مشروع روسي لاحياء مفاوضات جنيف: دمشق توافق على الحوار، والمعارضة تتمسك بالشروط المسبقة

يبدو ان العشرين من شهر كانون الثاني (يناير) سيشهد حراكاً تفاوضياً موضوعه الازمة السورية. وعلى الرغم من اعتقاد البعض من المحللين بان الوقت اصبح متأخراً جداً، وان الحوار لم يعد يجدي نفعاً بحكم تشعب الازمة وتجذرها، وبلوغها مديات صعبة، الا ان محللين يرون ان الاتفاق بين الطرفين الرئيسيين في الملف، يمكن ان يدفع بالتخفيف من حدة الازمة، ويضع الطرفين المتفاوضين على المسار الصحيح.
في هذا السياق، هناك من يقرأ التطور من زاوية المبادرة الروسية التي كشفت دوائر امنية وسياسية من موسكو النقاب عنها والتي تهدف الى اعادة احياء مفاوضات جنيف، سواء اكان ذلك ضمن تسمية «جنيف 2» الذي تؤكد مرجعيات انه ما زال مفتوحاً وانه يمكن اطلاقه في اي وقت. او «جنيف 3» في اشارة الى معطيات وشروط جديدة.
فقد اعلنت دمشق استعدادها للمشاركة في لقاء يضم المعارضة السورية وتعمل موسكو على تنظيمه بهدف ايجاد مخرج للازمة السورية المستمرة منذ نحو اربع سنوات.
لقاء تشاوري
ونقلت وكالة الانباء الرسمية (سانا) عن مصدر في وزارة الخارجية قوله «في ضوء المشاورات الجارية بين سوريا وروسيا حول عقد لقاء تمهيدي تشاوري في موسكو يهدف الى التوافق على عقد مؤتمر للحوار بين السوريين انفسهم دون اي تدخل خارجي، تؤكد الجمهورية العربية السورية استعدادها للمشاركة في هذا اللقاء».
وذكر المصدر ان قرار المشاركة يأتي انطلاقاً من حرص دمشق «على تلبية تطلعات السوريين لايجاد مخرج لهذه الازمة مع تأكيدها على استمرارها بمكافحة الارهاب اينما كان وفي اي بقعة على التراب السوري توازياً مع تحقيق المصالحات المحلية التي اكدت نجاعتها في اكثر من منطقة».
واضاف ان سوريا تؤكد انها كانت وما زالت على استعداد للحوار «مع من يؤمن بوحدة سوريا ارضاً وشعباً وبسيادتها وقرارها المستقل بما يخدم ارادة الشعب السوري ويلبي تطلعاته في تحقيق الامن والاستقرار وحقناً لدماء السوريين كافة».
واعلنت موسكو، الحليف الرئيسي للنظام السوري، اخيراً انها تعمل على جمع ممثلين عن المعارضة والحكومة السوريتين على ارضها لاجراء مفاوضات حول سبل حل النزاع الذي تسبب بمقتل اكثر من مئتي الف شخص.
لقاءات واسعة
الموافقة السورية الرسمية على لقاء موسكو جاءت وفق مصدر سوري في الخارجية، بناء على المشاورات السورية – الروسية حول عقد لقاء تمهيدي تشاوري في موسكو يهدف إلى التوافق على عقد مؤتمر للحوار بين السوريين أنفسهم دون أي تدخل خارجي.
ويقول محللون إن بلورة مثل هذا اللقاء لم يأت وليد اللحظة، إنما جاء بعد لقاءات واسعة عقدها ميخائيل بوغدانوف نائب وزير الخارجية الروسي خلال زيارته الأخيرة إلى اسطنبول وبيروت بمعارضين سوريين، وقد سبق هذه الجولة اجتماع بين نائب وزير الخارجية الروسي والسفير القطري بموسكو.
تحركات بوغدانوف جاءت تجسيداً لتفاهمات روسية – سورية أفرزتها زيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم إلى روسيا الشهر الماضي.
زيارة المعلم إلى موسكو كان سبقها لقاءات مهمة لمعاذ الخطيب الرئيس السابق للائتلاف السوري المعارض مع وزير الخارجية الروسي ونائبه في موسكو قال عقبها بوغدانوف إن الخطيب قدم نقطتين أساسيتين في مجال إحياء العملية السلمية وأوضح قائلاً: «ليس لدينا اعتراض على هاتين النقطتين وهما محاربة الإرهاب والدولة الإسلامية والثانية مفاوضات سياسية تفضي لحوار واتفاق بين الحكومة السورية الشرعية والمعارضة».
من جهته، اكد رئيس الائتلاف السوري المعارض هادي البحرة، أن هناك مشاورات بين تيارات المعارضة السورية حول وثيقة موحدة تحمل ملامح الحل السياسي للأزمة السورية حال الدخول في أي مباحثات مقبلة.
توافقات خارجية
ويرى الائتلاف السوري المعارض الحديث عن حل سياسي غير كاف للوصول للتسوية المطلوبة، مستنداً إلى عدم جدية الحكومة السورية. ربما تنتظر معارضة الداخل والخارج توافقات إقليمية ودولية لحل الأزمة السورية انطلاقاً مما يعتبره البعض بأن الحل لم يعد في أيدي السوريين.
وقال البحرة إن الائتلاف سيذهب إلى لقاء موسكو في العشرين من كانون الثاني (يناير) المقبل، لكنه أشار إلى أنه من دون أي ورقة عمل أو جدول محدد وأن «هذا هو مأخذ الائتلاف على الاجتماع المرتقب».
وأكد البحرة أن الائتلاف يتمسك بالوثيقة التي قدمها فريقه للحل في سوريا، كأساس لأي مفاوضات مقبلة. وتشمل الوثيقة «تشكيل هيئة انتقالية لتولي السلطات استناداً إلى ما جاء في مفاوضات جنيف وإطلاق سراح المعتقلين.
إلى ذلك أكدت مصادر في المعارضة السورية أن فصائل من المعارضة في الداخل والخارج بدأت التنسيق في ما بينها لعقد اجتماع في القاهرة من أجل التوصل إلى رؤية سياسية موحدة لحل الأزمة.
وقال رئيس المكتب الإعلامي في هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي المعارض منذر خدام، إن عدداً من الفصائل والشخصيات المعارضة تخوض حوارات منذ أكثر من شهرين، وإنهم توصلوا لتفاهمات مشتركة للحل السياسي للأزمة سيتوج في لقاء وطني يجري في القاهرة.
وأوضح، أن «قوى معارضة مؤمنة بخيار الحل السياسي من داخل وخارج سوريا ستشارك في لقاء القاهرة، بينهم أعضاء من الائتلاف وربما الائتلاف بصفته الرسمية، بالإضافة إلى مجموعة الرئيس الأسبق للائتلاف أحمد معاذ الخطيب».
وأشار خدام إلى أن «الاجتماع المزمع عقده في القاهرة سيمهد للقاء موسكو، الذي سيضم مجموعة من الأحزاب والشخصيات السورية المعارضة بينها هيئة التنسيق التي تضم 12 حزباً بالإضافة إلى قوى من الائتلاف السوري وجبهة التغيير والتحرير التي يقودها قدري جميل والإدارة الذاتية الكردية».
اجابات موحدة
ولضمان نجاح لقاء المعارضة في القاهرة يرى محللون انه بتقديم المعارضة إجابات موحدة تجاه كل القضايا، تتغلب المعارضة على تناقضاتها الداخلية، وتنزاح معضلة كبيرة من أمام جهود التسوية، لأن اتفاق المعارضة نصف الحل، والنصف الآخر برد إيجابي من الحكومة السورية على ما ستطرحه المعارضة. ويضيف هؤلاء عندها يستطيع المبعوث دي ميستورا، بدعم من المجتمع الدولي، أن يضيق الخلاف الذي سيبرز موضوعياً بين مواقف المعارضة والحكومة السورية، فلا أحد يفترض حصول تقارب سريع وتام، لكن القنوات الدبلوماسية والجهود السياسية كفيلة بمعالجة ما سيتبقى من خلافات شرط الاتفاق على المبادىء والأسس والآليات، وفي مقدمتها تفعيل الحل السياسي ونبذ العنف والحلول العسكرية والأمنية والإرهاب.
في الاثناء، نفذت الطائرات الحربية التابعة لنظام الأسد ما لا يقل عن 435 غارة على مناطق عدة خلال 60 ساعة ، بينها 242 غارة استهدفت محافظات دمشق وريفها، إضافة إلى حلب والرقة، ودير الزور، وحمص، وحماة.
كما قصفت طائرات النظام بأكثر من 193 برميلاً متفجراً مناطق في محافظات القنيطرة، ودرعا، وإدلب، وحلب، واللاذقية.
وأسفرت الغارات عن مقتل 89 مدنياً وإصابة أكثر من 300 آخرين بجراح خطرة.
وكان المرصد السوري قد نشر، في الـ 19 من كانون الاول (ديسمبر) الحالي، حصيلة 60 يوماً من قصف طائرات النظام الحربية والمروحية على المناطق، والتي بلغت 2973 غارة، حيث نفذت طائرات الأسد ما لا يقل عن 1611 غارة، استهدفت مناطق عدة في محافظات دير الزور، وحمص، ودمشق، وريف دمشق، واللاذقية، والقنيطرة، وحماة، وحلب، وإدلب، ودرعا، والحسكة والرقة، بينما قصفت طائرات النظام المروحية بـ 1362 برميلاً متفجراً، مناطق عدة في محافظات حمص، وحماة، وإدلب، ودرعا، والحسكة، وحلب، والقنيطرة، واللاذقية وريف دمشق.
كما أسفرت غارات الـ 60 يوماً، عن مقتل 735 مدنياً، بينهم 155 طفلاً دون سن الـ 18، و133 فتاة فوق سن الـ 18، و447 رجلاً، إضافة إلى إصابة أكثر من 2800 آخرين بجراح، وتشريد عشرات آلاف المواطنين، فضلاً عن الأضرار المادية الكبيرة والدمار في ممتلكات المواطنين العامة والخاصة في المناطق.
دمشق/موسكو – «الاسبوع العربي»