رئيسيسياسة عربية

العراق: ارتفاع وتيرة التفجيرات مرتبط بارتفاع المواجهات في سوريا

يكاد يكون ارتفاع وتيرة التفجيرات والاعتداءات بالسيارات المفخخة، هي المتحول اليومي شبه الوحيد على الساحة العراقية، فيما الازمات المتناسلة على اكثر من صعيد والناجمة عن استمرار حراك المتظاهرين المعتصمين المعارضين لرئيس الحكومة العراقية نوري المالكي، اضافة الى الخلافات التي تعصف رياحها بين الزعماء السياسيين هي الثابت العنيد الذي يحول ولا يزول.

كل المؤشرات والمعطيات تدل على ان منسوب العنف في العراق بلغ خلال الاشهر الثلاثة الماضية نسبة عالية تجاوزت الكثير من المراحل، لدرجة ان شهر نيسان (ابريل) الماضي، سجل سقوط ما يزيد عن الالف شخص كضحايا باعمال العنف المتنوعة.
الى ذلك، سجل تطور نوعي في هذه الاعمال بالغ السلبية، تمثل في التركيز على استهداف المساجد والحسينيات في اوقات الصلاة. وفي الوقت عينه، تضاعف الهجمات على مراكز الشرطة ومواقع القوى الامنية عموماً.
وبناء على الوقائع الميدانية، فقد كان واضحاً ايضاً ان المجموعات والقوى الارهابية، حرصت خلال الفترة الماضية على ان تنفذ عمليات ارهابية يومية، خلافاً للمراحل السابقة، حيث كانت هذه الاعمال تنفذ بشكل متقطع زمنياً.

ماذا تريد المعارضة؟
وعلى العموم، كان جلياً ان هذه القوى والمجموعات شاءت ان يظل مشهد الاهتزاز والفلتان الامني هو ذلك الطاغي على ما عداه، وذلك سعياً الى امرين اساسيين هما:
< اظهار ضعف قدرات الردع والضبط لدى حكومة المالكي، واستطراداً اظهار ان هذه الحكومة في حالة بينة من العجز والقصور، وهو ما يزيد من الوطأة على هذه الحكومة، ولا سيما ان هذه الحكومة كانت توعدت بمزيد من الاجراءات والخطوات لمواجهة الفوضى الامنية وكبح جماح المجموعات الارهابية.
< في المقابل، تريد هذه المجموعات ان تذكر من يعنيهم الامر بأنها ما زالت تمتلك زمام المبادرة على مستوى الوضع الامني، وبأنها قادرة على الحراك وتوجيه الضربات من بغداد الى ابعد نقطة في الساحة العراقية، خصوصاً ان الوقائع الميدانية ابرزت ان عناصر المجموعات الارهابية حرصت خلال الآونة الاخيرة على تنفيذ عمليات فيها جرعة اعلى من الجرأة والتحدي، وهو ما تجلى في مهاجمة الدوريات والمراكز الامنية وفي استهداف احد مراكز الفرز والعد في الانتخابات المحلية الاخيرة في محافظتي نينوى والانبار.
اضافة الى ذلك، فإن ثمة معطيات لدى المعنيين بالشأن العراقي، مبنية على هذه التطورات الميدانية، وتفيد بأن المجموعات المسلحة المعارضة للحكومة العراقية، رفعت من وتيرة اعمالها، في رد ضمني على كل الاجراءات العسكرية المشددة التي اتخذتها حكومة المالكي خلال الايام القليلة الماضية في مناطق متاخمة لحدود العراق مع سوريا، كانت تعد معقلاً لمجموعات مسلحة معارضة للنظام في سوريا.
والمعلوم ان حكومة المالكي اعطت اهمية استثنائية لهذه الاجراءات والتدابير، فهي كشفت عن انها دفعت بالمزيد من التعزيزات العسكرية الى هذه المناطق، ووصفتها بأنها حملة، واعطتها اهمية اعلامية وسياسية انطلاقاً من حيث انها تهدف الى حماية الحدود العراقية ومنع جعل مناطق عراقية منصة هجمات على الاراضي السورية.
وعليه، فإن ثمة من رأى بأن هذا العنصر العسكري المستجد الذي جعل من الحكومة العراقية طرفاً مسانداً للنظام في سوريا، وجعل من المجموعات المسلحة العراقية عنصر اسناد للمجموعات المناهضة للنظام في سوريا، قد زاد من منسوب التوتر والاحتقان الداخلي في العراق، وبالتالي فتح الباب امام احتمالات ارتفاع وتيرة التفجيرات واعمال العنف المتنوعة.

احداث سوريا
وعلى الرغم من ان الدخول العراقي على خط الاحداث العاصفة في الساحة السورية، امر ليس بالجديد فهو يعود الى بداية اندلاع الازمة هناك، فإنه كان لافتاً ان هذا الدخول قد تمظهر واتضح وازداد في الآونة الاخيرة، لا سيما مع دخول الاحداث في سوريا مراحل اكثر دراماتيكية واتساعاً، لدرجة انها لامست حدود كل الدول المحيطة بسوريا ومنها العراق، حيث ثمة مناطق متداخلة سكانياً وعشائرياً بين البلدين، اذ تقطن عشائر واحدة تجمعها صلة الدم على جانبي الحدود.
وعلى مستوى حركة المعارضين للمالكي الذين نزلوا الى الميادين والشوارع في المحافظات الثلاث اي: الانبار وكركوك وصلاح الدين منذ اكثر من خمسة اشهر كحركة احتجاج على اقصاء سكان هذه المحافظات من مراكز القرار والحكم الحساسة والمؤثرة في البلاد، فإن الواضح ان هذه  الاعتصامات ما زالت مستمرة، و«يباهي» القيمون عليها بأنهم حافظوا على وتيرتها مما يؤكد امرين اساسيين:
الاول: ان كل المحاولات والجهود والوساطات التي بذلت طوال الاشهر السابقة بغية فتح ابواب الحوار الموصدة بين هؤلاء المعتصمين وحكومة المالكي، لم تفلح في بلوغ غايتها المرجوة.
والمعلوم ان اكثر من وفد انشق عن المعتصمين متصدياً لمهمة التحاور مع المالكي وحكومته، وطرحت في الوقت عينه اكثر من صيغة للتسوية من شأنها ارضاء المتظاهرين المعتصمين بغية فض اعتصامهم وايقاف تحركهم.
وفي مقابل ذلك، فإن حكومة المالكي مارست العديد من الضغوط والاغراءات على المعتصمين، بغية الخروج من الساحات واعادة الامور الى نصابها. وقد بلغت الضغوط حد اطلاق النار على المعتصمين في الساحات وتطويق ساحات الاعتصام واعتقال بعض نشطاء هذه الاعتصامات وبعض القيادات العشائرية المساندة لتحركات المعارضين، وهو ما فتح في مرحلة من المراحل ابواب «مواجهات» عسكرية مع القوى الامنية، لا سيما ان المعارضين هددوا باللجوء الى القوة والتمرد على السلطة. وبالفعل سجلت علميات امنية ضد دوريات للجيش والقوى الامنية سقط خلالها العديد من العناصر الامنية الرسمية.

رهانات الماضي
الثاني: رهانات حكومة المالكي لامكان استيعاب حراك المعتصمين من خلال الاستفادة من عامل الوقت ومن خلال العمل على شق صفوفهم ومد خطوط التواصل مع رموز وجماعات في داخل الحراك والاعتصامات.
وعموماً نجح المعارضون في ان يصمدوا في وجه تهديدات واغراءات المالكي وحكومته في آن معاً، وفي ان يبقوا على زخم تحركهم عالياً رغم مرور الوقت الطويل ورغم سياسة المماطلة والتسويف في التعامل مع المطالب التي رفع هؤلاء المحتجون لواءها منذ البداية.
وكذلك نجح هؤلاء المحتجون في امر اساسي وهو ابقاء الصوت الذي رفع لواء الدعوة لاقليم الوسط خفيضاً، ولم يتحول الى شعار عام يتبناه المحتجون رغم ان ثمة رموزاً في الحراك لوحت به كخيار رافد ما لم تبادر الحكومة الى التجاوب مع المطالب التي رفعها المعارضون.
ورغم كل ذلك، فإن ثمة «مكاسب» حققها المالكي وحكومته بالنقاط التراكمية وابرزها:
– انه نجح، رهاناً على عامل الوقت في تعدد شعارات المعارضة ومطالبها وتذبذبها، لدرجة بدت معها وكأنها ليست موحدة حول «اجندة» معينة وبرنامج محدد، فهي طرحت اولاً مطالبها المعروفة وهي اطلاق السجناء، وتغيير قوانين ودساتير معينة تعتقد انها تقصي شريحة واسعة من الشعب العراقي. ثم رفعت في بعض الاحيان شعار الحفاظ على التحرك وصمود الاعتصامات. ولاحقاً رفع بعض المعارضين شعار السلاح لمواجهة قوات السلطة وهجماتها.
– اضافة الى ذلك، نجح المالكي في مرحلة لاحقة في عزل حركات الاحتجاج وساحات الاعتصامات، وفي اظهارها على انها تحركات ذات جوهر مذهبي وطائفي ولا تحمل اية شعارات وطنية.
– اخيراً وليس اخراً، بدأ المالكي خطة منظمة ترمي الى الظهور بمظهر الحاكم البعيد عن المذهبية، وانه يتصدى لهموم وطنية، وذلك من خلال الدعوة الى صلاة جامعة في بغداد ثم في كربلاء وفي مدن اخرى من محافظات الجنوب العراقية.

اضعاف القائمة العراقية
لكن ثمة من يرى ان نجاح المالكي تكرس اكثر ما يكون في مكان اخر، وتحديداً على المستوى السياسي، اذ قدر له ان يفصل بين خصمه الاساسي وهو «القائمة العراقية» بزعامة اياد علاوي والمعتصمين والمعارضين الذين بدا جلياً انهم كرسوا قيادتهم هم من خارج القائمة التي كانت على الدوام، وبالتحديد منذ تحولها الى كتلة نيابية اساسية ووازنة في اخر انتخابات عامة في العراق، رائدة المعارضة ورأس الحربة في مواجهة المالكي، لا بل ان شرائح من المعتصمين كانوا وما زالوا يتعاملون مع رموز القائمة العراقية، على انهم جزء من السلطة التي ينتفضون في وجهها.
ولاحقاً نجح المالكي ايضاً في احداث شروخ وتصدعات داخل القائمة العراقية وجبهة المعارضة ضده، اذ نجح في كسب نائب رئيس الوزراء وأحد قادة الكتل المكونة للعراقية صالح المطلك الى جانبه، فضلاً عن قوى ومكونات اخرى، بحيث ان المالكي بمقدوره القول الان وبعد نحو ثلاثة اعوام على اخر انتخابات عامة، بأنه وجه ضربات موجعة جداً لخصمه التقليدي، اي القائمة العراقية التي صارت اصلاً وحيدة، بعدما صار للتحالف الكردي حساباته ومصالحه السياسية الخاصة التي دفعته الى اعادة مد جسور التواصل مع حكومة المالكي، وان تنسج معه تحالفاً على اساس ارجاء الملفات الخلافية او بمعنى اخر، «تنظيم الاختلاف» الى اجل غير مسمى.

ماذا بعد في العراق؟
ثمة من يرى ان هناك تعادلاً الى حد ما في القوى بين المالكي ومعارضيه، وان هذه المعادلة تعرض بقاء الوضع مراوحاً على ما هو عليه، اي في قبضة الازمة لعجز اي فريق من افرقاء النزاع على كسب المعركة لوحده، مع افضلية للمالكي وهي انه يتربع على رأس هرم السلطة، فيما خصومه مضطرون للاعتصام في الشارع ليتحملوا برد العراق القارس في السابق وهم يعلنون استعدادهم الان ليتحملوا لهيب الصيف العراقي من الان فصاعداً، الى ان يقضي الله امراً كان مفعولاً.

ابرهيم بيرم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق