أبرز الأخبارتحقيق

بيروت، عيد ورمضانيات فوق كل ارهاب!

ليست المرة الأولى التي يطل فيها شهر رمضان على الصائمين والبلد ليس بألف خير. بعبارة أدق، ليس بخير إطلاقاً.
وليست المرة الأولى التي نسمع فيها اللبناني يردد: «عيد بأية حال عدت…»، لكن قد تكون المرة الأولى التي يكون فيها الإرهاب والإنتحاريون المزنرون بأحزمة ناسفة وراء حال الهلع والخوف والإنكماش الحاصل حتى في عادات وتقاليد شهر رمضان.
اول التداعيات إلغاء حفلات الإفطار، ومن قرر ان يتحدى اختصر الكثير لتقديم الممكن على الموائد الرمضانية.
وحدها الشاشات الصغيرة ووسط بيروت قفزا فوق المحاذير الأمنية وقررا التحدي والإلتقاء حول «نعم للحياة» في شهر رمضان.
ومن رمضانيات بيروت وعادات الشهر الفضيل تبدأ جولتنا…

بخفر كبير وقليل من الرهجة التي تعود عليها اللبنانيون أطل شهر رمضان على الصائمين هذه السنة. وليس صدفة. فالتفجيرات الإرهابية التي وقعت عشية بدء شهر رمضان حتمت إلغاء العديد من المناسبات التي كانت مقررة. ومن قرر التحدي لا سيما في العاصمة بيروت وطرابلس حصد القليل من الجمهور لا سيما منهم الأطفال. مروان فرعون مسؤول في موقع «فانوسي» أكد ان الكرمس الرمضاني الذي نظمه الموقع للسنة الثانية في أسواق بيروت وشاركت فيه نحو 14 جمعية لم يشهد الإقبال الذي كان متوقعاً بسبب تزامن انطلاقه مع الإنفجار الإرهابي الذي وقع في فندق «دو روي» الحمرا. ومن أصل 300 طفل كانوا سجلوا اسماءهم لحضور «سيبانة رمضان» لم يحضر أكثر من 170. وبرر فرعون الأسباب بالوضع الأمني والخوف من المشاركة في احتفالات ومهرجانات تشهد على تجمعات بشرية. «وهذا طبيعي. فعندما يكون الأمر متعلقاً بالأمن لا نضمن شيئاً ولا يمكننا حتى ان نزرع مشاعر القوة والتحدي عند الناس. لأن المسألة تتعلق بأرواحهم وأرواح أولادهم ومن الطبيعي أن يشعروا بالخوف ويتخلفوا عن الحضور».

فانوس رمضان اضيء

الإرهاب قلص من حماسة البعض لكنه لم يلغ الحدث الذي كان مقرراً. فالمسيرة التي ضمت أطفالاً ارتدوا أزياء شرقية انطلقت من أسواق بيروت مروراً بشارع المصارف وصولاً إلى الساحة الموازية لمسجد الأمين حيث كان اللقاء مع الحشود التي انتظرت الموكب تقدمها رئيس بلدية بيروت المهندس بلال حمد والمحافظ زياد شبيب ومخاتير العاصمة. هناك أضاءوا فانوس رمضان الضخم الذي ارتفع بعلو 8،5 أمتار وقطر 4،5 امتار وزين بأربع قناطر شرقية مرتفعة. وهناك ايضاً صلوا للشهداء الذين افتدوا الأرض بدمائهم وللأحياء الذين ما زالوا يؤمنون بهذا الوطن.
يقولون إن اللبناني قادر على التأقلم مع كل الأوضاع والظروف لكن مشهد الحرب الذي تعايش معه اللبنانيون لأكثر من 30 عاماً شيء والإرهاب شيء آخر. وحدهم الصائمون في شهر رمضان كسروا هذه المقولة. فبعد مرور 48 ساعة على انفجار «دو روي» عادت الحياة إلى شارع الحمرا وكذلك الوسط التجاري الذي لم تغب عنه حركة العيد ولم تلغ شركة «سوليدير» أياً من البرامج التي كانت مقررة.

سيبانة رمضان تنادي الزوار
«كل شي ببلاش كتر منو» قول ما عاد ينطبق على اللبناني الذي يعيش هاجس الخوف والقلق. فالروح أعز. والدليل أن عدد زوار كرمس «سيبانة رمضان» كان محدوداً مقارنة مع العام الماضي علماً أن كل شيء فيه يقدم بالمجان من الفانوس حتى سجادة الصلاة. «ونحن على يقين أن الأسباب تعود إلى الوضع الأمني دون سواه». إعتراف شبه محسوم من مروان فرعون. ويضيف، «لكننا على يقين أن الحياة والعجقة ستعودان إلى سيبانة رمضان في السنة المقبلة خصوصا أن إرادة الحياة عند اللبناني اقوى من اي شيء آخر».

يذكر المؤرخون أن تقليد «سيبانة رمضان» يجري مع استهلال الشهر المبارك. وكان يطلق عليه إسم «إستبانه» الذي يرمز إلى تبيان حقيقة حلول شهر الصوم . لكن أهالي بيروت حولوا الكلمة إلى «سيبانة» لسهولة لفظها وتحولت «السيبانة» إلى تقليد للتنزه وتناول الطعام والشراب وحفل «وداع» الطعام قبل حلول شهر رمضان، باستثناء قلة لا تزال تعترف به كتقليد لاستهلال شهر رمضان. أما الفانوس الذي هو رمز شهر رمضان فيذكر المؤرخون أنه استخدم أولاً في بلاد المغرب العربي للإنارة ليلاً اثناء الذهاب إلى المساجد خلال فترات السحور لإحياء ليالي شهر رمضان المبارك، ومن ثم تحول إلى تقليد للزينة في استقبال الشهر الكريم.

المسحراتي اختفى والمدفع صمت

اما مشهد المسحراتي فاختفى من العاصمة بيروت منذ أعوام، وكان يجوب شوارعها في اوقات السحور وهو يقرع على طبلة صغيرة بقضيب من الخيزران مردداً اشعاراً وأناشيد دينية ومدائح نبوية وينادي على الصائمين أن يقوموا للسحور ومردداً عبارات «يا نايم وحد الدائم» و«قوموا لسحوركم حيي رمضان ليزروكم». هذا المشهد لا يزال يتكرر في بعض الضواحي والمناطق لا سيما منها طرابلس وصيدا. وحده مدفع رمضان الذي كان يتولى الجيش اللبناني مهمة إطلاقه داخل المدن الرئيسية صمت. والظاهر أن صمته سيدوم إلى الأبد بعدما تحول صداه إلى إنذار أمني أو إنفجار إرهابي.

افطارات الغيت

بعيداً من لغة القذائف، شهر رمضان هو ايضاً شهر الولائم الرمضانية والإفطارات. قلتم إفطارات؟ مبدئياً تم إلغاء أغلبية حفلات الإفطار لأسباب أمنية وخوفاً من الأعمال الإرهابية التي يمكن أن تطاول التجمعات. لكن الأسباب لا تقتصر فقط على ذلك. فالوضع الإقتصادي حتم على بعض الجمعيات إلغاء عدد كبير من الإفطارات التي كانت تقام في هذا الشهر الكريم على ما تقول رئيسة إحدى الجمعيات الإسلامية الخيرية «لأن مطلق أي حجز في فندق أو مطعم يحتم دفع مبلغ مالي مقدم لا يقل عن عشرة آلاف دولار ولا أحد يضمن الوضع الأمني أو حضور المدعوين». إلى ذلك عمدت بعض الجمعيات الى دمج إفطاراتها بهدف توفير المال وعدم التغيب عن هذا التقليد الذي يعتبر جزءاً من المساعدات التي يقدمها الصائمون في شهر رمضان.

واطباق رمضانية اختفت

وصولاً إلى مائدة رمضان المشهورة بتنوعها. فتوش وتبولة ومغربية وكل أنواع الأطباق الغنية بالبهارات والتوابل التي تمنح القوة وتساعد الصائمين على الصمود مدة اطول. اما الأطايب ولا سيما الفاكهة المجففة من مشمش وتمر وعصائر الجلاب التي تمنح الطاقة للصائم فباتت نوعاً من الكماليات بعدما تجاوز سعرها طاقة اللبناني. وغالبية الأطباق اختفت منها حبوب الصنوبر بعدما وصل سعر الكيلو إلى 100 ألف ليرة. صيام مقبول.
ثمة من يقول «عيد بأية حال عدت يا عيد» ومنهم من يؤكد أن شهر رمضان ليس فقط مسلسلات رمضانية ولا موائد طعام وسحور ولا حتى خيم رمضانية.

ليل وسهر ومعارض

على ذكر الخيم الواضح أن لا الوضع الأمني ولا الضائقة الإقتصادية وراء اختفاء مشهد الخيم التي كانت تنتشر في وسط بيروت في شهر رمضان. «إنما قناعة من المعنيين بعدم تماشيها مع مفاهيم هذا الشهر الكريم دينياً وإجتماعياً». لكن بالنسبة إلى أبناء بيروت رمضان هو أيضاً ليل وسهر ومعارض. وهذا ما حرصت شركة سوليدير على تنظيمه لا سيما بالنسبة إلى المعارض الرمضانية والنشاطات التي لم تلغ أياً منها من دفتر يومياتها لضرورات أمنية. «حب الحياة اقوى من كل شيء. فكيف إذا كانت المناسبة شهر رمضان؟» تقول مسؤولة عن تنظيم برنامج رمضانيات بيروت في شركة سوليدير.
أمن؟ إرهاب؟ ضائقة إقتصادية؟ عادات اندثرت وأخرى لا تزال تحلق…
من الآخر. من قرر أن يصوم سيتمم واجباته الدينية في هذا الشهر. ومن قرر أن يسهر سيسهر. ومن قرر ان يأكل الصنوبر سيكتفي بشراء 200 غرام بدلاً من كيلو وتناول قطعة واحدة من قمر الدين بدل علبة في اليوم.
والأهم أنه من قرر المجيء لقضاء عيد الفطر مع الأقارب والعائلة سيتخطى كل هواجس الإرهاب ويصم أذنيه عن الفلاشات الأمنية وأخبار الإمارة الداعشية والخلافة المنتظرة.
إنه شهر رمضان واللبنانيون تعودوا على كل شيء إلا على فكرة أن لا يعيّدوا ويحتفلوا في المناسبات كل بحسب قدراته وإمكاناته. فكيف إذا كان القرار متوجاً بفكرة التحدي وحب الحياة؟ رمضان كريم.

جومانا نصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق