لبنان تحت وطأة «العاصفة الروسية»: اتفاق على «مرحلة جديدة بدأت» واختلاف في «القراءات والتقديرات»

يتأثر لبنان بمنخفض جوي في المنطقة مصدره روسيا، حاملاً معه «غيوماً كثيفة» وتغييراً كبيراً في المشهد الإقليمي وقواعد اللعبة، وبحيث أنه يعد نقطة تحول جذري في مجرى الأزمة والصراع في سوريا البلد الأكثر التصاقاً بلبنان والأكثر تفاعلاً معه.
يتفق الجميع على أن الانخراط الروسي العسكري المباشر في سوريا، مضافاً إليه التصعيد الإيراني ـ الخليجي الذي دخل مرحلة قطع العلاقات الدبلوماسية، أدخل لبنان في وضع جديد أكثر دقة وصعوبة وأطاح كل الحسابات التي بنيت هذا العام على مرحلة ما بعد الاتفاق النووي وما يمكن أن تنتجه من انفراجات وتسويات إقليمية في صلبها حوار سعودي – إيراني تشمل سوريا ولبنان وتوصل الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية… ولكن في النظرة الى هذه المرحلة الجديدة وكيفية التعاطي معها، مرحلة ما بعد الحرب الروسية، تختلف القراءات والتوجهات والتقديرات:
– هناك من يتوقع أن يكون تلبد الفضاء الإقليمي حافزاً للأطراف اللبنانيين على مزيد من الحوار وتحصين الوضع الداخلي لاتقاء المخاطر المتزايدة وعزل لبنان عن محيطه، وطالما أن التسويات والانفراجات في المنطقة صارت بعيدة وفترة الانتظار ستطول وقدرة لبنان على الصمود تضعف و«مناعته المكتسبة» تتآكل. وهنا تكمن أهمية التسوية الحالية التي يجهد الرئيس نبيه بري في تخريجها. فرغم أنها تسوية «موضعية وصغيرة» مقارنة بالوضع الكبير، إلا أنها مفتاح الدخول من باب ضيق الى قاعة «الانتظار المريح والفسيح»… مثلما ستكون في حال إخفاقها شرارة اندلاع أزمة شاملة.
– هناك من يتوقع أن يتجه الوضع في لبنان القابع في «الفراغ والشلل» الى «الأسوأ»، الى مزيد من التأزم والتصعيد… نتيجة تضافر عوامل عدة أبرزها:
– ازدياد التطرف لدى القوى والحركات الإسلامية في لبنان والمنطقة كرد فعل على التدخل الروسي الذي يضرب كل المعارضة السورية ولا يعترف بوجود معارضة معتدلة، والذي تقوم في وجهه معارضة سعودية وتركية.
– إطالة أمد الحرب في سوريا التي سُدَّ الأفق السياسي لأزمتها، وفتحت مجدداً على أفق جولات جديدة أكثر عنفاً وضراوة، خصوصاً وأن التدخل الروسي سيقابل بتزويد المعارضة السورية بأسلحة نوعية ومتطورة.
– ازدياد الصراع في المنطقة تعقيداً وخطورة مع تشابك وتداخل العناصر السياسية والدينية، الإقليمية والدولية… فإذا كان الصراع في سوريا اكتسب في مراحله السابقة صفة أنه جزء من صراع سني – شيعي في المنطقة، فإنه في مرحلته الجديدة يضاف إليه بعد جديد لأن التدخل الروسي أضاف الى البعد المذهبي السني – الشيعي البعد الديني الإسلامي – المسيحي.
– التشنج الذي سيغلب على سياسات ومواقف «المستقبل» وحزب الله رغم الحوار الصامد بينهما كانعكاس لأجواء التشنج والتشدد بين إيران والسعودية.
– الرهانات المتناقضة في الداخل اللبناني على التطورات السورية وبما يؤدي الى تعديل في الحسابات والخيارات: حزب الله يرى في التدخل الروسي سبباً جديداً للقوة و«الاستقواء»، وبالتالي فإنه يتشدد أكثر في سياسته ويتمسك أكثر بأوراقه… وتيار المستقبل لا يرى في «التورط» الروسي ما يدعو الى القلق لأن مصيره لن يكون أفضل من التدخل الإيراني، ولأنه يعيد الأزمة السورية الى صدارة الأجندة الدولية ويغيّر في حجم ومستوى الدعم الدولي والإقليمي للمعارضة. والنتيجة أن الحرب تطول بعدما تراجعت فكرة الحل السياسي وتقدم من جديد مشروع الحل العسكري. ولكن الصورة ضبابية ومن السابق لأوانه إصدار أحكام وتصورات نهائية، ومن غير المناسب التفريط بأوراق سياسية أو تقديم تنازلات جوهرية… أما التنازلات الشكلية فإنها ضرورية في استراتيجية كسب الوقت…
ما كاد الانخراط الروسي في الحرب السورية يحصل، حتى بدأ الحديث في لبنان عن أبعاد هذا الانخراط وانعكاساته على الوضع الداخلي وموازين القوى فيه، فتعددت القراءات والتوقعات، انطلاقاً من أن هذا التطور يغيّر المشهد الداخلي ويقلبه رأساً على عقب، وأن ما بعد إعلان الحرب الروسية هو غير ما قبله… وشأن كل صدمة تضرب المنطقة، يتسابق فريقا 8 و14 آذار على التوقع والاجتهاد والرهان على تطورات في الداخل، تجعله على صورة ما يحدث في الخارج. فيكون ثمة رابح وخاسر. هكذا يتربصون بما بعد الصدمة الروسية. فريق يقول إنها أغرقت نفسها في وحول الحرب بين نظام الأسد ومعارضيه، وفريق آخر يقول إن الضربات الروسية شبه اليومية مذ ذاك تتوخى قلب موازين القوى العسكرية التي شهدت في الأشهر الأخيرة تقهقرا للنظام والجيش رأساً على عقب بغية ترجيح الكفة له مجدداً:
– مصادر في 14 آذار (قريبة من المستقبل) ترى أن التخلص من «داعش» لا يتم بانخراط طائرات جديدة في الحرب، وأن المجتمع السوري وحده القادر على مواجهة الإرهاب في سوريا واقتلاعه من جذوره في سياق بناء دولة مدنية لا يكون فيها مكان لرأس النظام الذي تسبب بكل هذه الويلات. وترى هذه المصادر أنه لا تزال هناك فرصة أمام الروس كي يؤدوا دوراً إيجابياً ومفيداً يلقى الترحيب والتجاوب من الشعب السوري، وهو دور المنقذ الذي يأخذ بعين الاعتبار تطلعات هذا الشعب بحيث تصبح موسكو جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة.
وحول موقع لبنان في جدول أعمال الخارج وسط التطورات السورية، ترى أنه من الواضح أن لبنان ليس موجوداً أو مُلتقطاً على أي رادار خارجي حالياً، إنما المشكلة هي في من يربط الوضع اللبناني بالعربة السورية.
وتحذر المصادر من الاستقواء بالتدخل العسكري الروسي في وجه الخصوم المحليين، معتبرة أنه من السابق لأوانه الارتكاز الى هذا التدخل نظراً لأنه لا يزال في بداياته، ومن الأفضل للبنانيين التريث في اتخاذ أي موقف غير محسوب خصوصاً أن تداعياته ما زالت تتفاعل ولم تستقر بعد على أسس واضحة.
وتنصح هذه المصادر المتحمسين لهذا التدخل بعدم الإقدام منذ الآن وبشكل متسرع على دعسة ناقصة من شأنها أن تقحمه في حسابات غير واقعية تتعلق بملف الانتخابات الرئاسية.
– مصادر 8 آذار (قريبة من حزب الله) تؤكد أن الدخول الروسي القوي على خط الحرب السورية سيترك أثراً كبيراً على مسار الأحداث وسيشكل نقطة تحول استراتيجية في موازين القوى الميدانية والسياسية. وتستغرب مخاوف البعض في لبنان على مصير ما تسمى «المعارضة المعتدلة» في سوريا، معتبرة أن هذه المعارضة لم يعد لها أي وجود نوعي على الأرض، ولا أحد يحسب لها حساباً في المعادلات الميدانية.
وترى هذه المصادر أن بدء الغارات الروسية على أهداف محددة للمجموعات المسلحة ينطوي على رسالة واضحة بأن ما بعد التدخل العسكري ليس كما قبله، وأن قواعد اللعبة تغيرت في سوريا، بل في المنطقة.
ويبدو أن فريق 8 آذار يشعر بفائض القوة، حيث تعبّر مصادره عن ارتياحها مشيرة الى أن تحذير نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم من انهيار الحكومة يأتي في سياق إفهام الفريق الآخر بأن التعنت لم يعد يجدي نفعاً، واستغلال غياب الخيارات الحكومية لمحاولة «لي ذراع» الطرف الاخر غير مفيدة، فهذا التفصيل بات صغيراً في خضم التطورات والأحداث، ويجب التفاهم راهناً على قواسم مشتركة، وتقول إن حزب الله مرتاح أكثر من أي يوم مضى، لا يريد اطاحة الحكومة ويرغب بالحفاظ على الاستقرار الداخلي، مهماته في سوريا تستوجب ذلك لكن ليس مقبولاً الخسارة في بيروت بينما تزداد الأرباح في سوريا.
هذه المصادر تعتبر أن حزب الله لم يتفاجأ بالتدخل الروسي بل كان في صورته منذ أشهر عديدة حيث عقدت لقاءات تنسيقية على الأرض السورية بين ضباط وخبراء روس وخبراء وكوادر أساسيين من الحزب، وأنه ما كان الروس ليتدخلوا لو لم يصمد النظام السوري وبشار الأسد مع حلفائه في إيران وحزب الله لأكثر من أربع سنوات. وجاء تدخلهم من خلفية مد الأسد بمزيد من الدعم لكي يصل الى الانتصار، ومن ثم فرض وقائع من خلاله. وأن هذا التدخل فتح الباب على عملية عسكرية برية واسعة النطاق، بالتنسيق ما بين الروس والجيش السوري النظامي وحزب الله. والمؤشرات والمعطيات المتوافرة تؤكد أن الأسابيع القليلة المقبلة حاسمة على هذا الصعيد، والعين على ريف إدلب وجسر الشغور التي قد تكون جسر عودة تلك المنطقة الى حضن الدولة السورية.