أبرز الأخبارسياسة عربية

تونس: مشروع عصيان مدني يزلزل المسار الانتقالي

يبدو انها الردة على «الربيع العربي»؟ ولكن لماذا؟ وما هو العنوان الابرز لهذه «الردة»؟ وتحديداً في تونس التي شهدت كماً من التطورات التي تصب في اطار تجدد الثورة. هل السبب عدم القناعة بافرازات الثورات التي شكلت عناصر «الربيع» خصوصاً افرازات انظمة الحكم الاسلامية التي تصدرت المشهد؟ ام انه اخفاق تلك الانظمة في تقديم نموذج موثوق وقادر على التعاطي مع المشهد العام بقدر من التوازن والعقلانية؟

الجدل حول هذه المضامين لا يطول كثيراً، لجهة القناعة شبه الكاملة بوجود ثغرة واضحة في جدار تلك الانظمة. فالحركات الاسلامية، ورغم عمرها الطويل في النشاط السياسي الا انها ما زالت لا تجيد ذلك النشاط. ولا تمتلك برنامجاً سياسياً قادراً على التعاطي مع الاشياء على مستوى الدولة، بدلاً من مستوى التنظيم. والدليل على ذلك ان الحركات الاسلامية التي تصدرت المشهد، والتي وصلت الى الحكم من باب المعارضة، ومن خلال مآخذها بأن الانظمة السابقة كانت تتفرد في الحكم، وتمارس «الشللية»، مارست الطقوس عينها، واعطت نفسها الحق في تلك الممارسة وبررتها بانها تحمل تفويضاً إلهياً اولاً، وشعبياً ثانياً، بممارسة سياسات الاقصاء لمن تصنفهم في خانة الخارجين عن «شرع الله» او غير القادرين على ادارة الامور وفقاً لتلك الشرعة، ولكن – من منظورهم الحزبي الضيق -.
من هنا يمكن قراءة المشهد بنسخته الراهنة من هذه الزاوية، ومن حيث الردة الشعبية التي بدت غير مقتنعة بممارسات الحكم التي اتخذت من الغطاء الديني مساراً لها، والتي تقدم نفسها من زاوية ان التراجع عن ذلك المسار يندرج ضمن اطار «الكفر». والتي امتدت خارج الاطار المصري، ودخلت في تفاصيل المشهد التونسي الذي لا يقل صعوبة عن مصر. واللافت هنا ان الذين انقلبوا على التيار الاسلامي الحاكم في كل من مصر وتونس ليسوا علمانيين فقط. بل ان بعضهم ينتمي الى تيارات اسلامية خصوصاً التيار السلفي التكفيري الذي يرفض التسليم بالفرضيات «الاخوانية».

المشروع الاخواني
غير ان الصورة ليست بتلك السهولة، في ضوء التساؤلات عن البديل. فالغالبية العظمى من المتابعين للمشهد يبدون عدم قناعة بالمشروع الاخواني للحكم. لكنهم لا يملكون البديل، في ضوء معلومات ومعطيات تؤكد ان سقوط نظام الاخوان قد يعني العودة الى الانظمة السابقة. وتحديداً نظام حكم مبارك في مصر، ونظام حكم زين العابدين بن علي في تونس. ويتوسعون في طرح التساؤلات من زاوية: «ما المبرر لقيام الثورة إذا كان البديل هو النظام عينه، والاشخاص انفسهم تقريباً؟ مع تبديل في بعض الرؤوس؟».
في البعد التونسي للمشهد، يمكن التوقف عند جملة من التطورات من ابرزها عملية التصفية الجسدية التي استهدفت النائب محمد البراهمي، تلتها عمليات تفجير عبوات ناسفة يدوية الصنع في مناطق متفرّقة إضافة إلى تبادل إطلاق نار عنيف بين الجيش والأمن التّونسي ومجموعة إرهابيّة متحصّنة بجبل الشعانبي قامت منذ أيّام بقتل وذبح 8 جنود تونسيّين بعد نصب كمين لهم. حيث بدت تونس على مفترق طرق قد تكون نتيجته الاطاحة نهائياً آمال الانتقال الديمقراطي السلمي الذي كان محل توافق على الساحة التونسية. وقد يتحول المشهد باطاره العام إلى فوضى واقتتال بين التّونسيّين الذين انقسموا بين مطالب بإسقاط الحكومة وحل المجلس التأسيسي، ومساند للشرعيّة الانتخابية والمؤسّسات المنبثقة عنها، وسط عمليّات إرهابيّة لم تتعود عليها البلاد. فبعد اغتيال البراهمي، قالت وزارة الدّاخليّة أن الفرق الأمنيّة المختصة أحبطت عملية اغتيال ناشط سياسي بارز بمحافظة سوسة الساحليّة، افترضت وسائل إعلام محليّة أنّه كمال مرجان (وزير خارجية في عهد بن علي) وسط تأكيدات إعلاميّين وناشطين محسوبين على المعارضة تلقّيهم رسائل تهديد بالقتل.
ويطارد الجيش التونسي في جبل الشعانبي بمحافظة القصرين، على الحدود مع الجزائر إرهابيين قتلوا ثمانية عسكريين في كمين، واستولوا على اسلحتهم ولباسهم العسكري ومؤونتهم الغذائية بعدما ذبحوا 3 منهم. الى ذلك، يعتقد محللون ان حادثة اغتيال النائب التونسي اليساري المعارض محمد البراهمي القت بظلالها على المشهد السياسي، حيث طالبت أحزاب المعارضة بحكومة إنقاذ وطني تساعد على إنقاذ تونس من حمامات الدم التي يعمل الإرهابيون على زج البلاد فيها. ودعت تلك الأحزاب إلى عصيان مدني سلمي هدفه اسقاط نظام الإسلاميين، فيما نفذ الاتحاد العام التونسي للشغل إضراباً عاماً. وقررت القوى السياسية التونسية المعارضة ، تشكيل «جبهة الإنقاذ الوطني»، طارحة على نفسها مهمة إسقاط النظام القائم. ودعت الجبهة في بيانها قوات الجيش والأمن الداخلي إلى احترام إرادة الشعب وحماية نضاله السلمي والممتلكات الخاصة والعامة، على حد قولها.

عصيان مدني
ودعت الجبهة التونسيين إلى الدخول في عصيان مدني من أجل إسقاط نظام حكومة النهضة، واعتبرت انها فقدت أبسط مقومات الشرعية، واتهمتها بالتقصير الى درجة ان الارهابيين استباحوا – في ظل حكمها دماء المناضلين -. وتصاعدت الدعوات في تونس لحل الحكومة بعد انضمام الاتحاد العام التونسي للشغل وحزب التكتل المنتمي الى الترويكا الحاكمة إلى المنادين برحيلها. واعلن وزير الداخلية التونسي لطفي بن جدو انه مستعد للاستقالة مع تزايد الضغوط لحل الحكومة التي يقودها الاسلاميون.
وأضاف في تصريحات صحافية، انه يرغب بشدة في الاستقالة ومستعد لذلك مشيراً الى ضرورة تشكيل حكومة انقاذ أو حكومة وحدة وطنية للخروج بتونس من عنق الزجاجة. ميدانياً قام متظاهرون بتخريب مقر حزب النهضة الاسلامي الحاكم في القصرين.
ومن جهته دعا الرئيس المؤقت المنصف المرزوقي  الفرقاء السياسيين في تونس الى الارتقاء الى مستوى تضحيات الجيش في اعقاب الهجوم الارهابي والذي ادى الى مقتل تسعة جنود في جبل  الشعانبي غرب البلاد. ودعا المرزوقي في كلمة تأبينية الطبقة السياسية الى الكف عن التجاذب والتشاجر والانتباه لطلبات الشعب والقيام بدوره في الحفاظ على الوحدة الوطنية  وعدم بث الفرقة. من جهته، استبعد زعيم حركة النهضة الاسلامية (الحزب الحاكم في تونس) راشد الغنوشي ان يتكرر السيناريو الذي شهدته مصر في بلاده بعد ان عزل الجيش الرئيس محمد مرسي. وفي تصريحات صحفية،  قال الغنوشي ان بعض الشباب الحالم يمكن أن يظن أنه يستطيع أن ينقل ما يحصل في مصر الى تونس واعتبر ذلك إضاعة للجهود، وأكد الغنوشي ان حركته قدمت تنازلات من أجل تجنب الاستقطاب الأيديولوجي، وتحقيق التوافق. وانها اعتمدت استراتيجية جدية توافقية بين التيارين الإسلامي والحداثي لتجنيب البلاد مخاطر الانقسام. وكانت حركة «تمرد» في تونس اطلقت حملة لاطاحة المجلس الوطني التأسيسي، وذلك اقتداء بحركة تمرد المصرية التي اطاحت الرئيس محمد مرسي، وجماعة الاخوان المسلمين التي ينتمي اليها.

تونس- «الاسبوع العربي»

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق