سياسة لبنانية

الراعي: كيف يقبل اي مرشح للرئاسة ذي كرامة ان يعرى من مسؤولياته بفرض سلة شروط غير دستورية عليه؟

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الاحد في كنيسة السيدة في الصرح البطريركي في بكركي، حضره حشد من المؤمنين.

العظة
بعد الانجيل المقدس، ألقى الراعي عظة بعنوان «لا تصدقوهم» (متى 24: 26)، قال فيها:
«خطاب الرب يسوع في إنجيل اليوم تكملة لخطاب بدأ عن نهاية العالم وعلامات مجيئه الثاني بالمجد، وعما يسبقه من تضليل على يد مسحاء كذبة، يحاولون تضليل الناس عن الحق الذي ينير طريق الإنسان إلى الله وإلى أخيه الإنسان. فينذرنا الرب جازماً: «لا تصدقوهم» (متى 24: 26). هذا الإنذار دعوة للبحث الدائم عن الحقيقة والثبات فيها، لأنها باب العدالة والوحدة والسلام، في العائلة والمجتمع والدولة».
أضاف: «يسعدنا أن نستعيد في هذا الأحد قداسات يوم الرب في بكركي، بعد أن قضينا فصل الصيف في الديمان، وقمنا خلاله بزيارات راعوية عدة داخل لبنان وفي بلدان الإنتشار. فإني أرحب بكم وخصوصاً برئيس المؤسسة المارونية للإنتشار المهندس نعمت فرام، وبسفير لبنان لدى منظمة الأونسكو في باريس الدكتور خليل كرم، والعميد الركن جورج يوسف مدير فرع مخابرات جبل لبنان، وبرئيس النادي اللبناني في المكسيك وبعض أعضاء الهيئة الإدارية».
وتابع: «إننا نتمنى لطلاب المدارس والجامعات والتعليم المهني والتقني سنة دراسية هادئة وناجحة، ولأهلهم امكان القيام بأعباء التعليم، شاكرين ومقدرين إدارات هذه المؤسسات التربوية على تعاونهم ومساعداتهم. ونقدر كل الذين يدعمون ويساعدون على تخفيف عبء الأقساط عن كاهل الأهل، ويوفرون منحاً مدرسية وجامعية».
وقال: «لا تصدقوهم». بهذا الانذار، يدعونا الرب يسوع للوعي والانتباه وعدم الانزلاق وراء المضللين بالكلام او بالاعمال او بالمسلك او بالترويج الاعلامي او بالتضليل الايديولوجي او بنشر ثقافة مغايرة للمبادىء والثوابت والتقاليد من اجل زعزعة وحدة العائلة والمجتمع والدولة، وافساد الاخلاق التي عليها تقوم الامم؛ بحسب قول الشاعر: «انما الامم الاخلاق ما بقيت…».
وتابع: «يدعونا المسيح الرب للعودة الى تعليم الكنيسة وسلطتها التعليمية. فالكنيسة بتعليمها تحمي من الانحرافات عن الحقيقة والقواعد الاخلاقية، وعن العدالة التي تثمر السلام، وتنبه الضمائر؛ وترفع الصوت بوجه كل اعتداء على الانسان في جسده وروحه وكرامته وحقوقه، وبوجه كل ما يزعزع المجتمع في سلامه وطمأنينته ونموه، وكل ما ينال من استقرار الدولة في مؤسساتها الدستورية والعامة الضامنة لنموها ولتأمين الخير العام الذي منه خير كل المواطنين وكل مواطن».
أضاف: «في هذا السياق أصدرت البطريركية ثلاثة وثائق تدعو الجماعة السياسية الى الاستنارة بها، لكونها تشكل خريطة طريق بما تحتوي عليه من ثوابت ومبادىء. هذه الوثائق هي: شرعة العمل السياسي، والمذكرة الوطنية، والمذكرة الاقتصادية. فمن بعدما رحبت بها الجماعة السياسية، نراها اليوم، وبكل اسف، تهملها بكليتها. فالعمل السياسي اصبح عندنا اليوم خروجاً عن غايته التي هي تأمين الخير العام لجميع المواطنين؛ ومخالفة فاضحة للدستور والميثاق الوطني بعدم انتخاب رئيس للجمهورية منذ سنتين واربعة اشهر، وبالتالي وبتعطيل العمل التشريعي في المجلس النيابي وبشل السلطة الاجرائية في الحكومة؛ كما اصبح سببا مباشرا لضرب القطاعات الاقتصادية:الزراعة والصناعة والسياحة والتجارة والصحة والمال، ولافقار الشعب وتهجيره من وطنه. ألسنا نسمع كل يوم صرخة المواطنيين، وما من مجيب؟».
وتابع: «لقد دعونا وندعو الى التقيد بالدستور والميثاق الوطني وصيغته التطبيقية، من اجل الالتزام ببناء الدولة العادلة والقادرة والمنتجة، مع ما يقتضي هذا الالتزام من واجبات، بيناها في المذكرة الوطنية. فالدولة العادلة والقادرة والمنتجة تشكل المساحة المشتركة لالتقاء اللبنانيين، وتوطيد الوحدة الداخلية المحرِرة من الرهانات على الخارج، والمحصنة ضد التدخل الخارجي، والضامنة للوحدة الوطنية في التنوع (الفقرة 21، ثانياً).الدولة العادلة والقادرة والمنتجة تقضي على المنحى الهدام الذي نشهره عندنا اليوم، وهو ممارسة سياسة تجنح الى المحاصصة ودوائر النفوذ، فالى الصراع على تنازع السلطة على حساب الميثاق، وتعطيل الدستور لصالح صراع القوي، والتفرد والتعنت والطمع في السلطة، وشل الدولة جراء لعبة تجاذبات المحاور الخارجية (المذكرة الوطنية الفقرتان 10و11)».
أضاف: «مع تقديرنا الكامل وتشجيعنا للجهود الساعية الى انتخاب رئيس للجمهورية، والتي نرجو لها النجاح في اسرع وقت ممكن، يتكلمون عن سلة تفاهم كشرط وممر لانتخاب رئيس الجمهورية. هل هذه السلة تحل محل الدستور والميثاق الوطني؟ ان التقيد بالدستور، حرفاً وروحاً، وبالميثاق يغنيان عن هذه السلة. فإن كان لا بد منها فينبغي ان يوضع فيها امر واحد هو:التزام جميع الكتل السياسية والنيابية بتأمين المصلحة الوطنية المشتركة العليا. اما المواضيع الاخرى التي يريدون وضعها في «السلة»، ومن دون جدوى، فلا يمكن ان تطرح وتحل وتنتظم الا بوجود رئيس الجمهورية. ثم كيف يقبل اي مرشح للرئاسة الاولى، ذي كرامة وادراك لمسؤولياته، ان يعرى من مسؤولياته الدستورية، بفرض سلة شروط عليه غير دستورية، وان يحكم كأداة صماء؟ هذا اذا ما كان الامر للمماطلة بانتظار الوحي وكلمة السر من الخارج!».
وختم الراعي: «صحيح ان الرب يسوع في انجيل اليوم يكلمنا عن نهاية العالم ومجيئه الثاني. ولكن ما يهمه ويهم كل واحد وواحدة منا، انما هو نهاية حياتنا الشخصية، ومجيء الرب في حياتنا اليومية، عبر كلام الله ونعمة الاسرار والهامات الروح القدس ونداءات المجتمع الذي نعيش فيه. يأتي كل يوم، وفي كل مرة، يريدنا ان نقول الحقيقة، ونعمل الخير، ونعزز العدالة، ونبني السلام، ونشهد لمحبة الله، سواء في العائلة، ام في الكنيسة، ام في المجتمع، ام في الدولة. فاننا في نهاية العمر سندان عليها امام العرش الالهي. وهكذا تصبح حياتنا اليومية انشودة مجد وتسبيح للثالوث القدوس، الاله الواحد، الآب والابن والروح القدس، الآن والى الابد، آمين».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق