سياسة لبنانيةلبنانيات

الانتخابات رسمت شكل المجلس النيابي الجديد فالتغيير حاصل والتعقل باب الانقاذ

الاستحقاقات المقبلة كثيرة والانقسامات حولها تؤدي الى الفراغ القاتل

انهت لجان القيد او شارفت على الانتهاء من عملها فصدرت نتائج الانتخابات النيابية لعام 2022 حاملة معها الكثير من المفاجآت، لعل ابرزها فوز عدد من مرشحي الحراك الشعبي، رغم الانقسامات التي رافقت تشكيل اللوائح. وهذا دليل على ان اراء الناس بدأت تتبدل وتخرج من التبعية التي كانت تظهر في كل انتخابات وتعيد مرشحي السلطة، فتجذروا في مقاعدهم ودمروا الاقتصاد والحياة السياسية وعلاقات لبنان بمحيطه العربي وبالمجتمع الدولي، وهذا ما عبر عنه بوضوح تقرير للامم المتحدة صدر قبل ايام.
صدور النتائج رسم صورة المجلس النيابي الجديد، وهو يختلف عن المجلس السابق، فلا اكثرية واضحة فيه تتحكم بالقرارات وان كان الميزان يميل نحو قوى التغيير. الا ان اللافت هو ان بعض الاطراف استمروا في تصريحاتهم الهجومية موزعين تهم الخيانة على اخصامهم، محتكرين الوطنية لانفسهم. وفي حال استمرت هذه الاجواء، خصوصاً وان القوى شبه متعادلة داخل المجلس، فانها تنذر بمرحلة مقبلة ساخنة، لا تخدم مصلحة الوطن والمواطنين. ان المفروض على الجميع، وقد طويت صفحة الانتخابات، ان يلتزموا التعقل والهدوء. فالبلاد محكومة بالعيش المشترك، وهي تتطلب التعاون والعمل معاً على اخراج لبنان من الهوة السحيقة التي رمته فيها المنظومة. والا فان المرحلة المقبلة ستكون صعبة ومعقدة، خصوصاً وهناك استحقاقات داهمة اولها انتخاب رئيس للمجلس النيابي الجديد. صحيح ان هناك مرشحاً واحداً لهذا المنصب هو الرئيس نبيه بري، الذي مضى على ترؤسه المجلس اكثر من ثلاثة عقود، الا ان هناك كتلاً نيابية انشأتها الانتخابات، اعلنت عن عدم تأييدها له، لانها تنشد التغيير فكيف ستكون نتائج الاتصالات التي بدأت منذ اليوم لتهدئة الاجواء وتمرير هذا الاستحقاق بسلام. يلي ذلك الاستحقاق الاصعب وهو اختيار رئيس لتشكيل الحكومة الجديدة، وتليه مرحلة اختيار الوزراء، مع العلم ان احداً من التغييرين الذين فازوا لن يقبلوا بعودة المحاصصة وتقاسم الحقائب الوزارية، والحل الافضل يكون باختيار رئيس حيادي، يشكل حكومة من اختصاصيين بعيدين عن السياسة والسياسيين. فالمرحلة، بالنسبة الى الوضع اللبناني، هي اقتصادية مالية. اذ ان المهمة الاولى للحكومة هي التفاوض مع صندوق النقد الدولي وفق رؤية سليمة تحمل الصندوق على التوقيع النهائي مع لبنان ومده بجرعة اوكسجين لكي يستطيع ان يتنفس ويخرج تدريجياً من محنته.
اما اذا اصر فريق السلطة المتحكم بالبلد على حكومة يتدخل بتشكيلها ويطلب حصصاً فيها على غرار ما كان يجري دائماً، فان القضية تصبح صعبة، لا بل شبه مستحيلة. وهنا تتعمق الانقسامات التي تؤثر على البلد وعلى حياة المواطنين، الذين لم يعوودا قادرين على تحمل اي اعباء جديدة، بل ينشدون اخراجهم بسرعة من هذا الجحيم. والخوف من تصلب كل فريق والتشبث بموقفه، لان ذلك في حال حصوله سيؤدي الى فراغ يدمر الاقتصاد المدمر اصلاً، ويصبح من الصعب انقاذ البلد.
الامر الوحيد المؤكد هو ان المجلس النيابي الجديد سيفتح صفحة مختلفة عن الماضي. فالتغيير واقع حتماً بعد تبدل المزاج الشعبي المنادي بالخروج من الماضي مهما كان الثمن، والبدء باعادة بناء الدولة ليستعيد لبنان دوره الطبيعي في اطار الجامعة العربية وهو احد مؤسسيها وكذلك استعادة دوره الدولي وهو مساهم في قرارات الامم المتحدة، على ان يسود التعقل ويضع الجميع حداً لخلافاتهم، ويعملون معاً من اجل دولة قوية تحترم الحرية وحقوق الانسان وهذا وحده ينقذ لبنان.
وفي النهاية وكما مرت الانتخابات بسلام بفضل القوى الامنية والجيش الذي كان يسارع الى تطويق الاشكالات، وبعدما اطل وزير الداخلية القاضي بسام المولوي مراراً معلناً النتائج كلما توفرت له من لجان القيد، نتمنى ان تمر المرحلة المتبقية من هذا العهد بهدوء، وتكون مثمرة من اجل مصلحة لبنان فيسود العقل بدل التحدي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق