الأسبوع الثقافي

ندوة: ايلي لحود يسّد الفراغ في ميدان المسرح

نظّم «نادي عمشيت» ندوة حول كتاب «تايم – أوت مسرحي» للمخرج الدكتور ايلي لحود، بداية لنشاطاته الثقافية المعلنة لهذا الشهر وهذه الفترة من السنة. اشترك فيها: الدكتور الياس الحاج – الدكتورة كارول زيادة العجمي – الفنان نبيل كرم – الاب جوزف الدكاش. البداية لعريف الحفل (نائب رئيس النادي) – بعد كلمة مقتضبة لرئيس النادي المهندس انطوان يونان – عرّف فيها ارنست سليمان مقدماً المنتدين تباعاً. باستطاعتي القول، ان الدكتور ايلي لحود هو عاشق المسرح بلا منازع. وهو يتعاطى مع هذا الفن النبيل، من ابواب عدة… ليس من باب الاخراج فحسب، بل ايضاً، من باب التأليف والاقتباس والترجمة، ومن باب التعليم والتدريب، ومن باب كشف النقاب عما غاب عن بال ارباب المسرح ورواده، وذلك كما فعل في كتابه الجديد «تايم – أوت مسرحي» الذي يسد الفراغ في هذا الميدان.

الدكتور الياس الحاج لفت الى ان اورفليس جبران، انبت نبي الحياة، واورفليس لحود اطلق من قمقم العقم نبي المسرح.
معتبراً، ان ايلي لحود، بجرأة يعرّف. بحكمة يُحلل. بحنكة يُحاضر ويُحاصر. بمنطق يحكم الاستقراء ويتحكم بالاستنتاج. وبفأس مسنونة لعبت بها السنون لعبتها، ينقض شرساً على مفاهيم واهية بالية، ليُلحدها تراب اللاقيامة! التقط هو الخواطر وسمّرها افكاراً نافرة على الورق. وقد جهر بأن المسرحي الحقيقي، لا يستريح ولا يهدأ.

مسرح يستشرف آفاقنا المستقبلية
يرى الياس الحاج، ان المسرح عرين الممثل، اذا غابت فيه وعنه المتعة، غاب الفن. والفن الاصيل هو فن مصفّح لا يُخترق بسهولة. والمسرح، يكون بمضامينه موسوعياً، او لا يكون. على النص ان يسري في جسد الممثل، فالجسد معمل الانين، كما في الزجاج الرنين.
مشيراً الى ان مسرح ايلي لحود، هو مسرح المعاندين، الرافضين للسائد والشائع والمتّبع، مسرح، يعرف سرّ التفرد، وجوهر الاختلاف، ويمعن في ابتكار المدهش. هو مسرح يستشرف آفاقنا المستقبلية. وبقدر ما يكون مرآة لنا، لا للمجتمع، بقدر ما يعكس سياسة اللحظة الراهنة، ويربطها بالبعد الانساني والحضاري، لا الايديولوجيات والاحزاب والملل والاديان وانظمة الحكم.
واخيراً، وصف الدكتور الياس الحاج الكتاب، بالاكاديمي الموضوعي، وواجب تعميمه على الجامعات والطلاب واساتذة المسرح.

عرش الابداع المتربع على سائر العروش
الدكتورة كارول زيادة العجمي استهلت كلامها بالقول، انه على الرغم من الرخاء والغناء اللذين اشتهرت بهما بيوت عائلة لحود، فضّل ابناؤها طريق الفن الوعرة والشاقة، واختاروا عرش الابداع المتربع على سائر العروش. فذاع صيت فرادتها، حتى اصبحت ملاذاً للمستشرقين الاجانب. منهم ارنست رينان الذي وجد في عمشيت الصفاء الذهني، الذي طالما كان ينشده لكتابة انجازه الادبي الابرز «حياة المسيح» وقد رافقته مرشدته واخته الكبرى هنرييت، التي عشقت عمشيت حتى الثمالة، وأبت الا ان ترقد تحت ترابها.
مشيرة الى انه من امام مشهد البحر الفينيقي المنسدل تحت قدمي بلدته عمشيت، تدرّبت مخيلة الدكتور لحود، الزاخرة بالكنوز الثقافية والصور الادبية، والقيم الاخلاقية، على الغوص فيه وسبر اغواره، قبل ان تشرّع اجنحتيها للصعود، والتحليق في رحاب اعماله المسرحية وكتاباته.

خريطة الطريق المؤدية الى المسرح
يقدّم الدكتور لحود في «تايم – أوت مسرحي» تاريخ المسرح، ومنهجيته، وادواته، وخريطة الطريق المؤدية اليه. وهو يعبّد للباحث القارىء طرقاته، كما يقدّم لنا أنموذجاً عن مسرحية «مدموازيل وردة» المقتبسة عن كاتب بريطاني، وهي من لبننته واخراجه. ويختم الكاتب بمداخلات اكاديمية تلقي الضوء على اشكاليات المسرح، وقد القيت في كلية الفنون سنة 2003، والمعهد العالي للدكتوراه سنة 2013، واثنتان في الندوات الرئيسية لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح سنة 1995 و2010.
وركّزت كارول العجمي في كلامها، على الجسد – النص، والنص – الجسد، ومما قالته، انه بأسلوب مثير يحترف التشويق، واحساس شاعري يعتمد على الصور، يصيغ الدكتور لحود قوانين المسرح من خلال التجارب المسرحية المختلفة…
وخلصت الدكتورة كارول العجمي الى القول، ان الدكتور ايلي لحود لم يكتف بالانتماء الاتني او اللغوي او الجيني، بل اغنى مكتبة لبنان محافظاً على وصية اجداده وأبيه، مؤكداً الانتماء الابداعي للابناء، لكي تبقى الانجازات الانسانية جواز العبور الحقيقي الى الآخرين، وجواز سفر كوني يؤسسه حامله بعرق الابداع وهوية اهل عمشيت الاصليين.

روح النكتة عند المؤلف
الفنان نبيل كرم يختار من الكتاب مقالاً بعنوان «القناع والحجاب» ويركز على شخصية «أيوب» خلال العشرة ايام الاخيرة من الحرب اللبنانية، التي يختم بها المؤلف الكتاب، ويبرز روح النكتة عند المؤلف كمسرحي متمرس.

صيحة في وجه كل اعوجاج
في رأي الاب جوزف الدكاش، ان كتاب «تايم – أوت مسرحي» يحمل احتفالية المسرح بمهمة شبه مستحيلة ليرصد في آن دور المشاهد ومسؤولية الفنان الممثل، بانتشالنا من ضجيج الحياة وصخبها ومن المتناقضات التي يعيشها انسان اليوم وهي شبه تمثيليات يومية متكررة، لاعبوها لا يجيدون التمثيل وغير قادرين على فرملتها ولو لبرهة…
معتبراً، ان هذا الآتي من ضياء الشمس وزرقة الموج، يحمل قنديله والزيت، ويدخلك في عالم المسرح، في محترفه او في اختباراته الفنية والمتنوعة، حيث يهب جياع الارض رغيف الفن، وعطاشها جرار الثقافة على ابداع وتعالٍ…
ويؤكد الاب الدكاش، ان المسرح في الاساس هو التعبير عن وجع او مشاركة في تأكيد هوية شعب مناضل، ثائر، وسائر نحو القممية والتعالي…  المؤلف المسرحي هو القادر على ايصال الحقيقة الى المشاهد في الزمان والمكان… هو الصيحة في وجه كل اعوجاج والوصول مع الجمهور العريض الى التحولات الكبرى في الشكل والمضمون… المسرح هو تأصّل وتجذّر في رسالة المثقف والأُمي على السواء… هو رصد للحضارات على مختلف فلسفاتها وميادينها وبلدانها. من اليونانية القديمة والمصرية والرومانية وعصر النهضة من اقصى المغرب الى اقصى المشرق…
وركز الاب جوزف الدكاش على النص وقدرته على انتاج الصورة، وعلى اهمية المؤلف في فن التمثيل واعداد الممثل، ويُبرز تجربة محترف عمشيت الرائدة التي خرّجت طلاباً مقدرين للدكتور لحود وحاملين وناشرين لرسالته.

كتاب التأمل في ماهيّة المسرح
وخلص الى القول، ان هذا الكتاب يحمل قرابين المسرح يوقظ في احشائنا كنوز الخير وكأنه الخبز المرقوق او شمائل القمح على بيادر الثقافة الهاربة من عندنا ولا بد عائدة… هو كتاب التأمل بامتياز في ماهية المسرح بعناصره وانسانه واشيائه كافة… هو وردة بلا شوك تحاول الريح ان تحطمها فترتجف الريح، هو صياح ديك لا لنكران او خيانة، بل ايقاظ المسرح وتحريره من كفن الموت المعيب، هو رجفة ضمير امام المستباحات من اخلاقياتنا، هو اعتراف لمحدودية الجهل وحرية المعرفة، هو تمرد على الفكر وللفكر…

حاجة الى بوح الفنان
في الختام كانت كلمة للمؤلف، شكر فيها المنتدين، والنادي، والجمهور، معتبراً ان الكتاب جاء على شكل ومضات، فالقارىء يمكنه ان يُبحر فيه لليلة واحدة، لتنوعه، وسرعة الصياغة فيه، لكن الرابط هو الزمن الذي يقتطعه رجل المسرح لنفسه بين فينة وفينة، او بين دورة ودورة، او بين جولة وجولة، حين لا يكون في قلب الفعل المسرحي او مخاضه. الكتاب هو الما قبل، او الما بعد، او الما بين بين، هو مرحلة التهيؤ للقفز، او فترة الصمت التعبيري، او لحظة التأمل، او زمن التقويم وابداء الرأي. زمن ما قبل الفعل، فأحياناً نقف، نرتاح، نستعيد انفاسنا، ننظر الى الوراء قليلاً، نرنو الى الافق والى المستقبل الآتي، نتأمل في ما انجزناه، نجاسب انفسنا، نمتحن قدراتنا، نحاول ان نخرج بنتائج، ان ننظر، ان ندوّن خلاصات. فزمن المحاسبة والتهيؤ ليس مراوحة بل هو شكل من ممارسة المهنة ايضاً…
خلص الى القول، ان الكتاب تدوين اشياء عابرة ممكن الا تلتقطها الصورة، او يلفظها الحجر او يحن اليها الوتر او تدعكها اللوحة بالوانها وخطوطها، نحن بحاجة ماسة الى بوح الفنان، وكذلك الباحث والصحافي والناقد والمعلّم… هم بأمس الحاجة الى ذلك.
وفي الختام، انتقل الجميع، من رجال دين ودنيا واقتصاد واجتماع وعسكريين واعلاميين، الى شرب نخب المناسبة، بينما شرع المؤلف في توقيع الكتاب.

اسكندر داغر

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق