سياسة لبنانية

الحزب والتيار الوطني الحر: سوء تفاهم وخلافات تكتيكية

توجّه رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل الى الجنوب لتفقد القرى المسيحية الحدودية وتدشين مشاريع إنمائية ومكاتب حزبية، ولكن أيضاً لإطلاق مواقف «سياسية تذكيرية» وتأكيد ثبات موقف التيار مع المقاومة ضد عدو لبنان الأول إسرائيل، وأن سياسة المواجهة مع إسرائيل هي التي تحمي المواطن الجنوبي وسياسة التفاهم مع حزب الله هي السياسة التي تحمينا وتحمي شعبنا اللبناني، منوّها بدور حزب الله في محاربة الإرهاب قائلاً: «هناك لبنانيون يموتون في مواجهة الإرهاب، ونحن بدل أن نعمل على تقوية جبهتنا الداخلية عبر المساواة لم نزل نحرم بعضنا حق الوجود»… بالتزامن، كان نواب حزب الله يصعدون الحملة والضغوط على تيار المستقبل والرئيس سعد الحريري محملين إياه مسؤولية استمرار الأزمة الرئاسية بسبب تردده وتأخره في دعم خيار عون، ومؤكدين التزام حزب الله الثابت والنهائي بالعماد عون، وأنه لن يكون رئيس آخر سواه…
في الواقع، يبذل حزب الله والتيار الوطني الحر جهوداً مركزة لمعالجة الخلل المتعاظم في أجواء ومسار العلاقة بينهما بعدما تجاوز الأمر حدود العتب وتبادل المآخذ الى «تبادل الانتقادات واهتزاز علاقة الثقة الوطيدة». وفي معرض هذا السجال يعترف الطرفان بوجود وضع غير سليم بينهما ولكنهما يتنصلان من مسؤوليته ويلقيان باللائمة والمسؤولية على جهات ثالثة: أوساط عون تتحدث عن دور سلبي يمارسه الرئيس نبيه بري في استفزاز عون والتخريب على علاقته مع حزب الله الذي تتحدث أوساطه عن دور سلبي لرئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع في تحريض العونيين على حزب الله وزرع الشكوك في أذهانهم لزرع الشقاق في العلاقة بين التيار والحزب…
ولكن ما هو حاصل أن العلاقة بين الطرفين تعاني من سوء تفاهم، وأن التباينات ظهرت على السطح وخرجت الى العلن ولو ظلت تصنّف بتباينات تكتيكية تحت سقف العلاقة التي توصف بـ «الاستراتيجية»… فالتيار الوطني الحر لا يشكك في تأييد حزب الله للعماد عون ولكنه يرى أن الوقت حان لكي يغيّر حزب الله من تكتيكه وأسلوبه في إدارة معركة الرئاسة بزيادة حجم الضغوط على الحلفاء (بري وفرنجية) وكمية الحوافز للرئيس سعد الحريري لتشجيعه على انتخاب عون… وإذا كان السيد حسن نصرالله عمل على مجاراة عون في هذا المطلب وأبدى انفتاحاً على معادلة «عون لرئاسة الجمهورية والحريري لرئاسة الحكومة»، فإنه لم يعمل حتى الآن على لجم وضبط حركة بري الذي يشجع الحريري على عدم تأييد عون ويتسبب بإفشال الحوار بينهما.
العتب العوني على حزب الله يطاول أيضاً في هذه المرحلة الموقف المضاد في موضوع قيادة الجيش للمرة الثالثة واستمرار هذا الموقف رغم انتفاء المصلحة الشخصية لعون بخروج العميد روكز من دائرة المنافسة، ويطاول أيضاً التضامن غير المتماسك في الموقف من الحكومة والضغط عليها من خلال مقاطعة جلساتها. فقد كان عون ينتظر ويتوقع أن يقاطع حزب الله جلسة الخميس ويوجه رسالة قوية الى بري وسلام تكون كافية لمعالجة المشكلة، أوعلى الأقل مراضاته ومحاورته بدل تجاهله وتجاوزه وكأن شيئا لم يكن.
ولكن لحزب الله حسابات أوسع وأشمل من ضمن رؤيته لمجمل الوضع في المنطقة، وهو يضبط ساعته اللبنانية على «التوقيت السوري». الحزب مطمئن لعلاقة استراتيجية ثابتة مع العماد عون ويحصر الخلاف معه في التوقيت والأسلوب: «فمن ناحية، يرى أن عنوان المعركة الجانبية والفرعية التي فتحت هو عنوان خاطىء سواء في طرح مسألة تعيين قائد جديد للجيش وعدم التمديد للعماد قهوجي، أو في تهديد استقرار الحكومة وإنتاجيتها، ذلك أن حزب الله راضٍ جداً عن مستوى التعاون مع الجيش اللبناني في محاربة الإرهاب، ويقدّر دور العماد قهوجي وجهوده… كما أنه، وإن كان غير راضٍ عن أداء الحكومة ورئيسها، إلا أنه يتمسك بها لأن لا خيار بديل منها في هذه المرحلة، وطالما الفراغ الرئاسي قائم. والبديل هو الفوضى وانهيار الاستقرار العام، السياسي والاقتصادي والأمني…».
بالنسبة الى حزب الله المعركة هي في سوريا وليست في لبنان ومستقبل سوريا هو الذي يحدد مستقبل لبنان، وبالتالي لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. والأولوية ليست للملف اللبناني وتفاصيله ومناكفاته… وفي تقديراته أن الوقت الآن ليس الوقت المناسب لتصعيد الموقف في لبنان والانتقال الى المواجهة في ظل هذا الوضع الانتقالي والمتحوّل على صعيد المنطقة وأزماتها، وعلى صعيد السياسة والإدارة الأميركية مع دخول الولايات المتحدة في فلك الانتخابات الرئاسية… وبالتالي لا مصلحة حالياً في إثارة مناخ مواجهة في لبنان، لا بل المصلحة في تثبيت الهدنة الى حين انقشاع الرؤية وحسم الخيارات في المنطقة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق