صحة

واقع السكري قاتم والرد حاسم: وقاية توعية مواجهة…

كوبنهاغن- نوال نصر

حين يلتئم الشمل تحت مظلة «الوعي» يسري الشعور بأن الآتي أفضل، لكن حين نعود ونقرأ في أرقام وتوقعات إنتشار السكري في العقود المقبلة يزيد الخوف من أن يكون «فرط السكر» تسونامي الأيام الآتية! نستسلم؟ نتراخى؟ نقرأ في الأرقام ونقلب الصفحة وكأننا ما قرأنا ولا عرفنا؟
المسألة تحتاج الى قرار والقرار اتخذ في كوبنهاغن، في مؤتمر «نوفو نورديسك» العالمي الذي عُقد في العاصمة الدانماركية منطلقاً من ثلاث دعائم: المواجهة والتوعية والوقاية!


إذا كان المثقفون يأتون لحل المشاكل بعد وقوعها فإن العباقرة يسعون لمنعها قبل أن تبدأ. ولكم أن تختاروا بين الثقافة والعبقرية! هناك، في كوبنهاغن، إختارت «نوفو نورديسك» الخيار الثاني من أجل الحدّ من اتساع رقعة مشكلة تزايد أعداد السكريين في العالم قبل أن تقع. فماذا في التفاصيل التي تستحق أن تُقرأ بإمعان؟
من يعاني من السكر في الدم يموت قبل ثماني سنوات من سواه! معلومة مقلقة! وهناك مئة مليون إنسان في الهند وحدها يعانون من السكر في الدم. والتوقعات العالمية تشير الى ارتفاع داء السكري في العالم من 415 مليون اليوم الى 642 مليوناً مع حلول سنة 2040! توقعات تثير فينا كثير من القلق قبل أن يقف من يقسم بالمواجهة. فالعالم الذي يواجه الأصوليات والحقد والكراهية عليه أن يواجه دمار السكري الشامل الذي لن يفرق بين الأديان والطبقات والجنسيات وحتى الأعمار. نبالغ؟ من سمع الرئيس المنتخب للاتحاد الدولي للسكري الدكتور شوكت ساديكوت يستعرض الوقائع قبل أن يغوص في الاستراتيجيات، تأكد جدوى التئام العالم في مواجهة داء السكري.
 
415 مليون مصاب بالسكري في العالم في 2016
ماذا قال رئيس الاتحاد الدولي للسكري الدكتور شوكت ساديكوت؟
الدكتور ساديكوت الآتي من بلاد الهند التي تُعد مضاعفات السكري فيها السبب الأول للإصابة بالعمى، دعا الى النزول من الأبراج الوهمية من أجل العمل على إيجاد حلول واقعية وتطرق الى الأرقام: توقعنا في 2004 أن يصبح عدد المصابين بالسكري في العالم في 2020 نحو 360 مليوناً وها قد أصبح الرقم في 2016، أي قبل أربع سنوات من التاريخ المرتقب، 415 مليونا! والتوقعات تشير الى ارتفاعه في 2040 الى 642 مليوناً! الوقائع إذا تتجاوز التوقعات وهذا ما يوجب العمل ثم العمل ثم العمل.
ليس هذا طبعاً كل شيء، ففي 2011 كان يموت شخص واحد كل سبع ثوان بسبب مضاعفات السكري. وها قد مات في 2015 شخص واحد كل ست ثوان! ويفقد كل 20 ثانية شخص أحد أطرافه في هذا العالم بسبب مضاعفات السكري! الخطر إذا يزداد. الأرقام تتصاعد. المضاعفات تزيد والصراخ بصوتٍ أعلى بات واجباً.
وماذا لو لم ينفع الصراخ؟ ماذا لو لم ينفع أي حلّ؟
يجيب الدكتور ساديكوت مستندا الى مقولة أينشتاين: هناك أشياء سيئة تحصل في العالم ليس لأنها سيئة فقط بل لأنه ليس هناك عدد كاف من الناس الطيبين الذين يعملون على ايجاد الحلول. الأمر بالتالي ليس سهلا لكن البحث عن الحلول يبقى واجبا والتئام جمع من كل العالم تحت مظلة «نوفو نورديسك» نقطة مضيئة. ويستطرد: كان يقول المهاتما غاندي لوالدي: قبل أن تفكروا بشيء، بأي شيء، عليكم التفكير بالناس الأشد فقراً. عليكم ايجاد الدواء المناسب لهم بسعر زهيد. وعليكم إرشادهم وتوعيتهم وحثهم على فهم السكري أكثر.

The world needs more
هل يتوافر الدواء الى كل البشر؟ هل هو متاح الى شعوب العالم الثالث إسوة بشعوب العالم الأول؟
الجواب أتى على لسان لارس ريبيان سورينسن، الرئيس التنفيذي لشركة نوفو نورديسك، الذي تُوّج أول على قائمة أفضل المدراء التنفيذيين في العالم فقال: الأنسولين معناه بث الأمل بين الناس، وتعزيز هذا الأمل بين المصابين بالسكري يكون بمنحهم فرصة التعايش مع الداء بأقل مضاعفات ممكنة. يضيف: «إنتاج الأنسولين يزيد ونحن نؤمنه الى 26،800 مليون مصاب لكن الطلب في المقابل يزيد أيضا ويزيد. العالم يحتاج لاكثر حتماً، لكن كل ما يمكننا أن نفعله سنفعله. وفي هذا الإطار عمدنا الى إنتاج الأنسولين عبر التخمير بدل الأنسولين الحيواني في سبيل سد الحاجيات. وكلنا يعلم أن الكبد هو مخزن السكر وحين نأخذ الأنسولين يتحول السكر الى طاقة تصل الى العضلات، ومن أجل ان نتخلص من السكر في الدم يعطي الكبد إشارات ليتوقف إفراز الأنسولين غير أن من يعانون من السكري يواجهون خللا في هذه الميكانيكية الطبيعية وواجبنا إيجاد البديل لهم».

في زيارة أكبر مصنع أنسولين في العالم!
ما رأيكم لو نتوجه في زيارة الى معمل تصنيع الأنسولين في ضواحي كوبنهاغن لنتعرف عن كثب على طبيعة الإنتاج؟
نصل الى معمل نوفو نورديسك المتمدد على مساحة مليون متر مربع وهو أكبر مصنع لإنتاج الأنسولين في العالم حيث أن كل مصانع الانتاج الأخرى في العالم تُصنّع مجتمعة ما يُصنعه هذا المعمل وحده. يعمل هنا 3400 شخص ونصف أنسولين العالم يُصدّر من هنا. وفي العام 1975 تمّ انتاج اول شحنة أنسولين فيه وذلك عبر البنكرياس الحيواني. وفي أوائل الثمانينيات بدأ انتاج الأنسولين من الخميرة. ويتجاوز حجم الانتاج هنا مبلغ مليون كرونة دنماركية (وكل يورو يعادل 7،46 كرونة فاحسبوا المبلغ).
نرتدي اللباس الأبيض. نخلع أحذيتنا. نغسل أيدينا جيداً بسائل يمنع انتقال العدوى. نترك كل أغراضنا خارجاً ونعبر الى أكبر معمل أنسولين في العالم. الأوعية ضخمة والأيادي لا تتداخل مع المحتوى في اي مرحلة من المراحل التي تتلاقى مع بعضها البعض في نقاط محددة قبل ان تنتقل الى المراحل المتقدمة وتعبأ في أقلام مخصصة لمرضى السكري وكل منتج من 15 مكوّناً بلاستيكياً.
في كل حال، عملية التصنيع من ثلاث مراحل: مرحلة التخمير لاستخراج الأنسولين، مرحلة الإنتاج ومرحلة التعبئة وتصنيع الأقلام. وهناك، عند المدخل، جهاز كبير لغسل وتعقيم العبوات من خلال ضخ الهواء على أن يجري إدخال العبوات الى جهاز آخر للتجفيف في درجة حرارة 325 درجة مئوية وحين تنشف تماما يتم ملؤها بالأنسولين. ويُصار الى نقل الأنسولين المعبأ في درجة حرارة تنقص عن ثماني درجات مئوية وهكذا دواليك في رحلة أوتوماتيكية طويلة.

500 قلم أنسولين كل ساعة
ننتقل من مكان الى مكان. نصغي الى هدير الآلات الضخمة. نحاول أن نسترق النظر الى داخل بعض الحاويات. نحاول أن نلتقط بأعيننا كل شيء، كل كل شيء، ونحن نسير في أضخم معمل أنسولين في العالم يعمل ليل نهار، سبعة أيام في الأسبوع، وينتج 500 قلم أنسولين كل ساعة.
طواحين الهواء كثيرة في الجوار وهي التي باتت تؤمن الطاقة الكهربائية الى مصنع الأنسولين بعدما تعهدت نوفو نورديسك بالعمل على تخفيض الانبعاثات الكربونية في البيئة ووجدت ان تلك الطواحين هي البدائل الأفضل عن استخدام الطاقة الكهربائية التقليدية. وهذه الفكرة عممت على سائر مصانع الشركة في الدنمارك.
وماذا بعد؟
نخرج من معمل الأنسولين. نخلع الثياب البيضاء. نرتدي أحذيتنا. ونغادر الى الطبيعة المحيطة التي تُحترم هناك أكثر بكثير مما يُحترم الإنسان في عالمنا الثالث لكن يبقى الأمل أن يجد هذا الإنسان، إنساننا، من يُفكر به خصوصاً إذا كان نسبة الحلاوة في جسمه قد ارتفعت وبات «سكرياً»!
نريد عالما آمناً من السكري ومن مضاعفات السكري؟
السعي قائم لكن الى حين يسود الوعي أكثر بأهمية الوقاية لا بُدّ من أن يهتم العالم أكثر بضرورة تأمين العلاج الى كل من يحتاج الى علاج لهذا فكرت صاحبة أكبر مصنع أنسولين في العالم ضمن سياسة الرعاية الصحية التي تنتهجها في افتتاح معمل في ايران حيث يعاني أكثر من خمسة ملايين إنسان من السكري وتعزيز صناعة الأنسولين في مصر حيث يعاني من الداء أكثر من 7 ملايين و500 ألف إنسان أي ما يعادل نحو 17 في المئة من سكان جمهورية مصر العربية.
ماذا عن لبنان؟
الأرقام ليست أفضل بكثير حيث يعاني من الداء نحو 13 في المئة من اللبنانيين والى هؤلاء والى كل مصاب وسيلة سهلة للتعرف على إمكانية الإصابة بالسكري يعطيها رئيس الاتحاد الدولي للسكري الدكتور شوكت ساديكوت: أمسكوا ماسورة وقيسوا محيط الوسط فإذا زاد زادت فرصة إصابتهم. ثمة نصيحة وقائية أخرى، أشتروا أحذيتكم مساء لا صباحاً لأن أقدامكم تكون قد انتفخت وتورمت بدل أن تشتروها صباحاً وتضطروا الى المعاناة من ضيقها، خلال النهار. وهكذا تحمونها من مضاعفات السكري.
وماذا بعد؟
يقولون في اللهجة المصرية عمن هو جميل وناعم «زي السكر»، أما «السكري» في مصر وبيروت والهند وإيران والدنمارك وكل العالم فعليه أن يعرف كيف يتعايش مع الداء كي لا تفقد حياته حلاوتها، أما البقية الباقية، ممن يحدق بهم خطر الإصابة، فعليهم أن يتعلموا سبل الوقاية كي يبقى السكر في حياتهم حلواً!
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق