أبرز الأخبارسينمالقاء

Lincoln… امثولة في التاريخ

منذ سن السابعة والفتى الصغير ستيفن سبيلبرغ مهووس برئيس اميركي يعتبر مفخرة وطنية لأنه المسؤول عن الغاء قانون العبودية ويدعى ابراهام لنكولن. منذ سن السابعة وسبيلبرغ يحلم بأن يكبر ويصبح مخرجاً ليقدم فيلماً عن لنكولن الذي وقع في غرام شخصيته ووطنيته وانسانيته وعظمته يوم نظمت مدرسته زيارة لمتحف Lincoln Memorial في واشنطن. يومها وقف سبيلبرغ الصغير للمرة الاولى امام تمثال الرئيس الجالس على مقعده، وشعر بالخوف من قامته المديدة، ثم بدأ الخوف يتبدد كلما تقدم نحوه ليتحوّل تدريجاً انبهاراً بقسمات وجهه المعبّرة. منذ ذلك اليوم وسبيلبرغ يقرأ ويسجل ويجمع كل ما له علاقة بالرئيس المسؤول عن الغاء قانون العبودية…

في العام 1999 وقع سبيلبرغ على كتاب عن لنكولن بعنوان Team of Rivals من اعداد الكاتبة دوريس كيرنز غودوين، فلاقى استحسانه واشترى حقوقه، وانتظر حتى سنة 2011  للبدء بالفيلم الذي احتاج الى تحضيرات مكثفة. ورغم أن التصوير كان مقرراً في بداية 2011، إلا أنه عاد وتأجل حتى نهاية العام لأن سبيلبرغ كان بصدد إطلاق شريطيه الشهيرين The Adventures of Tintin وWar Horse.

الرائع دانيال داي لويس
بدوره الممثل الشهير دانيال داي لويس وما إن سمع أن سبيلبرغ بصدد الاعداد لفيلم عن لنكولن، حتى شعر بأن آداء الدور سيكون المحطة الابرز والاهم في مسيرته الفنية. وهكذا قرأ كل ما كتب عن الرئيس واستمع الى الكثير من التسجيلات له وبدأ يتكلم مثله بالنبرة نفسها والاسلوب المميز ذاته الذي اشتهر به لنكولن. بعد ذلك قام بتسجيل صوته على اسطوانة وهو يلقي خطبة شهيرة للرئيس وارسلها الى ستيفن سبيلبرغ من دون ان يكتب اسمه على الاسطوانة، بل ارفقها برسالة كتب عليها رقم هاتفه فقط لا غير. بترقب جلس ينتظر ان يتصل به سبيلبرغ الذي اصيب بالدهشة الكبيرة عندما استمع الى الاسطوانة فهو شعر ان لنكولن شخصياً يتكلم. ورغم انه كان يفكر باسناد الدور الى الممثل ليام نيسون بطل شريطه Schindler’s List، إلا أنه ادرك انه من المستحيل ان يجسّد الشخصية احد غير صاحب الصوت المجهول. وهكذا اتصل به ، وما إن اجاب دانيال حتى قال له سبيلبرغ بلهفة: «من أنت»؟ إنه حتماً دانيال داي لويس الممثل البريطاني الوحيد الذي فاز حتى الان بجائزتي اوسكار افضل ممثل عن فيلمي  My Left Foot وThere Will Be Blood، والذي رشح لعشرات الجوائز، والفائز حتى الان بالغولدن غلوب عن دوره الرائع في Lincoln مع حظوظ كبيرة جداً بفوزه بجائزة الاوسكار قريباً.

اصرار سالي فيلد
بدورها الممثلة سالي فيلد أصرّت على اداء دور ماري تود لنكولن زوجة الرئيس، رغم انها تكبر الشخصية بعشرين عاماً تقريباً. ونظراً لإلحاحها، وافق المخرج سبيلبرغ على اعداد جلسة القاء مع دانيال داي لويس الذي وافق بدوره على القدوم من ايرلندا خصيصاً من اجل سالي. وفعلاً تمكنت الممثلة من اقناع سبيلبرغ بأنها أفضل من سيؤدي الدور، وهي تأثرت جداً من نبل دانيال داي لويس ولطفه، إذ لم يتردد في السفر من اجل مساعدتها في آداء دورها بالشكل المطلوب.
إذاً مع هذه المجموعة المميّزة التي يضاف اليها الممثل القدير طومي لي جونز، نعود  الى الاشهر الاربعة التي سبقت اغتيال الرئيس لنكولن، وتحديداً الى عام 1865 الذي شهد اعادة انتخاب الرئيس ابراهام لنكولن لولاية ثانية خلال فترة الحرب الاهلية في الولايات المتحدة.  الرئيس الوطني والانساني يؤمن بأن الحرب قامت بين الجنوب والشمال بسبب قانون العبودية، وهو يؤمن بأن الحرب لن تنتهي سوى عندما يساوي القانون بين الجميع، بيضاً وسوداً. وهكذا سيحاول مع اعوانه الجمهوريين إقناع أعضاء الكونغرس الديمقراطيين بالتصويت لصالح إلغاء قانون العبودية. حتماً سينجح في النهاية، وحتماً سيخسر حياته، ولكنه ربح عظمة وحباً لم يكتبا لرئيس غيره.

ترشيحات للاوسكار
الفيلم ربح ترشيحات عديدة للغولدن غلوب والاوسكار، فهو لافت جداً بممثليه الرائعين الذين قدموا آداءات استثنائية مؤثرة، كما أنه يستعيد تلك الفترة الزمنية بشكل رائع من خلال ديكورات موفقة وازياء مستوحاة من ذلك العصر، وسيناريو قوي ومليء بالمراجع القانونية الطاغية كثيراً في الفيلم من اعداد طوني كوشنر. هذه المطولات الكلامية السياسية والتقنية جداً احتلت قسماً كبيراً من الشريط الذي بدا الى حد ما وكأنه امثولة في التاريخ. ولكن سبيلبرغ المصرّ والمصمم على تقديم درس تاريخ مؤثر يشبه التحية التكريمية لابراهام لنكولن، نجح في الوقت عينه في تلطيف الاجواء بتحويلها من القانون الناشف والجاف وغير المفهوم من معظم المشاهدين، الى مناخات انسانية طريفة حيناً بين لنكولن الذي يقص رواياته المضحكة وذات المغذى على مستشاريه والمواطنين، واخرى مؤثرة ومحزنة احياناً بينه وبين زوجته وولديه ^

 

مايا مخايل

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق