سياسة لبنانية

ما هو موقف حزب الله في الملف الرئاسي: هل يريد عون؟! هل يريد رئيساً؟!

منذ اليوم الأول للشغور الرئاسي، حدد حزب الله خياره وقراره: العماد ميشال عون. أكد على هذا الموقف تكراراً وأكثر المرات على لسان أمينه العام السيد حسن نصرالله. فطالما أن عون مرشح للرئاسة ومستمر في ترشيحه، فإن حزب الله مستمر في تأييده وليس هناك من مرشح آخر بديل عنه أو منافس له. وهذا التزام سياسي وأخلاقي وهذا قرار ثابت لا تعديل فيه ولا رجعة الى الوراء، اتخذ لأسباب عدة أبرزها:
– التحالف القائم بين حزب الله والعماد عون والذي ظل ثابتاً وصامداً منذ شباط 2006 رغم كل المتغيّرات والضغوط وقطع كل الاختبارات وأولها حرب تموز 2006.
– خيار رئاسي مبرر واقعياً: عون هو الزعيم المسيحي الأول استناداً الى تمثيله الشعبي وحجمه النيابي… ووصوله الى رئاسة الجمهورية جزء أساسي في عملية استعادة التوازن في الدولة ورد الاعتبار للوزن المسيحي في الدولة في سياق التأكيد على أهمية العامل المسيحي، خصوصاً في ظل الصراع الشيعي ـ السني، وعلى أهمية موقع رئاسة الجمهورية في معادلة الحكم.
– الالتزام الأخلاقي بالعماد عون من جانب حزب الله، وهذا التزام شخصي بالدرجة الأولى بغض النظر عن اعتبارات وحسابات سياسية، بمعنى أنه التزام السيد حسن نصرالله شخصياً وأيضاً التزام بشخص عون دون غيره، أي أن عون لا يمكنه أن يجيّر هذا الدعم الى مرشح آخر، وأن حزب الله يصبح في حل من التزامه إذا قرر عون الانسحاب من السباق الرئاسي والتخلي عن ترشيحه…
رغم هذا الموقف الواضح والمصحوب بتأكيدات متكررة، ما زال الموقف الرئاسي لحزب الله موضع «شك وشبهة»: هل يريد عون فعلاً رئيساً للجمهورية؟!
أصحاب هذه الشكوك ينطلقون من واقع أن حزب الله تحدث كثيراً عن دعمه لترشيح عون ولكنه لم يقم بأي خطوة عملية في اتجاه انتخابه وإيصاله الى قصر بعبدا. قبل ترشيح فرنجية عندما كان فريق 8 آذار ما زال متماسكاً لم يبذل حزب الله أي جهد باتجاه «إقناع» جنبلاط صاحب الصوت المرجح… وبعد ترشيح فرنجية من جانب الحريري، لم يبذل حزب الله أي جهد لإقناع فرنجية بالانسحاب أو لإقناع بري بتغيير رأيه ولتشجيع الحريري للسير بـ «عون»…
بدا حزب الله متمسكاً بـ «ترشيح عون» أكثر منه ساعياً الى «انتخاب عون». ربما لأنه متمسك بـ «عون الحليف» ولا يهمه كثيراً «عون الرئيس»… حزب الله حريص على عون والتحالف معه ولا يريد أن يخسره إن هو أخطأ معه في موضوع الرئاسة التي قرر عون هذه المرة خوضها حتى النهاية وعدم تكرار تجربة عام 2008 وعدم التنازل لمصلحة أحد… ولذلك فإن حزب الله لا «يطلع» من عون إلا إذا قرر عون أن يطلع من موضوع الرئاسة، وليس وارداً عنده التخلي عن عون في مطلق الأحوال إلا إذا قرر عون أن يتخلى عن نفسه…
«عون الحليف» مهم جداً لحزب الله وأساسي في حساباته، والتحالف معه يرقى الى مرتبة تحالف استراتيجي… ولكن «عون الرئيس» ليس مضموناً في سياسته وخياراته والعلاقة معه سيطرأ عليها تغيير بحكم انتقال الرئيس عون من موقع الطرف والفريق الى دور الجامع والوسيط آخذاً مسافة واحدة من الجميع ومقدماً «مشروع الدولة» على ما عداه…
حزب الله متمسك بترشيح عون مع معرفته الأكيدة بأن وصوله الى  الرئاسة أمر صعب ومتعذر لأسباب عدة منها ما هو خفي ولا يصدقه كثيرون ويتعلق بموقف الرئيس بري الذي لا يريد عون رئيساً ولا يمون عليه حزب الله في هذا الموضوع… ومنها ما هو معلن ولا يصدقه البعض وهو أن عون حريص على أن يحصل على الصوت السني، أي تأييد الرئيس الحريري وكتلته، وهذا التأييد لم يحصل ولا مؤشرات الى حصوله في وقت قريب.
سواء كان حزب الله لا يريد عون رئيساً أو يريد ولا يقدر على إيصاله الى الرئاسة الأولى، يظل متمسكاً بترشيح عون لأنه ليس فقط كي لا يخسره وإنما أيضاً، وهذا ما يعتقده البعض، لا يريد رئيساً في هذه المرحلة وحتى إشعار آخر، وعون هو العائق الوحيد الذي يمكن أن يجمد ويؤجل انتخابات الرئاسة، والسد الوحيد الذي يرتفع في وجه إجراء هذه الانتخابات، وبالتالي فإن «ترشيح عون» ورقة يلعبها حزب الله ليس لصرفها رئاسياً وإنما لتعطيل انتخابات الرئاسة والحؤول دون وصول رئيس لا يتناسب مع شروطه ومصالحه وظروفه.
الاعتقاد الذي يزداد رسوخا مع الأيام أن حزب الله لا يريد عون رئيساً للجمهورية، وحتى أنه لا يريد رئيساً في هذه المرحلة ولا يضيره استمرار الفراغ الرئاسي… وهذا الموقف مرده الى الأسباب الاتية:
1- حزب الله لديه حالة عدم اليقين ازاء «عون الرئيس» ليس فقط لأسباب سياسية تتعلق بوجهة خياراته مستقبلاً، وإنما لأسباب شخصية (تقدمه في السن) وعائلية (التجاذبات بين أفرد عائلته)، إضافة الى أن الوزير جبران باسيل سيكون هو بمثابة «الرئيس الفعلي» نظراً لحجم تأثيره ونفوذه عند عون.
2- حزب الله منزعج من تحالف عون مع جعجع. وهذا التحالف عنوانه رئاسي ولكن مفاعيله تمتد الى ما بعد الرئاسة. وفي حال انتخب عون رئيساً للجمهورية سيكون جعجع الشريك المسيحي الأساسي له وستنشأ ثنائية مسيحية متماسكة وتوازن جديد في الحكم. وبالنسبة الى حزب الله بقدر ما يقترب عون من معراب يبتعد عن بعبدا…
3- حزب الله لا يريد سعد الحريري رئيساً للحكومة في هذه المرحلة، وإذا كان انتخاب عون «ثمنه ومقابله» عودة الحريري الى رئاسة الحكومة، فإن المسألة فيها نظر ومراجعة حسابات… المسألة ليست عند حزب الله مسألة وصول عون بقدر ما هي مسألة عودة الحريري التي لا يريدها إلا من ضمن شروطه ومواصفاته حتى لا تكون مكسباً للسعودية وهي بعد في عز أزمتها وصراعها مع إيران…
4- حزب الله يربط الوضع في لبنان بالأزمة والحرب في سوريا… مستقبل سوريا هو الذي يحدد مستقبل لبنان، والتسوية في سوريا هي التي تحدد مواصفات الرئيس اللبناني والعهد الجديد.
نسبة الشكوك في موقف حزب الله ارتفعت في الأشهر الأخيرة وتحديداً منذ دخول فرنجية حلبة السباق الرئاسي… فحزب الله لم يعد لديه من عذر أو مبرر لعدم حصول انتخابات رئاسية بعدما انحصر الخيار بين مرشحين من فريقه وبين حليفين أساسيين له… وفي الواقع، حزب الله وصل الى أفضل وضع يمكن له أن يصل في الاستحقاق الرئاسي وربح المعركة وحسمها لمصلحته. ولكن هذا الوصف صحيح نظرياً، أما عملياً فإن حزب الله واجه بسبب ترشيح فرنجية إحراجاً: من جهة وضع في مفاضلة صعبة بين خيارين وحليفين لا يريد أن يخسر اياً منهما… ومن جهة ثانية استقرت كرة الرئاسة في ملعبه مع وجود «حليفين» مرشحين، وبالتالي كرة تعطيل الانتخابات… ومن جهة ثالثة حشر بموضوع سعد الحريري رئيساً للحكومة المقبلة…
حزب الله متهم بأنه يعطل انتخاب رئيس للجمهورية… ولكنه منذ فترة نجح في أن يرد عنه هذه التهمة والى حد كبير عندما نجح في تصوير أن رئاسة الجمهورية دارت دورة كاملة واستقرت عند واقع أن العماد عون بات الخيار الرئاسي الوحيد، وأن الرئيس سعد الحريري هو الذي يحول دون انتخاب عون طالما هو ممتنع ومحجم عن تأييد انتخابه لأسباب عدة أبرزها أنه مقيّد بالموقف السعودي ولا يستطيع إلا مراعاته وأخذه في الاعتبار في فترة إعادة بناء علاقته مع المملكة وقيادتها الجديدة. ولكن ماذا لو قرر الحريري السير بانتخاب عون، ماذا يفعل حزب الله في هذه الحال؟!
استناداً الى أجواء الرابية، العماد عون متيّقن من أمرين:
– إذا قرر الحريري السير بانتخابه رئيساً، بالتصويت له أو بالحضور وعدم لعب ورقة تعطيل النصاب، فإن حزب الله سيحضر جلسة الانتخاب من دون تردد لتحقيق الهدف الذي أعلنه منذ سنتين…
– إذا انتخب هو رئيساً للجمهورية، فإن الحريري سيكون رئيساً للحكومة، وحزب الله لا يمانع في قيام هذه المعادلة وهذا التوازن الجديد في الحكم الذي يكمله بقاء بري في رئاسة المجلس النيابي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق