تحقيقسياسة عربية

سياحة بديلة في الجولان السوري المحتل

يعتلي نحو خمسين شاباً وصبية من الفلسطينيين الاسرائيليين سطح مبنى في الجزء المحتل من مدينة القنيطرة، في وقت يتصاعد دخان اسود من الجهة السورية المقابلة، ويشرح دليلهم السياحي عماد مداح قائلاً «هناك تتمركز جبهة النصرة».

وتستمع المجموعة الى رواية عماد مداح المتحدر من بلدة مجدل شمس في الجولان السوري المحتل عن قرى الجولان المهدمة، وعن الاحتلال الاسرائيلي وتأثيره على السكان السوريين هناك، خلال جولات ومسارات للمشي ضمن مشروع «تعرف على الجولان»، هو بمثابة «سياحة بديلة» في منطقة احتلتها اسرائيل في 1967 وضمتها من دون ان يعترف المجتمع الدولي بهذا الضم.
ويشارك في جولات السياحة البديلة هذه اشخاص عرب وأجانب، بحسب ما يقول مداح الذي يبدو عليه التأثر وهو يتحدث عن مدينة القنيطرة الواقعة في الجانب السوري التي احتلتها اسرائيل ودمرتها بالكامل عام 1967 واسترجعت سوريا الشطر الأكبر منها عام 1973، وبنت مكانه مدينة البعث الحديثة.
وتسيطر اليوم فصائل من المعارضة السورية بينها جبهة فتح الشام (جبهة النصرة سابقا) على القنيطرة.
وحصل مداح على إذن من السلطات الاسرائيلية لزيارة المبنى الضخم الذي اقتاد المجموعة اليه، والذي كان تابعا للقيادة العسكرية السورية.
والمبنى مكون من ثلاثة طوابق وعدد كبير من الغرف، وتبدو عليه آثار القصف. ووضعت اسرائيل امام المبنى صخرة كبيرة حفر عليها «صخرة النصر مهداة من شعب اسرائيل لذكرى ايلي كوهين الجاسوس الاسرائيلي في سوريا الذي زار مقر القيادة اثناء عمله في سوريا بين 1962 و1965». وأعدم السوريون كوهين بعد افتضاح أمره في 1965.
ويعمل عماد مداح في مجال المسرح والموسيقى والثقافة، ويقول لوكالة فرانس برس «انا ايضاً اعمل في مجال السياحة البديلة منذ سبع سنوات وهو مشروع توعوي تثقيفي وترفيهي، وليس ربحيا، والهدف منه إيصال الحقيقة عن الجولان السوري قبل وبعد الاحتلال لتفنيد الرواية المزيفة للاحتلال».
بالقرب من معبر القنيطرة الذي تتمركز فيه قوى من الامم المتحدة، يقول للمجموعة التي يرافقها «يمر الطلاب السوريون (القاطنون في الجولان المحتل) من هنا الى دمشق. ولكن بعد الاحداث في سوريا، عاد الطلاب للمرة الاولى عن طريق الاردن».
ويتحدث ايضاً عن العرائس اللواتي كن يعبرن للزواج في دمشق. ويقول «من كانت تتزوج هناك، لا تعود ترجع الى هنا. اسرائيل تسمح باخراج العروس، ولا تسمح بادخال عروس من سوريا الى الجولان».
لكن هذا المعبر أقفل بسب الحرب المستمرة في سوريا منذ اكثر من خمس سنوات.
ويشجع مداح على القيام بزيارات الى القرى العربية والمسارات الطبيعية في الجولان المحتل، بينما تروج المواقع الالكترونية السياحية الرسمية مثل موقع «مرتفعات الجولان السياحي الاسرائيلي» لزيارة «مصانع النبيذ والفنادق السياحية ومسارات المشي في المستوطنات، للتاثير والحفاظ على بلدنا».
ويقول مداح «في الرحلة، نحن نتمتع بالطبيعة الخلابة والمعرفة، وبهذه الزيارات ايضا انا انفع اولاد بلدي لان الناس تدخل المطاعم وتشتري من المنتوجات الزراعية».
وتقول الشابة ربى ابو رمحين (20عاماً)، التي تشارك في رحلة السياحة البديلة، وهي طالبة تدرس الحقوق في جامعة حيفا، «هذه ليست المرة الاولى التي أحضر فيها الى الجولان… نتعلم أشياء جديدة لا احد يخبرنا عنها، انا أستمتع بالطبيعة وأستفيد من المعلومات وأنقل ما أتعلم لاصدقائي ولعائلتي».
اما روني هلون (23 عاماً) وهو طالب تمثيل من قرية عسفيا في جبال الكرمل، فيقول «هذه رحلتي الثانية الى الجولان. لم أتخيل في حياتي انني سادخل مبنى قيادة ومعسكراً ومستشفى كانت للجيش السوري. في كل مرة أتعلم شيئاً جديداً. نستنشق هواء الطبيعة ونعيش أحداث التاريخ هنا. هذه الرحلات وثقت علاقتنا مع الجولانيين ومع المكان».

نهر الحاصباني
ويتقدم مداح مع مجموعته مشياً في مياه نهر الحاصباني الباردة، وسط الحجارة والصخور. ويتدفق النهر من ينابيع السفوح الشمالية الغربية لجبل الشيخ في لبنان ويمر على مسافة 24 كيلومتراً في الاراضي اللبنانية قبل ان يدخل الجولان. ويتحدث عماد عن التوتر بين لبنان واسرائيل حول مياه الحاصباني.
وعند الوصول الى مدخل الجولان، يقول مداح «نحن دخلنا حدود الجولان السوري الذي احتلته اسرائيل عام 1967. انظروا الى اليسار»، في اشارة الى لافتات صفراء تقول «احذروا الالغام».
ويبلغ عدد سكان الجولان حالياً 31 الف نسمة. حتى حزيران (يونيو) 1967، كان يضم 250 قرية ومزرعة ويسكنه نحو 150 الف نسمة. وهدمت اسرائيل القرى، وابقت على خمس منها هي عين قينيا وبقعاتا ومسعدة ومجدل شمس والغجر التي يسكنها علويون معظمهم يحمل الجنسية الاسرائيلية. ويوجد قسم من الغجر في الاراضي اللبنانية.
وكان السكان من المسيحيين والمسلمين والشراكسة والدروز، ولجأ قسم كبير منهم الى داخل سوريا.
في الطريق الى بلدته مجدل شمس، يقول مداح «كانت هنا قرية جباث الزيت» هدمتها اسرائيل وبنت على آثارها مستوطنة نفيه اتيف».
وسط ساحة بلدة مجدل شمس، تمثال لسلطان باشا الاطرش الذي حارب الاستعمار الفرنسي في سوريا. ويشرح مداح «صنع التمثال الفنان حسن خاطر ودشن في الرابع من نيسان (ابريل) 1987. بعد أيام، ألقيت قنبلة على التمثال (…) لكنه كان قوياً».
ويتحدث مداح عن رفض غالبية السوريين في الجولان للجنسية الاسرائيلية.
في منطقة أطلق عليها اسم وادي الصياحات على الحدود، أسلاك شائكة كهربائية كبيرة وممر خاص بسيارات الجيش الاسرائيلي. قبل الانترنت، كان الناس من جانبي الحدود يلتقون عند طرفي واد وينادون لبعضهم ويتواصلون. ويقول مداح «كنا نحتفل بعيد الجلاء (الجيش الفرنسي) هنا».

أ ف ب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق