سياسة لبنانية

الحريري: اللبنانيون اختاروا الحوار لأن لا أحد يريد ان يعيش حرباً أهلية من جديد

كرر رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري القول بأن «استقالته من الحكومة كانت بقصد خلق صدمة إيجابية في لبنان، وأن يفهم العالم أن بلدنا لم يعد قادراً على تحمل تدخلات حزب الله في شؤون دول الخليج، حيث يقيم ما يقارب 300 ألف لبناني ووجودهم مهم جداً بالنسبة الى اقتصادنا».
وقال الرئيس الحريري في مقابلة أجرتها معه مجلة «باري ماتش»: «اختار اللبنانيون الحوار من أجل مصلحة لبنان واستقراره، لأن لا أحد من اللبنانيين يريد أن يعيش حربا أهلية من جديد، ولذلك علينا تنفيذ سياسة جامعة همها الرئيسي مصالح لبنان».
وفي ما يلي نص المقابلة:
بدا إعلان استقالتك من الرياض مفروضاً عليك. هل كنت «محتجزاً» من قبل السعوديين كما أعلن الرئيس اللبناني ميشال عون؟
«لا، هذا ليس صحيحاً. استقلت من الرياض بقصد خلق صدمة إيجابية للبنان. رويت قصصاً كثيرة عن هذا الموضوع. لكن لو كنت محتجزاً، لما كنت اليوم هنا في بيروت وما تمكنت قبل ذلك من الذهاب إلى باريس ومصر وقبرص. كنت حراً».
في جميع الاوقات؟
«نعم، ذهبت إلى باريس عندما دعاني الرئيس ايمانويل ماكرون».
هل ستستأنف دورك كرئيس للوزراء كما لو لم يحدث شيء؟
«نعم، أردت أن يفهم العالم أن لبنان لم يعد قادراً على تحمل تدخلات «حزب الله» في شؤون دول الخليج حيث يعيش 300 ألف لبناني. وجودهم مهم جداً لاقتصادنا ويجب ألا ندفع ثمن أعمال الحزب».
دعنا نتحدث عن هذا الحزب الممثل في حكومتك، والذي اتهمته، مع معلمه الإيراني، بالسيطرة على لبنان. لكن «حزب الله» طالب بعودتك، فهل غيرت رأيك؟
«علينا ان نميز. في لبنان، لـ «حزب الله» دور سياسي. لديه أسلحة، ولكنه لا يستخدمها على الأراضي اللبنانية. إن مصلحة لبنان هي بضمان عدم استخدام هذه الأسلحة في أماكن أخرى. وهذه هي المشكلة».
إذاً، عندما يتدخل «حزب الله» في سوريا أو اليمن، حتى لو كان زعيمه السيد حسن نصر الله ينفي ذلك، هل تعارضه؟
«بالطبع. سالت دماء كثيرة في المنطقة. وأخشى أن تدخل «حزب الله» في الخارج سيكلف لبنان غالياً. لن أقبل أن يشارك حزب سياسي لبناني في مناورات تخدم مصالح إيران».
هل تخشى عودة الحرب؟
«لبنان يعيش معجزة صغيرة. لم يكن علينا أن نتحمل ما يحدث في سوريا والعراق وليبيا واليمن وبداية، في مصر. لا أحد هنا يريد أن يعيش حرباً أهلية من جديد، ولذلك من الأساسي تنفيذ سياسة جامعة، همها الرئيسي مصالح لبنان».
بطريقة ما، إن ذاكرة فظائع الحرب تقربك من خصومك في «حزب الله»؟
«بالطبع، لقد عاش اللبنانيون جميعاً هذه الحرب الأهلية الفظيعة. وجهات نظرنا متعارضة. من لا يعرف شيئاً عن السياسة اللبنانية قد يقول ألا يوجد سبب لأن نتحدث مع بعضنا البعض. ولكننا اخترنا الحوار من أجل مصلحة لبنان واستقراره. المنطقة دمرتها الاشتباكات الطائفية، ولقد شهدنا توترات قوية جداً، ولهذا فضلنا تهدئة الامور».
لقد ذكرت تهديدات لحياتك. هل تلاشت هذه التهديدات؟
«التهديدات موجودة دائماً. لدي العديد من الأعداء، منهم المتطرفون ومنهم النظام السوري، فقد أصدر هذا الأخير حكماً بالإعدام ضدي، وهم يتهمونني بالتدخل في بلدهم. بصراحة، هل تتصورنا كلبنانيين نتدخل في سوريا؟ (يضحك)».
لقد عينت مؤخراً سفيراً جديداً إلى دمشق، بعد شغور المنصب لأربع سنوات. هل هذا يدل على تطور في العلاقات؟
«لطالما أردنا علاقات دبلوماسية مع سوريا، التي رفضت لفترة طويلة الاعتراف باستقلالنا. عام 2010، ذهبت إلى دمشق وتم أخيرا الاعتراف بهذا الاستقلال. ان تعيين سفير هو لضمان استمرارية هذا الاعتراف أياً كان النظام في دمشق».
هناك أيضاً مصير 1،5 مليون سوري يعيشون في لبنان؟
«سيعودون في حال وجود حل سياسي حقيقي. السوريون ليسوا مثل الفلسطينيين، إذ لديهم بلد خاص بهم ولا يريدون البقاء. وبالنسبة الى هؤلاء اللاجئين أيضاً، فإن استقرار لبنان أساسي. في حال حصول فوضى، سيهربون من البلد. وسوف يذهبون إليكم، في أوروبا».
هل تعترف أن بشار الأسد انتصر بالحرب؟
«لم ينتصر. الرئيسان بوتين وروحاني انتصرا».
لكنه ما زال هنا. في البداية، قال الجميع إنه سيغادر؟
«نعم بالطبع، هو هنا ولكن عليه أن يغادر».
ما زلت تعتقد ذلك؟
«مخطىء من يظن أن الانتصار ضد داعش حل المشكلة. المشكلة في سوريا هي بشار الأسد. بدأت عام 2011، وفي ذلك الوقت، لم يكن داعش موجوداً».
ولد تنظيم داعش في شكل أساسي في العراق كنتيجة للغزو الأميركي…
«نعم، قدم من هناك. يجب ألا ننسى أعمال رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي (الشيعي) الذي عقد تحالفاً مع الصحوة (ميليشيات قبلية سنية ضد القاعدة) ووعد بشمول جميع الطوائف. وعندما هزم تنظيم القاعدة، وجه أسلحته ضد الصحوة. وجاء تنظيم داعش إلى سوريا. لقد استخدموا قضية الثورة. لكن كم يبلغ عدد الأشخاص الذين قتلهم داعش في العالم؟ 10،000، 20،000، ربما 30،000. كم شخص قتل بشار الأسد؟ 700،000».
في هذه الحرب، نصف القتلى هم من جانبه. هل هو المسؤول عن كل شيء؟
«لا، لكنه رئيس الدولة. وفي بلد طبيعي لا يستخدم الرئيس القوة المسلحة ضد شعبه. في البداية كانت الثورة سلمية».
ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، هو لغز. البعض يعتبره مستبداً مهووساً بإيران. وللبعض الأخر هو يكافح الفساد وسيسمح للنساء بقيادة السيارات. أنت تعرفه جيدا، فمن هو؟
«هو رجل معتدل يريد سياسة انفتاح لبلده».
من خلال وضع الأمراء في الإقامة الجبرية في فندق؟
«لقد وضح الأمر. انه يحاول محاربة الفساد. انظروا إلى ما حقق اقتصادياً. هو يدعو إلى الاعتدال ويأذن، كما أشرتم، للنساء ان تقود. في الماضي، لم تكن هناك صالات سينما ولا حفلات موسيقية في المملكة العربية السعودية. يريد انفتاحاً حقيقياً للمجتمع السعودي. معارضته للسياسة الإيرانية تأتي من التدخل الذي تعاني منه السعودية، في العراق واليمن والبحرين. نعم، هناك مشكلة مع إيران. بطبيعة الحال، نحن اللبنانيين نود أن يكون لدينا أفضل العلاقات، الاقتصادية على وجه الخصوص، مع إيران. ولكن يجب أن تكون لمصلحة بلدينا».
عندما ينعت محمد بن سلمان آية الله خامنئي، المرشد الأعلى الإيراني، بـ «هتلر الشرق الأوسط»، هل تؤيده؟
«لكل شخص طريقته بالتعبير».
هذه ليست لغة استقرار؟
«أنت توقفت عند كلمة «هتلر»، ولا تعلم ما يقوله خامنئي عن السعوديين لسنوات، واصفاً إياهم «بالمجانين». هذه الكلمات المفرطة هي جزء من لغة المنطقة».
هناك تقارب بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية. إذا قرر الإسرائيليون ضرب المصالح الإيرانية وحزب الله في سوريا، ما سيكون رد فعلكم؟
«لن نفعل شيئاً إذا الأمر حدث في سوريا».
حتى لو اخترقوا مجالكم الجوي؟
«نسجل كل الاختراقات لمجالنا الجوي في مجلس الأمن الدولي. لكن لبنان لا يستطيع أن يفعل أي شيء. حتى بشار الأسد، بعد كل ضربة، يقول: سنرد في الوقت المناسب وبالطريقة التي نختارها. ستكون هذه مشكلة سوريا لا مشكلة لبنان»
ما كان دور فرنسا في هذه الأزمة؟
«هي البلد الذي جمع المجتمع الدولي حول لبنان. تحدث الرئيس ماكرون مع الجميع: الأميركيين والأوروبيين وإيران وروسيا. إن العلاقات بين بلدينا تاريخية بالتأكيد، ولكن هنا أكثر من هذا الامر. الناس تعبوا من الحروب».
ماذا قال لك الرئيس ماكرون عندما تحدثت إليه في بداية الأزمة؟
«سألني لماذا استقلت وأجبته إنني اردت خلق صدمة ايجابية لبلدي. علاقتنا ممتازة ونتحدث مع بعضنا البعض تكراراً».
قد يكون قال لك أن الاستقالة هي التخلي، أليس كذلك؟
«قال لي إنه إذا أردت الاستقالة، فعلي أن أعود إلى لبنان لأفعل الأمور بشكل صحيح».
في تعامله مع هذه الأزمة، هل لديك شعور بأن ماكرون أخرج السعوديين من موقف صعب؟
«تصرف الرئيس ماكرون لصالح فرنسا ولبنان والمنطقة. لقد تصرف لتجنب حرب أخرى وسيقال يوماً ما انه لعب دوراً تاريخياً».
هناك 240 موظفاً فرنسياً في شركة سعودي أوجيه لم يتلقوا رواتبهم منذ سنتين. ماذا ستفعل حيال ذلك؟
«من المتوقع أن تسدد الحكومة السعودية متأخراتها. وفور قيامها بذلك سندفع الرواتب. لقد أخذنا هذه المسألة على عاتقنا».
هل استطعت زيارة جاك شيراك، الذي انت مقرب جداً منه؟
«للأسف لا، ولكني اتصلت بكلود. وفي زيارتي المقبلة لباريس، سأذهب لزيارة الرئيس شيراك. استطاعت السيدة نازك التحدث معه عندما كنت في السعودية».
ترك والدك رفيق الحريري، الذي قتل في العام 2005، بصمة في لبنان، ولا سيما في إعادة بناء وسط مدينة بيروت بعد الحرب. ما هي الصورة التي تريد تركها للأجيال المقبلة؟
«أريد بلداً مستقراً. نحن نعيش في عصر التكنولوجيا الجديدة، واللبناني لديه ميزة الابتكار. يجب إنشاء بنية تحتية حتى يتمكن من التفوق في هذه المجالات. وهناك تقارب في وجهات النظر بشأن هذا الموضوع بيني والرئيس ماكرون. لبنان بلد صغير ولكنه سيكون نموذجاً للنجاح في العالم العربي».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق