سياسة لبنانية

احتمالات – خيارات المرحلة المقبلة: الرئيس أولاً ام الانتخابات النيابية ام التمديد

الوقت يمر والهامش يضيق… من حيث المبدأ. الفسحة الزمنية المتاحة أو المتبقية لانتخاب رئيس للجمهورية تمتد حتى نهاية العام الجاري. فإذا لم يحصل الانتخاب الرئاسي، تُفتح صفحة الانتخابات النيابية المحكومة بمهل زمنية وعملية تحضير وتجهيز سياسية واسعة للتحالفات والترشيحات واللوائح وعملية تعبئة شعبية وإعلامية… ومن حيث المبدأ أيضاً، حزب الله، مع حلفائه، تجاوز انتخابات رئاسة الجمهورية وعينه على الانتخابات النيابية وعلى أساس قانون جديد يقوم على «النسبية»، فيما تيار المستقبل، مع حلفائه، لم يغادر مربع الرئاسة ويطرح انتخاب الرئيس أولاً كمدخل إجباري الى الانتخابات النيابية…
إذا أصر «المستقبل» على معادلة «الرئيس أولاً» ليس أمامه خيارات كثيرة. وفي الواقع، ليس أمامه إلا خيار واحد هو السير بمشروع انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية طالما أن المعادلة التي تحكم الوضع ما زالت هي هي منذ سنتين ونيف: عون رئيساً… أو الفراغ.
إذا كان حزب الله يعمل ويتحرك ضمن هذه المعادلة وأخذ خياره وحدد مرشحه الرئاسي وينتظر قرار الرئيس سعد الحريري لانتخاب عون وإلا الانتقال الى الانتخابات النيابية… فإن الكرة استقرت في ملعب «المستقبل» الذي عليه أن يقرر إما أن «يمشي» برئاسة عون أو أن «يمشي» الى انتخابات نيابية في ظل فراغ رئاسي. وكلا الخياران ينطويان على صعوبات ومخاطر.
فإذا قرر تيار المستقبل أن الأهم و«الأبدى» هو انتخاب الرئيس يعني أنه قرر تأييد عون. وهذا قرار صعب وينطوي على مغامرة سياسية إذا لم تقابله ضمانات وتفاهمات مع حزب الله بالدرجة الأولى ومع عون ثانياً، أو إذا أصر حزب الله على أن يكون انتخاب عون بشروطه (أي شروط الحزب)، أو على الأقل من دون شروط وتكون موافقة الحريري على انتخابه موافقة غير مشروطة…
أما إذا ارتأى المستقبل أن يضع رئاسة الجمهورية جانباً نظراً لكلفتها العالية ونتائجها غير المضمونة، والانتقال الى الانتخابات النيابية، فإن هذا الخيار تترتب عليه مخاطر ولا يخلو الأمر من مغامرة سياسية لسببين:
الأول أن تيار المستقبل لا يخوض الانتخابات وهو في أفضل حال، وواثق من أنه قادر على الاحتفاظ بقوته النيابية الضاربة. فقد كانت الانتخابات البلدية بمثابة إنذار مبكر وكشفت عن ثغرات وخلل في وضعه التنظيمي وماكينته الانتخابية، وعن تراجع في شعبيته. والمهلة الزمنية الفاصلة بين الانتخابات البلدية والنيابية لا تكفي لترميم أوضاعه واستعادة كامل عافيته ولياقته السياسية والشعبية، واحتواء أزمته المالية… فإذا أفضت هذه الانتخابات عن تعددية مستجدة على الساحة السنية وعن مراكز قوى واستقطاب منافسة، فإن عودة الحريري الى رئاسة الحكومة لا تعود مضمونة ومؤكدة، وإذا عاد فإنه يعود ضعيفاً وسيكون مضطراً لتقديم تنازلات وتسهيلات لقاء بقائه واستمراره…
الثاني أن انتخاب برلمان جديد في ظل عدم وجود رئيس للجمهورية يعني خطر الدخول في المحظور، في الفراغ الشامل على مستوى السلطة التنفيذية، إذ إن الحكومة تصبح حكماً مستقيلة بعد انتخاب مجلس نيابي جديد، ولا يمكن تشكيل حكومة جديدة…
الجانب الآخر من الصورة هو المجلس المنتخب المتمتع بشرعية شعبية، بحيث يصبح رئيس المجلس الجديد، المفترض أنه الرئيس نبيه بري، هو سيد اللعبة من دون منازع ومن دون قيود، ويصبح هو العنوان والمرجع في التعاطي الدولي مع لبنان.
وهذا المسار المتأزم بما يعنيه من أزمة حكم ونظام يوصل الى إعادة بحث ومراجعة في اتفاق الطائف ويدفع باتجاه مؤتمر تأسيسي لإعادة تأسيس النظام بما يتوافق مع الحقائق السياسية والاستراتيجية الجديدة وموازين القوى في لبنان والمنطقة…
حلفاء المستقبل من القوى المسيحية يلفتون الحريري الى محاذير الذهاب الى انتخابات نيابية في ظل المعطيات والأوضاع الحالية والفراغ الرئاسي… فإذا أخذ الحريري بهذه النصائح والتحذيرات وقرر عدم الذهاب الى انتخابات نيابية، وفي الوقت عينه عدم تأييد انتخاب عون رئيسا، لا يعود أمامه إلا خياران:
الأول هو الدفع باتجاه انتخاب رئيس ثالث، غير عون وفرنجية، وإقناع من يعنيهم الأمر، وخصوصاً حزب الله، أن هذين الخيارين قد استنفدا وأن أحدهما معطل للآخر، وأن الذهاب الى التسوية والسلة المتكاملة يفترض أن يكون الرئيس التوافقي جزءاً منها…
الثاني هو الدفع باتجاه التمديد للمجلس النيابي الحالي، وبالتالي استمرار الستاتيكو القائم منذ أيار (مايو) 2014 مع «حكومة سلام» ومن دون رئيس للجمهورية ومع مجلس نيابي ممدد له… ذلك أن الظروف الإقليمية والداخلية التي أوجدت هذا الواقع ما زالت قائمة. فإذا تعذر انتخاب الرئيس، وإذا تعذر الاتفاق على قانون جديد للانتخابات، يصبح التمديد للمجلس النيابي أمراً واقعاً ومبرراً، ويصبح إجراء الانتخابات على أساس قانون الستين بمثابة «تمديد مقنّع ومموّه»…
السؤال: هل يرضى «الثنائي الشيعي» بالتمديد؟! هل يجاري بري الحريري مرة ثانية إذا هدد بمقاطعة الانتخابات، وبالتالي يفضل التمديد على السير بانتخابات غير ميثاقية؟! وهل حزب الله يناسبه استمرار الستاتيكو الحالي وأن يخرج خالي الوفاض من استحقاقين رئاسي ونيابي؟!
سؤال آخر: ماذا عن المجتمع الدولي، هل يتفهّم هذه المرة أيضاً دواعي التمديد ربطاً بالأزمة السورية الطويلة وضرورات الاستقرار في لبنان؟! أم لا يجد مبرراً لعدم إجراء انتخابات نيابية بعد انتخابات بلدية ناجحة وتعتبر أكثر صعوبة ودقة وحساسية من الانتخابات النيابية؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق