سياسة لبنانية

التصعيد العوني المتدرج: حدوده وآفاقه

«سكون» العماد ميشال عون والتزامه الصمت السياسي منذ شهرين يوازيه «غليان سياسي» عند تكتله وتياره… العماد عون الذي أعطى مهلة زمنية لحسم الخيارات والقرارات وأولها تلك المتعلقة برئاسة الجمهورية، بدأ يطلق الإشارات السياسية المتتالية التي تفيد أنه ضاق ذرعاً بوضعية الانتظار، وأن الوقت المعطى لبت الملف الرئاسي قد استنفد، وأنه في صدد الانتقال الى «خطة ب» وعنوانها التصعيد المتدرج الذي يبدأ من تاريخ 28 أيلول، الموعد الجديد لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية، ويبلغ الذروة يوم 13 تشرين موعد الذكرى السنوية لإزاحته بالقوة من قصر بعبدا، والتي تشكل «رافعة تعبوية» شعبياً وسياسياً لتيار عون وأنصاره.
نجح العماد عون حتى الآن في «توقيف وتعليق» طاولة الحوار من خلال استفزاز بري. ونجح أيضاً في شل عمل الحكومة من خلال استدراج تأييد حزب الله وتضامنه معه. ولكنه من الآن فصاعداً يلوّح بـ «ورقة الشارع» التي سحبت من التداول والاستخدام منذ تسوية الدوحة ودونها محاذير ومخاطر… وإذا كان العماد عون يلعب ورقة الضغط الأقوى وتحت عنوان جديد هو «الميثاقية» مطلقاً «الخرطوشة الأخيرة» في جعبته ومحرجاً خصومه وحلفاءه على حد سواء… فإن هذه الاندفاعة يشبّهها كثيرون من خصومه بأنها أشبه بـ «حرب تحرير سياسية» هذه المرة. وإذا كانت حرب التحرير العسكرية انتهت بداية التسعينيات الى «اقتلاعه» من قصر بعبدا، فإن حرب التحرير السياسية ستنتهي الى إغلاق أبواب قصر بعبدا أمامه وجعل مسألة وصوله أكثر صعوبة وتعقيداً… هؤلاء الخصوم يسألون: ماذا يريد العماد عون والى أين يريد أن يصل في مغامرته الجديدة، ومن يضمن الا يكون الرد على طرح الميثاقية بطرح «التعددية»؟!
لا تبدو المؤشرات التي تصدر عن التيار الوطني الحر مشجعة حيال اعتماد مرونة كافية لستهيل المساعي الجارية للبحث عن مخرج للمأزق الحكومي. وفيما تتصاعد نبرة نواب التيار الوطني الحر ومسؤوليه في شأن شروط العودة الى مجلس الوزراء، يبدو أن الخطة التصعيدية التي يعتمدها التيار ستمضي متدرجة من الآن حتى موعد إحياء التيار ذكرى 13 تشرين الأول ما لم يطرأ جديد يضمن إنهاء مقاطعته للجلسات الحكومية وإعادة النظر في خطواته التصعيدية… وحول التصعيد العوني والمدى الذي يمكن أن يصل إليه، يمكن التوقف عند ما يأتي:
– على رغم محاولات الاحتواء التي قام بها حزب الله من خلال تضامنه مع التيار الوطني الحر بعدم حضور جلسة مجلس الوزراء أو الإيعاز الى النائب فرنجية بالتضامن معه أيضاً وعدم مشاركة وزيره في الجلسة، فإن التيار عازم على المضي في التصعيد رافعاً شعاره الدائم لتحركه والرامي الى تحصيل حقوق المسيحيين وحسن تمثيلهم ورفع المظلومية وتحقيق الميثاقية.
وبحسب الأوساط العونية، فالقرار بالتصعيد والمواجهة حتى الساعة لا رجوع عنه، ولن يتم تعديله ما لم يتم الحصول على أجوبة عن الهواجس المشروعة. وتكرار السيناريوهات الماضية بالانسحاب والتراجع تحت وطأة الهواجس الأمنية والضغوط السياسية أمر غير وارد في أجندة التيار. فرئيس التيار جبران باسيل وضع سقفاً للمواجهة الحالية، ومن غير المسموح أن يتحول الغياب عن الحكومة الى أمر عابر يمكن التأقلم معه.
والتحرك في الشارع بحسب هذه الأوساط ليس التحرك الأول على الأرض، وللتيار باع طويل في هذا المجال وليس عصيا على من تظاهر ضد الاحتلال السوري وظلم الأجهزة الأمنية في السابق أن ينظم تحركاً اعتراضياً على تهميشه في مجلس الوزراء وأداء الحكومة.
– الاستنفار المتعاظم لدى التيار الوطني الحر له أسباب عدة، وهو مرتبط بشكل أساسي بتطورات الملف الرئاسي. فالتيار، بحسب أوساط سياسية مطلعة، شعر مؤخراً أن الأبواب توصد أكثر فأكثر في وجهه وأنه بات عليه استخدام أوراق جديدة في معركة الرئاسة. فالأجواء لم تعد مطمئنة خصوصا بعد:
– فشل الرهان على إبعاد فرنجية عن المنافسة كمرشح أساسي مطروح.
– عدم نجاح مفاوضات التسوية مع الحريري (وإن كان ثمة من يرى أن الثاني لم يسقط من خياراته بعد إحداث انقلاب وتأييد عون سعياً واستعجالاً لتولي رئاسة الحكومة، خصوصاً أن مسؤولين ومقربين منه يمارسون دوراً ناشطاً في هذا الاتجاه).
– عودة فكرة الرئيس التوافقي الى التداول كمخرج لأزمة الفراغ الرئاسي الذي طال أمده، وبعدما وصل ترشيحاً فرنجية وعون الى حائط مسدود.
وتشير المصادر الى أن العونيين يطمحون الى رفع مستوى الشعارات التي تدغدغ مشاعر المسيحيين وتشد عصبهم من أجل تأمين أعلى نسبة مشاركة في الشارع، بما يتيح تأكيد نظرية التمثيل المسيحي الأعلى.
– قرار التيار بالاحتكام الى الشارع لا يلاقي رضى أو ترحيباً من أي من القوى السياسية، لا سيما الفريق المسيحي الذي يرى أن تحريك الشارع اليوم لن يؤدي إلا الى المزيد من شرذمة الصف، بما أن المسيحيين منقسمون حيال فكرة اللجوء الى الشارع أولاً، وحيال فكرة المطالبة بحقوق المسيحيين في ظل الظروف الدقيقة الراهنة وتزايد الكلام عن المؤتمر التأسيسي الذي يرمي الى إعادة النظر في التوزيع الطائفي للصلاحيات والمناصب (ينطلق معارضو هذا الطرح من مبدأ أن المؤتمر التأسيسي يجب أن يشكل خشية أكبر للطائفة السنية التي تواجه انتزاعاً لصلاحياتها في وجه المد الشيعي على الإدارة).
وحول موقف الحليف المسيحي الأبرز للتيار (أي القوات اللبنانية) تشير مصادر الى أن التحرك التصعيدي يتم في ظل حصر الدكتور سمير جعجع الميثاقية بقانون الانتخاب العادل لا بتوسيع عناوينها كما فعل الوزير باسيل.
وتشير معلومات الى أن النصيحة التي أسدتها القوات لعون بعدم اللجوء الى الشارع تحت عنوان الاعتراض على التمديد للقيادات العسكرية، لأنها ستكون خاسرة، إذا حصل التمديد للعماد قهوجي، ولأنها ستؤدي إلى تصنيف خطوة كهذه ضد المؤسسة العسكرية، قابلها استعداد قواتي للمشاركة باستنهاض الشارع والتظاهر، إذا كان تحت شعار إنهاء الفراغ الرئاسي بانتخاب الجنرال.
وإذ تنفي مصادر القوات ذلك مؤكدة أنها أبلغت العونيين أنها مستعدة للنزول إلى الشارع معهم تحت شعار إقرار قانون انتخاب عادل ينصف المسيحيين، وليس من أجل الرئاسة، أو التعيينات العسكرية، فإن مشاركة القوات المحتملة في الشارع أثارت حفيظة الكثيرين، حتى لو اقتصرت على مسألة قانون الانتخاب، لأن الأمور ستختلط مع الرئاسة، وأن جعجع سيوجه هذه الخطوة ضد حزب الله. كما أنها أثارت رئيس تيار «المردة» سليمان فرنجية الذي من الطبيعي أن يخشى من حراك مسيحي يجعل عون يتقدم على ترشيحه مجدداً.
– تضع مصادر مراقبة «العقدة العونية» الحكومية في ملعب حزب الله، موضحة أن الحزب معني أكثر من غيره بحل هذه العقدة قبل موعد الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء لمنع تمدد الفراغ الى المراكز العسكرية. غير أن المصادر تلفت إلى حساسية الوضع وصعوبة المهمة الملقاة على عاتق الحزب خصوصاً بعد المعادلة التي وضعها عون أمام قيادة الحزب والتي تقوم على الربط بين التحالف السياسي والحكومي في هذه المرحلة، سيما وأن عون نجح بالفعل في فرض تضامن الحزب معه في مقاطعة الجلسة الحكومية الأخيرة حين أرسل رسالة إلى أمين عام الحزب السيد حسن نصرالله عشية الجلسة يقول له فيها: «الوضع الداخلي في التيار متأزم بسبب تحالفي معكم وعدم التزامكم معي، أقدّر ظروفكم لكن عليكم أيضاً أن تقدروا ظروفي.. ما بقى فيي كمّل هيك».
وتتحدث معلومات عن أن مناخاً يتنامى داخل التيار وجمهوره بأن حزب الله لو أراد لاستطاع تذليل العقبات من أمام امتناع بري عن تأييد عون، والضغط على فرنجية كي ينسحب لمصلحته، وبعض هذا المناخ أخذ يردد أن الحزب يرهن الرئاسة في لبنان بالوضع الإقليمي غير آبه بمصلحة المسيحيين.
في المقابل، تقول مصادر مطلعة على موقف حزب الله، إن الحزب يؤكد لعون انه مرشحه للرئاسة ويدعمه حتى النهاية، ولكنه يسجل عليه أنه في ما حصل لا يأخذ في الاعتبار قضايا تهم الحزب جداً، ويحذره من أنه إذا استمر في تصرفه الخاطىء إزاءها فإن ذلك سيشكل تمادياً فاضحاً في إحراجه. وأبرز هذه القضايا:
– أولاً: الحكومة، ينظر إليها حزب الله على أنها تشكل الحاجة الأساسية التي تمكّن اللبنانيين من التفاعل معها، فإذا سقطت سيكونون ملزمين بالتعاطي مع القوة السياسية الأكثر فعالية، وهي الحزب نفسه، وقد يذهبون الى تحميله المسؤولية عن عدم وجود أي مؤسسة دستورية قيد العمل. ولذلك لا يريد الحزب للحكومة أن تسقط ويرغب من عون أن يراعي في موقفه عدم تعطيل الحكومة.
– ثانياً: المجلس النيابي معطّل، ولكن في إطاره هناك طاولة الحوار بين رؤساء الكتل النيابية التي يرعاها الرئيس نبيه بري، ويريد الحزب من عون الا يتصرف وكأنه يحاول أن يسلب من بري، حليف حزب الله، طاولة الحوار التي يرعاها، ويجب أن تستمر مهما كلف الأمر.
أما بشأن المدى الذي يمكن أن يصل إليه التصعيد العوني، فتشير المصادر المراقبة الى أنه رهن بموقف الحريري وما سيحمله معه عقب إجازته الصيفية، كما هو رهن بنتائج الاتصالات التي بدأها حزب الله لمعالجة التأزم وتدوير الزوايا، علماً أن ثمة من يرى أن الظروف السياسية الراهنة لا تسمح بالاحتكام الى تجربة الشارع، وأن جل ما يمكن أن يسمح للعونيين بفعله هو تنفيس الاحتقان كما حصل العام الماضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق