أبرز الأخبار

المنطقة تدخل مرحلة الغليان: حراك دولي يتجاوز «الخطر الداعشي» و«يهندس» العراق الجديد

ما بين التهدئة والتصعيد، الذي تشهده الساحة العراقية، ثمة خيط رفيع يؤشر على امور غير معلنة قد تحسم شكل صورة ما اطلق عليه «العراق الجديد». وما بين الـ «خطر الداعشي»، والمشاورات السياسية ثمة فجوة يصعب على المتابعين فهمها.

الصورة بكل مكوناتها تتقاطع في الكثير من المفاصل، وتلتقي عند رسائل غامضة احياناً، وذات مضامين سياسية وجغرافية عديدة في احيان كثيرة جداً.
من ابرز المحطات التي يشار اليها في هذا السياق، الحراك الاميركي المختلف عن اي حراك سابق، لجهة اعتماد التدخل باسلوب «المستشارين»، ومن خلال قيادة اميركية – عراقية مشتركة. وهو الاسلوب الذي يزاوج ما بين العمل السياسي، والتلويح باستخدام القوة – عندما يكون ذلك مطلوباً -.
وهو الحراك الذي تزامن مع حضور وزير الخارجية الاميركي جون كيري الى المنطقة، وزيارة بغداد، ولقاء نوري المالكي، ومن ثم زيارة – غير معلنة – لاقليم كردستان ولقاء رئيسه مسعود البرزاني، واجراء مباحثات مع مسؤولي الاقليم.

الاتفاق الصعب
المعلومات المتسربة عن زيارة كيري تؤشر على كم من التوجهات، ابرزها ادراك صعوبة الاتفاق على تسمية «الرئاسات الثلاث»، خلال جلسة البرلمان الاولى التي من المنتظر ان تعقد يوم الثلاثاء المقبل ما لم يتم تهريب النصاب. وفي الوقت نفسه هناك اشارات غير واضحة تتعلق بـ «العراق الجديد» حيث ادلى الاكراد بدلوهم في وضع تصورات لهذا المشروع. غير ان التصورات التي ادلوا بها كانت اشبه برمي حجر في بئر مياه راكدة. فالاكراد يرون «ان الهجوم الواسع الذي يشنه مسلحون متطرفون في شمال وغرب وشرق البلاد خلق واقعاً جديداً وعراقاً جديداً». دون ان يفصحوا عن طبيعة وماهية وشكل «العراق الجديد». لكن بعض التسريبات اشارت الى ان البرزاني طلب من كيري النظر في «الاعتراف بدولة كردستان»، وهي الاشارة الرسمية التي تعزز فرضية اطلاق مشروع تقسيم البلاد، خصوصاً وان اللقاء يتزامن مع تسريبات اميركية لـ «عراق جديد» فعلاً،  ولكنه عراق مقسم، والى خرائط تحدد ملامح المنطقة من جديد.
ومن التسريبات ايضاً، ان كيري لم يرفض الفكرة، وان البرزاني فهم من الرد الاميركي بان واشنطن تنظر الى هذه المسألة كخيار ممكن في حال فشلت مباحثات المكونات السياسية العراقية حول الجلسة الاولى للبرلمان العراقي. وفي حال اخفقت الجهود في حل الازمة توافقياً، والتأسيس لمرحلة جديدة لا يكون لاحد القدرة على الهيمنة على الاخرين. بينما فهم اخرون بان زيارة كيري اسست لهذا المشروع الذي يحظى بدعم المكونين الكردي والسني بينما يرفضه المكون الشيعي. وبين هذه العناوين، ثمة تصور يؤشر على ان واشنطن باتت تسعى الى الدفع باتجاه ان يكون التقسيم خياراً وحلاً يحظى بدعم وتاييد الرئاسات المستقبلية للعراق.

الاردن في دائرة الخطر
ومن المحطات التي يشار اليها ايضاً، التقارير التي تتحدث عن ان الاردن ليس بعيداً عن «اخطار وتهديدات داعش»، والصادرة عن مرجعيات امنية واستخبارية وسياسية اميركية. الامر الذي استدعى استنفاراً عسكرياً وسياسياً واعلامياً اردنياً عالي المستوى، تمثل بارسال حشود الى القرب من الحدود مع العراق مقابل منطقة «طريبيل» التي انسحب منها الجيش العراقي، وتسلمتها قوة تابعة لتنظيم داعش. ومحاولة عربات عدة اختراق الحدود باتجاه الاردن، قبل ان تقوم طائرات اردنية بتدمير
ها مع من كان بداخلها.
فقد كشف نائب مدير وكالة المخابرات المركزية السابق مايك موريل انه يوافق على ان هنالك خطراً على الاردن وعلى لبنان مضيفاً ان هناك نشاطات ملحوظة لتنظيم  الدولة الاسلامية خلال الاشهر الاخيرة.
ومن المحطات ايضاً، الحراك الروسي في المنطقة، والذي تجاوز التأييد الذي اعلنه الرئيس بوتين للمالكي، حيث قام وزير خارجية موسكو بزيارة الى السعودية واجرى مباحثات مع الامير سعود الفيصل، حيث اشارت المعلومات المتسربة الى اطلاع الفيصل على معلومات وتقارير تتحدث عن مشاريع اميركية تخص العراق.
في الميدان، أكد نائب الرئيس العراقي خضير الخزاعي خلال اجتماعه في بغداد الاربعاء مع مساعد وزير الخارجية الاميركي بريت ماكورك والسفير الاميركي ستيفن بيكروفت، التزام رئاسة الجمهورية بالمسار السياسي والديمقراطي للعملية السياسية في البلاد والتوقيتات الدستورية. مشيراً الى أن رئاسة الجمهورية ستصدر مرسوماً جمهورياً خلال اليومين المقبلين «من المحتمل ان يكون اليوم الخميس»، تدعو خلاله البرلمان الجديد لعقد اولى جلساته. وشدد الخزاعي على عزم الدولة العراقية على أن العملية السياسية لن يعوق تقدمها الارهاب والجماعات المسلحة. ومن المفترض ان تتولى الجلسة الاولى للبرلمان اختيار الرئاسات الثلاث للجمهورية والبرلمان والحكومة.
وطالب الخزاعي الحكومة الاميركية بالمزيد من الدعم للعراق وخصوصاً في المجال العسكري والاستخباري وضرورة تفعيل اتفاقية الاطار الإستراتيجي الموقعة بين البلدين لمواجهة الارهاب ودحره والحفاظ على امن واستقرار العراق في المنطقة.
من جانبه، اكد ماكورك أن «القاعدة والجماعات المسلحة عدو مشترك للعراق وبلاده وأن واشنطن ملتزمة بدعم العراق في حربه ضد الارهاب».
في السياق، حذر متابعون من صعوبات تعترض طريق الجلسة المنتظرة. من ابرزها مشاريع تهريب النصاب ما يمكن ان يحول دون عقدها. اضافة الى الصعوبات المتمثلة بعدم وجود تنسيق كاف، في ظل ما يعتقد انه عدم التوصل الى حسم للخيارات.

مرشح الاكراد
وفي هذا الصدد هناك من يعتقد أن الاكراد لم يحسموا بعد مرشحهم لرئاسة الجمهورية ليخلف الرئيس المنتهية ولايته جلال طالباني، وكذلك المكون السني، رغم وجود مؤشرات قوية على احتفاظ اسامة النجيفي برئاسة البرلمان. كما أن التحالف الشيعي، وهو الكتلة الاكبر في البرلمان الذي تقع على عاتقه مهمة ترشيح رئيس للحكومة، ما زال يشهد اختلافات حول هذا الموضوع بين مؤيد لاستمرار نوري المالكي بمنصبه وتشكيل الحكومة الجديدة، و رافض لذلك، داعياً لإختيار مرشح جديد قادر على قيادة البلاد نحو تجاوز ازمتها السياسية والامنية الخطيرة الحالية، والتي تهددها بالتقسيم.
وفي هذا المجال، قال النائب الصدري امير الكناني إن الائتلاف الوطني امهل ائتلاف دولة القانون ثلاثة ايام لتغيير مرشحه من نوري المالكي الى شخصية أخرى، موضحاً أنه في حال تمسك ائتلاف دولة القانون بمرشحه نوري المالكي ولم يطرح شخصية أخرى خلال المهلة، فإنه سيضطر الى اعلان مرشح آخر الى الكتل السياسية لغرض التفاوض معها لتشكيل الحكومة المقبلة.                                                                                        
وكان وزير الخارجية الاميركي جون كيري اكد خلال اجتماعه في اربيل مع رئيس اقليم كردستان مسعود البرزاني أن «العراق يواجه تحديات كبيرة وحقيقية»، وطلب مشاركة الاكراد الفعالة في العملية السياسية على أن يتم اجتماع البرلمان العرا
قي الجديد في وقت قريب لانتخاب رئيس له، ورئيس للجمهورية، ومن ثم تكليف مرشح لرئاسة الحكومة. وينص الدستور العراقي على ضرورة انعقاد البرلمان خلال 15 يوماً من مصادقة المحكمة الاتحادية على نتائج الانتخابات «التي جرت في 30 نيسان (ابريل) الماضي»، حيث تمت المصادقة الاسبوع الماضي.
وحذرت قوى سياسية من أن انعقاد مجلس النواب من دون توافقات تسبق التئامه، سيحول جلساته الى منتدى لتداول المشاحنات، مما سيعقد الوضع السياسي ويلقي بظلال قاتمة على الاوضاع الامنية المتدهورة اصلاً.

تشكيك في وعود المالكي
واثارت هذه القوى شكوكاً في تنفيذ وعود اطلقها رئيس الوزراء نوري المالكي لوزير الخارجية الاميركي جون كيري، خلال اجتماعهما في بغداد، بالالتزام بالتوقيتات المحددة لانتخاب رئاسات الجمهورية والبرلمان والحكومة في اول جلسة برلمانية يفرض أن تنعقد الثلاثاء المقبل، وهو الموعد الذي اعلنه الوزير الاميركي قبل أن يصدر عن الرئاسة العراقية.
فقد تعهد المالكي بتشكيل حكومة جديدة في العراق في موعد أقصاه الاول من تموز (يوليو) المقبل في أول نتيجة واقعية للضغط الاميركي المتواصل على الحكومة التي يرأسها.
وتشير هذه القوى الى أنه بالاضافة الى عدم اتفاق الكتل السياسية على المرشحين لرئاسة البرلمان ونائبيه ورئيس الجمهورية ونائبيه، فإن التحالف الشيعي وهو الكتلة الاكبر المكلفة بترشيح رئيس الحكومة يشهد خلافات عاصفة تجعل من الصعب اتفاقه على مرشح بعينه خلال الايام السبعة المقبلة. ويصر ائتلاف دولة القانون على ترشيح زعيمه نوري المالكي لولاية ثالثة. وفي مقابل ذلك فإن المجلس الاعلى الاسلامي والتيار الصدري وقوى شيعية أخرى، اضافة الى السنة والاكراد، يرفضون هذه الولاية ويدعون الى مرشح جديد قادر على قيادة البلاد لتخطي الاخطاء السابقة وتجاوز الازمة الخطيرة التي يعيشها العراق حالياً وتنذر بتقسيمه الى دويلات عدة.
الى ذلك، اعلنت وزارة الدفاع الاميركية ان اول دفعة من المستشارين العسكريين الاميركيين البالغ عددهم الاجمالي 300 مستشار، انتشرت في بغداد لمساعدة الجيش العراقي على قتاله ضد المتطرفين الاسلاميين. وصرح الاميرال جون كيربي بانه تم نشر «فرق التقويم الاولية»، مضيفاً ان نحو 40 عسكرياً بدأوا مهمتهم الجديدة.
واوضح ان اول فريقين هما من العسكريين العاملين في السفارة الاميركية في العراق، كما وصل 90 عسكرياً اخرين لاقامة مركز عمليات مشتركة في بغداد، مضيفاً ان 50 عسكرياً اخرين سيصلون الى العراق خلال الايام القليلة المقبلة.
وقال ان هذه الفرق ستجري تقويماً لتماسك واستعداد قوات الامن العراقية، وستقوم باستئجار مقر في بغداد وتدرس اكثر الطرق فعالية لاحضار «مستشاري متابعة». واشار الى ان المستشارين سيرفعون النتائج الى القادة خلال اسبوعين او ثلاثة.

قيادة اميركية – عراقية
وبالتزامن مع نشر فريق «المستشارين»، أعلن في بغداد عن تشكيل قيادة أميركية عراقية وغرفة عمليات مشتركة لمواجهة المسلحين. وجاء تشكيل القيادة وغرفة العمليات، خلال اجتماع عقده في بغداد الاربعاء قائد عمليات بغداد الفريق الركن عبد الأمير الشمري مع فريق الخبراء الأميركي.
وتأتي هذه التطورات في وقت قالت وزارة الدفاع الأميركية أنه لا يوجد قرار من الرئيس باراك أوباما بـ «شن ضربات جوية» على مواقع تابعة لتنظيمات مسلحة في العراق اجتاحت مناطق عدة شمالي العراق. وقال المتحدث باسم البنتاغون الأميرال جون كيربي إن بلاده تقوم بنحو 35 طلعة جوية استكشافية يوميا في الأجواء العراقية بهدف جمع معلومات استخباراتية عن التنظيمات المسلحة التي تقاتل ضد الجيش العراقي منذ أسابيع.
وجاء ذلك بالتزامن مع تصريحات أدلى بها مسؤولون في البيت الأبيض أشارت إلى أن الضربات العسكرية على مواقع لتنظيمات مسلحة مرتبط بالتزام القادة العراقيين بتشكيل حكومة وطنية.
وفي الاثناء أكد وزير الدفاع البريطاني فيليب هاموند أن بلاده لن تتدخل عسكرياً في العراق لحل الأزمة الدائرة هناك. وقال هاموند في تصريحات صحافية إن ما يحدث في العراق هو «أزمة داخلية» إلا أنه أكد أن لهذه الأزمة تداعيات خطيرة على المنطقة بأسرها.
وشدد هاموند على أن على الحكومة العراقية الحالية أن تتخطى الطائفية كي تتمكن من إيجاد حل للأزمة الراهنة.

استعادة منفذين
في آخر التقارير، أعلن المتحدث باسم الجيش العراقي، الفريق قاسم عطا، الثلاثاء، عن استعادة كامل السيطرة على منفذي طريبيل، الحدودي مع الأردن، والوليد على الحدود مع سوريا، بالتزامن مع الإعلان عن مقتل 19 «داعشياً» بغارة جوية في «بيجي» بتكريت. ولم يعرض عطا، خلال المؤتمر الصحفي اليومي، دليلاً على استعادة المنفذين الحدوديين بعدما سيطرت عليهما مليشيات «الدولة الإسلامية في العراق والشام» في وقت سابق.
وأوضح المتحدث إن «القوات الأمنية استعادت السيطرة تماماً على منفذي الوليد وطريبيل الحدوديين في محافظة الانبار» مؤكدا أن «العملية تمت بإسناد من العشائر»، وتسيطر «داعش» على نحو 70 في المائة من مناطق المحافظة، طبقاً لمصادر أمنية عراقية كما ذكر المصدر العسكري بأن الطريق بين بغداد وسامراء جرى تأمينها بشكل كامل، لافتاً إلى أن القوات الأمنية تواصل تقدمها التدريجي في سامراء.
ويتزامن التطور الميداني مع نفي السلطات العراقية سيطرة مليشيات «داعش» على مصفاة «بيجي» في تكريت، وتفنيد تقارير أشارت إلى استيلاء المسلحين عليها، ومقتل العشرات منهم خلال مواجهات عنيفة مع القوات الخاصة.

احمد الحسبان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق