذي بدا ماثلاً لأنقرة التي ظهر أنها كانت تستشرف قبل احتجاز مواطنيْها إمكان تعرضها لـ «هجوم استباقي» في لبنان في اطار رسم خطوط حمراء امامها في الملف السوري، وهو ما عبّر عنه الكشف عن انها كانت ابلغت قيادة قوة «اليونيفيل» في الجنوب في 6 الجاري (اي قبل نحو 48 ساعة من عملية الكوكودي) انها  قررت سحب و
حدتها العاملة في اطار القوة الدولية (سرية الهندسة والبناء) بحلول الأسبوع الأول من ايلول (سبتمبر) المقبل.
وهذا ما كشفه الناطق الرسمي بإسم  «اليونيفيل» أندريا تيننتي الذي اكد في الوقت نفسه «أن تركيا ستحافظ على وجودها في قوة اليونيفيل البحرية حيث تساهم حالياً بقارب دورية سريع واحد»، لافتاً الى انه في ضوء قرار انقرة «اتخذت اليونيفيل الإجراءات المناسبة لضمان إستمرارية العمليات من دون أي إنقطاع»، علماً بأن سرية الهندسة والبناء التركية إنضمت إلى القوة الدولية في تشرين الاول (اكتوبر) 2006.

  هبة ساخنة
وما جعل قضية التركييْن المخطوفين تكتسب ابعاداً اكثر خطورة ان هذا الملف سرعان ما دهمته، مع اول محاولات التوسع بأحد الخيوط التي قيل انه تم التوصل اليها، «هبة ساخنة» على خلفية توقيف شعبة المعلومات في قوى الامن الداخلي شخصاً اشتُبه بأن له صلة بعملية الخطف هو محمد صالح (قريب احد مخطوفي اعزاز) بعد رصد اتصالات قيل انها تكشف ارتباطه بخاطفي التركييْن الذين نُقل عن مصدر امني ان الرأس المدبر لهم هو ع. ص. نجل احد المخطوفين في اعزاز.
ولم يكد خبر توقيف محمد صالح ان يُعلن حتى هدد اقرباؤه من أهالي المخطوفين في أعزاز بالتصعيد وقطع طريق المطار وتعطيل حركة الملاحة فيه ما لم يتم الإفراج سريعاً عنه وفي غضون ساعة، مؤكدين انه ليست له أي علاقة بحادثة الخطف وانه وصل الى بيروت من فنزويلا قبل اسبوعَين فقط.
وفيما عاد اهالي مخطوفي اعزاز الى التراجع عن قطع طريق المطار تحت وطأة ضغوط سياسية، لوّحوا بالتظاهر امام المقر العام لقوى الامن الداخلي في الاشرفية، الا ان الاتصالات التي شارك فيه رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري و«حزب الله» افضت الى مخرج قضى بالاتفاق على اطلاق صالح بعد قفل ملف التحقيق معه على قاعدة انه تلقى التهاني بعملية الخطف عبر الهاتف، وان دوره توقف عند هذا الحد. علماً بأن الاهالي اعلنوا انهم سيعاودون تصعيد تحركهم ضد المصالح التركية للضغط من اجل اطلاق أبنائهم، حتى انهم قصدوا وسط بيروت بحثاً عن اي تركي هددوا بجعله «هدفاً مباحاً».
وفرضت هذه الوقائع إصدار «لواء عاصفة الشمال» بياناً بدا بمثابة تأكيد ضمني ان لا مسؤولية لانقرة  في عملية خطف اللبنانيين التسعة، وأكد الاستعداد لاطلاق الدفعة الاولى من المخطوفين في مقابل اطلاق المعتقلات الـ 127 في السجون السورية، «وان لا شيء غير ذلك نفاوض عليه»، في اشارة الى المخطوفيْن التركييْن.
وجاء في بيان المكتب العسكري لـ «لواء عاصفة الشمال» أنه «في تاريخ 31 – 5 – 2013 تم تسليم قوائم أسماء المعتقلات في سجون النظام السوري المطلوب اطلاقهن، في حضور وزير الداخلية
(في حكومة تصريف الأعمال) مروان شربل ورئيس الاستخبارات اللبناني (المدير العام للأمن العام) عباس إبرهيم وحضور الموفد القطري وحضور رئيس الاستخبارات التركي، وأبدى الطرف اللبناني حماسته للمبادلة ووصف مطلبنا بتحرير المعتقلات بأنه انساني. وبعد اعطائهم أكثر من 500 اسم للمعتقلات، أبلغَنا الوفد اللبناني عن طريق الأتراك قبول اطلاق 127 معتقلة فقط من أصل 500».
وأضاف المكتب في بيان نشره في صفحته الرسمية بموقع «فايسبوك»: «مع قبولنا بهذه الأسماء واستعدادنا للتسليم بدأت المماطلة من حزب إيران (حزب الله) وعرقلة التسليم، وارسال حزب إيران وساطات غير ديبلوماسية للمساومة على اطلاقهم بغير مطلب المعتقلات، واتهامنا من ممثل أهالي المخطوفين وممثل حزب إيران بعرقلة المفاوضات».
وبالتوازي برز اعلان السفير التركي في بيروت إينان اوزيلديز أن أنقره أغلقت «مؤقتاً» المركز التجاري التركي في لبنان بدءاً من 9 اب (اغسطس) – تاريخ خطف الطيار التركي ومساعده – والمركز الثقافي التركي المعطل منذ أن تعرض لتكسير بابه وأشياء اخرى من محتوياته. وقال: «إن التراجع السلبي في العلاقات الثنائية تجسد في الدعوة الرسمية لوزارة الخارجية التركية لرعاياها بعدم التوجه إلى لبنان للسياحة  والطلب من السياح الاتراك الموجودين في لبنان مغادرته».

 الانقسام الداخلي
ولم يمر وقت طويل قبل ان يدخل ملف التركييْن وسائر التوترات الامنية ولا سيما في البقاع على خط الانقسام الداخلي اذ حمّلت 14 آذار «حزب الله» مسؤولية دفع البلاد الى المنزلق الخطير وطالبت بتشغيل مطار القليعات (شمال لبنان) لان مطار رفيق الحريري «ساقط عسكرياً وامنياً بيد حزب الله»، وهو الامر الذي اعتُبر مؤشراً الى ان دوامة التصلب في الازمة السياسية التي تعصف بلبنان قد تكون مقبلة على المزيد من الفصول التصعيدية لان حادث المطار دفع بقوى 14 اذار الى مزيد من التشدد في رفض مشاركة حزب الله في الحكومة على القاعدة التي طرحها الرئيس سعد الحريري وهي عدم مشاركة الحزب وكذلك قوى 14 اذار في الحكومة والذهاب الى طاولة الحوار.

وتبعاً لذلك ارتفعت المخاوف من تصاعُد وتيرة التصعيد السياسي على خلفية التطورات الامنية الجارية فيما لا شيء كان يبعث على الامل في ان تكون لدى القوى الوسطية وفي مقدّمها رئيس الجمهورية ميشال سليمان والنائب وليد جنبلاط ايّ قدرة على دفع عملية تشكيل الحكومة قدماً.
وفي ظل هذه المعطيات بدت اوساط سياسية مشككة بقوة في امكان تحقيق اي حلحلة في المشهد الداخلي خلافاً لكل الرهانات على الجهود التي سيبذلها الرئيس المكلف تمام سلام في المرحلة المقبلة سعياً الى اقناع قوى 8 اذار بحكومة مستقلين او بحكومة حيادية.
ولاحظت الاوساط في هذا السياق ان العماد ميشال عون، ورغم تراجع علاقاته مع حلفائه، فهو لم يخرج أبداً على الخط العام الذي تلتزمه هذه القوى بالنسبة الى الملف الحكومي. ذلك انه خلال الزيارة التي قام بها الى مدينة زحلة تجنب اولاً التعليق على حادث خطف التركييْن ثم اعلن بمنتهى الوضوح رفضه بل وتحذيره من حكومة حيادية او حكومة امر واقع بما ينسجم تماماً وموقف «حزب الله».
وجاءت هذه الحصيلة طبقاً لكل التوقعات التي اشارت الى ان ما بعد العيد سيكون كما قبله في بيروت «المشدودة الأعصاب» نتيجة المأزق السياسي المفتوح على احتمالات خطرة، ولا سيما مع بدء العد التنازلي للاستحقاق الرئاسي بعد اقل من عشرة اشهر، في الوقت الذي يطيح الصراع المستحكم بين «8 و14 آذار» جهود تشكيل الحكومة منذ اكثر من اربعة اشهر ويشلّ عمل البرلمان الممددة ولايته عنوةً بقوة عصف الحرب السورية التي جعلت لبنان «رهينة» الانتظار الملغوم.
فـ «حزب الله» لن يسمح بقيام حكومة جديدة من دون مشاركة يحتاجها للتظلّل بحماية رسمية مع ازدياد عزلته الداخلية والخارجية لا سيما بعد مشاركته في الحرب الدائرة في سوريا، وتالياً لن يتسامح مع ولادة صيغ حكومية لا يكون شريكاً فيها ولا تضمن «شرْعنة» سلاحه.
و«14 آذار» مصممة على إعادة التوازن الى الحكم من خلال رفضها اي مساومات من شأنها منح «حزب الله» الثلث المعطل في الحكومة العتيدة، وعلى نزع اي تغطية لدور «حزب الله» وسلاحه في سوريا من خلال موقفها الحاسم المناهض لتضمين البيان الوزاري للحكومة «المحتملة» صيغة «الجيش والشعب والمقاومة»، التي يتكىء عليها الحزب في إسباغ الشرعية على سلاحه.
وبين موقفي «14 آذار» و«حزب الله»، كانت «المعاينة» مستمرة للمدى الذي سيبلغه رئيس الجمهورية في مقارباته «المفاجئة» للملفات الاساسية، والتي كانت «صادمة» لفريق «8 آذار»، وخصوصاً في اعتراضه على انتقال «حزب الله» للقتال في سوريا واعلانه انتهاء صلاحية «ازدواجية» السلاح الشرعي وغير الشرعي، وتلويحه بامكان الذهاب الى حكومة حيادية اذا استمرت عملية عرقلة تشكيل حكومة سياسية جامعة.
وكان الأبرز في هذا السياق استكمال سليمان مواقفه التصاعدية باعلانه بعيد انتقاله الى مقره الصيفي في بيت الدين متوجهاً الى السياسيين: «كفى كذباً وتكاذباً»، متسائلاً: «لماذا نُظهر بشكل مجاني ان لبنان دولة فاشلة»، وهل حقاً نستحق دولة؟ ثم قال جازماً: «لا يمكن ان اتخلى عن صلاحية تشكيل الحكومة والتي يجب ان تشكل في اقرب الآجال، لمواكبة طاولة الحوار»، مؤكداً أن الالتزام باعلان بعبدا وحده يحمي وحدة لبنان واستقراره. اما معادلة الجيش والشعب والمقاومة، فهي تحمي لبنان شرط أن يكون لها مدير أو جهة تدير هذه العلاقة، ومَن أجدى وأدرى بإدارة هذه المعادلة غير الدولة اللبنانية؟ وهذه المعادلة هي للتطبيق ولكن دون التفرد بالتطبيق. فلا يمكن للمقاومة ان تتفرد بالتدخل في الشؤون الخارجية او الداخلية».
وفي ما اعتُبر تلويحاً بتأليف حكومة من لون واحد، قال: «أردنا دائماً حكومة جامعة من كل الاطياف اللبنانية، شرط ألا يصبح هذ المبدأ متراساً لرفع المطالب أو تعجيز تأليف الحكومة»، معلناً: «بالأمس شكلنا حكومة وبأكثرية من فريق واحد، ولم تعتد على حقوق بقية الأفرقاء، فرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ملزمان في الدستور الحفاظ على مصلحة الشعب اللبناني، أكان أي فريق ممثلاً بالحكومة أم لا».
على ان المسألة الاكثر اثارة للاهتمام تمثلت في «التحريات السياسية» التي تواصلت لاستكشاف مضمون الاشارات التي اطلقها زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، واعتُبرت «جديدة» في تعاطيه مع ملف تشكيل الحكومة، بعدما فهم البعض من الموقف الذي اعلنه اخيراً وكأنه يرفع «الفيتو» عن امكان قيام حكومة حيادية، بعدما شكل على مدى الاشهر الاربعة الماضية عائقاً امام خيار من هذا النوع، في حين اعتبرت اوساط سياسية ان الزعيم الدرزي يوجّه «رسائل ضغط» الى «حزب الله» من دون ان يصل به الامر الى حد التراجع عن «وعده» بعدم تسهيل ولادة اي تشكيلة من خارج صيغة حكومة الوحدة الوطنية ولا الخروج عن  تفاهمه العميق والوثيق مع الرئيس نبيه بري.

فؤاد اليوسف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق