سياسة لبنانية

اشتباك عرمون نار تحت الرماد

لا تزال الأسباب الكامنة وراء الاشتباكات التي وقعت في منطقة عرمون وتحولت إلى حرب شوارع، واستخدمت فيها الأسلحة الخفيفة والمتوسطة واستمرت نحو ساعتين، وأدت إلى سقوط جرحى سوريين ولبنانيين، مجهولة، في ظل غياب أي بيان رسمي أو توضيح وتعدد الروايات المتداولة حولها:
– رواية تقول إن ما حصل كان نتيجة إطلاق رصاص من قبل أشخاص محسوبين على «سرايا المقاومة» على أحد أصحاب المولّدات الكهربائية من أبناء المنطقة الذي يعمل لديه عمال سوريون، وبعد ذلك تطور الأمر ووصل إلى حد المواجهات بالأسلحة.
– رواية أخرى تقول إن المشكلة كانت قد بدأت قبل أيام بين شاب لبناني وآخر سوري على خلفية معاكسة فتاة، لا علاقة للسياسة بها، لكنها تطورت في اليوم التالي، حيث تدخلت مجموعتان من الشباب السوريين واللبنانيين لمناصرة كل منهما.
– رواية تفيد عن تعرّض أحد شبان الحي قبل أيام لاعتداء بسكين، وحمل البعض أفراداً سوريين مسؤولية الأمر. وعلى هذا الأساس، قررت مجموعة من الشبان اللبنانيين القيام بـ «عراضة» في الحي، وإعلان رفضهم لـ «الوجود السوري» فيه. لكن معلومات أمنية أكدت أن المدعو (هـ. ب.)، وهو من المحسوبين سابقاً على أحمد الأسير، وزع بعض الأسلحة الخفيفة على بعض السوريين، قبيل انطلاق «العراضة». وبحسب المعلومات، فإن بعض السوريين واللبنانيين أطلقوا رشقات باتجاه المتجمعين، فما كان من هؤلاء إلا أن ردوا بإطلاق النار.
ولا يزال أبناء المنطقة يتخوفون من أن يكون ما حصل بداية لمشكلات أكبر، لا سيما أن المنطقة تجمع أطرافاً سياسية متعددة، بل ومتناقضة، وتشهد خلافات شبه يومية في ما بينهم. وفي السنوات الأخيرة انضم إليهم عدد كبير من اللاجئين السوريين الذين استأجروا منازل في المنطقة وسكنوا فيها وفتحوا فيها مؤسسات، مع العلم بأن هذه المنطقة المختلطة فيها عناصر تابعون لـ «سرايا المقاومة» وشاكر البرجاوي، المقرب من حزب الله والنظام السوري، ومناصرون له، إضافة إلى مناصرين لتيار المستقبل، وهو الأمر الذي يضع المنطقة أمام احتمال المواجهات الدائم بين الأطراف المتنازعة، التي انضم إليها السوريون بحسب أيضاً توجهاتهم السياسية الموالية للنظام أو المعارضة له، وإن كان السواد الأعظم منهم من المعارضين. فبالإضافة إلى الانقسام التقليدي في حي مريم بين الأشخاص والعائلات المحسوبة على تيار المستقبل والإسلاميين من جهة، والمقربين من «سرايا المقاومة» من جهة ثانية، نمت في المرحلة الماضية حساسية تجاه النازحين والعمال السوريين في الحي على خلفية التنافس بين اللبنانيين والسوريين على سوق العمل.
وتشكل «عرمون» نموذجاً لعدد من المناطق اللبنانية التي يتواجد فيها أكثر من مليون لاجىء، وما حصل في أحد شوارعها، المعروف بـ «شارع مريم» قد يحدث في أي منطقة في لبنان في أي وقت، بحسب ما يقول مصدر أمني، معتبراً أن لبنان كلّه معرض لأحداث مماثلة بعدما بات يعاني من ضغط اجتماعي واقتصادي، من دون أن ينفي أن الانقسام السياسي في ما بين السوريين أنفسهم واصطفافهم إلى جانب الأفرقاء اللبنانيين، المعارضين للنظام والموالين له، من شأنه أن يزيد من الخطر الأمني.
وقد أعاد الاشتباك المسلح الذي حصل في دوحة عرمون تسليط الضوء على «سرايا المقاومة» التابعة لحزب الله. وعلم أن تيار المستقبل يتجه الى إعادة طرح هذه المسألة كبند أساسي على جدول أعمال الجلسة المقبلة مع حزب الله، ويكرر مطالبته بحل هذه «السرايا»، أو على الأقل بوضع ضوابط لها حتى لا تتحول الى سبب مباشر للاحتقان والتوتر في الشارع. ويطرح المستقبل هذا الموضوع من خلفية أن الهدف الرئيسي للحوار الثنائي، الذي هو الحوار السني – الشيعي الوحيد في العالم العربي، هو تنقية الأجواء وتنفيس الاحتقان المذهبي ومنع الفتنة.
منذ أسابيع سلط وزير الداخلية نهاد المشنوق الأضواء على «سرايا المقاومة»، وذهب بعيداً في رفضها عندما وصفها بأنها «سرايا احتلال» و«سرايا فتنة»، مكرراً المطالبة بحلها. وقد فاجأ هذا الكلام المراقبين لأن الوزير المشنوق هو أحد أضلاع الوفد الثلاثي الذي يمثل تيار المستقبل في طاولة الحوار الثنائي مع حزب الله، وهو فوق ذلك أحد الدعاة الأساسيين الى سياسة الانفتاح على الحزب، ولأنه يعيد التركيز السلبي على «السرايا» في لحظة شديدة الالتباس، وهي لحظة الإعلان عن القرار الظني في شأن قضية تفجير المسجدين في طرابلس والإعلان عن توقيع المشنوق طلب حل الحزب الديمقراطي وحركة التوحيد الإسلامي فرع هاشم منقارة.
ولكن حزب الله مصر على بقاء هذه «السرايا» واعتبارها مع سلاحها امتداداً للمقاومة وذراعاً من أذرعتها الأمنية، خصوصاً بعدما زادت الحاجة إليها لحماية الجبهة الداخلية وتأمين ظهر الحزب الذي يقاتل في سوريا.
وكان حزب الله بادر في الآونة الأخيرة الى تجديد اهتمامه بهذا الإطار، وفرز له هيئة قيادية متفرغة ومحترفة وفتح أبواب الانتساب الى «السرايا» لرفع العدد من 30 الى 50 ألفاً، وشرع في التحضير لإخضاع المنتسبين الجدد والقدامى لدورات تدريب عسكري من طبيعة متقدمة.
ويتعمد الحزب تركيز وجود هذه «السرايا» في المناطق ذات الثقل السني كصيدا وطرابلس وبيروت، ما يعزز المخاوف والهواجس السنية من أخطار هذا التنظيم وما يشكله من عبء عسكري وأمني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق