رئيسيسياسة عربية

عاصفة تصريحات كيري لم تهدأ بعد… وتعكس تغييراً في السياسة الاميركية

هل ان تصريحات وزير الخارجية الاميركي جون كيري في بيروت التي وصل اليها في زيارة مفاجئة بعد غياب خمس سنوات من زيارة سلفه الوزيرة هيلاري كلينتون في نيسان (ابريل) 2009، تعكس تغييراً في السياسة الاميركية في المنطقة ام هي رسالة الى جهات دولية واقليمية ومحلية بعد الانتخابات الرئاسية السورية وفوز الرئيس بشارالاسد بولاية ثالثة؟

تركت دعوة كيري حزب الله وروسيا وايران العمل لوقف الحرب في سوريا، عاصفة سياسية بعد تضارب التفسيرات والتحاليل على الساحة اللبنانية. كما تركت التباساً حول الموقف الذي اطلقه الوزير كيري من بيروت، بعد تجاهل ادبيات اميركية اعتاد السياسيون في لبنان على سماعها، وهي تنطوي على مسلمات وثوابت للسياسة الاميركية حيال لبنان، منها تأييد اعلان بعبدا، وسياسة النأي بالنفس، والتزام القرارات الدولية واحترام تنفيذها، لا سيما 1701 و1559، وتفعيل دور المؤسسات لا سيما الامنية منها، لجهة حصرية السلاح بيد الشرعية، وتنفيذ كامل لاتفاق الطائف.
استنفرت مواقف كيري قوى 14 اذار التي سارع اركانها للاتصال بالسفارة الاميركية في بيروت مستوضحين  حقيقة الخطوة، بعدما ترافقت مع تأكيدات لقوى 8 اذار بان واشنطن غيرت سياستها وبالتالي تخلت عن حلفائها في ثورة الارز، وتصريح كيري اكبر دليل. واعتبرت ان موقف كيري طبيعي في سياق الامور وسياسة التغيير المرتقبة في منطقة الشرق الاوسط منذ الاتفاق الاميركي – الروسي، وامتناع واشنطن عن تنفيذ الضربة العسكرية على سوريا كما وعدت، لاستخدام النظام  السلاح الكيميائي في الحرب الدائرة في سوريا، وتسليم واشنطن باعلان النظام موافقته على تدمير السلاح الكيميائي تنفيذاً لقرار دولي. ووصل احتجاج قوى 14 اذار الى مسامع كيري الذي غادر لبنان بعد زيارة الخمس ساعات التي اجتمع خلالها مع رئيسي المجلس والحكومة والبطريرك الماروني الكاردينال بشاره بطرس الراعي، من دون ان يوضح حقيقة الموقف، رافضاً اصدار بيان توضيحي حول تصريحه من الادارة.

تحرك هيل
وسارع السفير الاميركي في لبنان ديفيد هيل، بناء على رغبة ادارته، الى زيارة الرئيس فؤاد السنيوره ووليد جنبلاط ولاحقاً الامانة العامة لقوى 14 اذار ليسلمهم «رسالة» اميركية تؤكد ان لا تغيير في الموقف الاميركي حيال لبنان وحلفائهم في ثورة الارز، وان تجاهل كيري ذكرالطائف، واعلان بعبدا، والقرار 1701، والمحكمة الدولية، وعدم لقاء اي قيادي من قوى 14 اذار، واسقاط صفة التنظيم الارهابي عن حزب الله، لا تعني تغييراً في السياسة الاميركية حيال لبنان، كما ابلغت اوساط السفارة من راجعها بشأن تصريح كيري. وان الزيارة مفاجئة تمت على عجل، بعدما رغبت واشنطن في ان ترسل من بيروت، وفي اليوم التالي للانتخابات السورية، رسالة الى النظام السوري والى القوى الدولية والاقليمية واللبنانية التي تدعم النظام، وتؤكد واشنطن من خلالها مسؤولية هذه القوى في استمرار الحرب في سوريا وقتل النظام وحلفائه الشعب السوري. واعتبر المراقبون ادراج الحزب في لائحة المسؤولين عن الحرب في سوريا يرمي الى تحميله مسؤولية عدم الاستقرار في لبنان الذي تعمل الادارة الاميركية على المحافظة عليه وعلى الامن، وان ارسال الحزب مقاتليه الى سوريا مخالف لاعلان بعبدا الذي وافق عليه ممثل الحزب النائب محمد رعد في هيئة الحوار، كما وافق عليه ايضاً حلفاء الحزب الرئيس نبيه بري والعماد ميشال عون وممثلو المكونات السياسية لقوى 8 اذار في هيئة الحوار، كما يخالف تورط الحزب في الحرب السورية سياسة النأي بالنفس التي اعتمدتها الحكومة التي يشارك فيها حزب الله.
وترى اوساط سياسية مراقبة، استناداً الى مصادر ديبلوماسية، في موقف كيري واقعية في التعاطي مع حزب معتبر تنظيماً ارهابياً، كونه امراً واقعاً وشريك النظام في الحرب السورية، ومسؤولاً عن زهق ارواح السوريين، وبالتالي فان التعاطي الاميركي معه يتم من هذا المنظار، خصوصا وان طابع زيارة كيري الى لبنان هو سوريا وليس اي ملف اخر. وعلى رغم امتعاض كيري من مواقف بعض اللبنانيين فقد اكد مسؤول في الخارجية الاميركية «ان نظرتها تجاه حزب الله لم تتغيير، فهو منظمة ارهابية. وان ارسال الحزب مقاتليه الى سوريا ينتهك اعلان بعبدا وسياسة النأي بالنفس تجاه سوريا.  ودعا الحزب الى سحب كل عناصره من سوريا مؤكداً ان الادارة كانت ولا تزال تطالب كل من يؤثر في الوضع السوري، بالتوصل الى حل سياسي ووقف عمليات النظام ضد شعبه. وفي زيارة لافتة الى مقر الامانة العامة لقوى 14 اذار انطوت على معان ودلالات، ابلغ السفير هيل هذه القوى ان الموقف الاميركي لم يتغيير من دعم «ثورة الارز» والمؤسسات الشرعية والقوى العسكرية والامنية واعلان بعبدا ودعم تنفيذ الطائف والقرارات الدولية ودعم المحكمة الدولية وكلها توفر مقومات الاستقرار. ان حزب الله مصنف كمنظمة ارهابية تلعب دوراً مدمراً في سوريا وينتهك التزامه اعلان بعبدا، وعلى الحزب سحب مقاتليه فوراً لان مشاركتهم تجر المتطرفين الى المنطقة، ويساهمون في انعدام الامن، كما جاء في بيان وزعته السفارة بعد الزيارة.

تطور نوعي
وعلى رغم البيان التوضيحي الاميركي، وتصريحات هيل بعد جولاته، لا سيما بعد زيارة مقر الامانة العامة لقوى 14 اذار، رأت اوساط سياسية قريبة من حزب الله في تصريحات كيري تطوراً نوعياً في الشكل والمضمون، وتفهماً لمشاركة الحزب في الحرب في سوريا، مما يعكس اشارة الى تحول تدريجي في الموقف الاميركي في المنطقة من الانفتاح على طالبان ولقاءات الدوحة التي تؤسس لشراكة سياسية لاحقاً عبر باكستان، الى اعطاء الضوء الاخضر للمصالحة الفلسطينية – الفلسطينية، الى مغازلة حماس من خلال التعاون مع الاخوان المسلمين، الى سقوط جدار العداوة والقطيعة بين الحزب والادارة وقيام تعاون استخباراتي اميركي – عربي – اقليمي – حزب الله، للتعاون لمواجهة الارهاب وتقاطع المعلومات في هذا الموضوع. وفي تقدير هذه الاوساط ان الادارة الاميركية لم تعد تحصر علاقاتها في لبنان بقوى 14 اذار، بدليل عدم لقاء كيري اياً من قادتها خلافاً لما حصل عندما زارت الوزيرة هيلاري كلينتون لبنان حيث اجتمعت مع قيادات من 14 اذار. لقد انطوت زيارة كيري على رسالة شديدة اللهجة للداخل للمحافظة على الامن والاستقرار، وعلى ضرورة انتخاب رئيس جديد، وعلى رسالة قوية الى سوريا بعد انتخابات «العار والمهزلة» كما وصفها كيري، موضحاً ان الاسد بعد انتهاء ولايته يصبح غير شرعي. وسأل كيري رئيس الحكومة تمام سلام عن خطة الحكومة في المرحلة المقبلة بعد الانتخابات السورية، وكيف ستتعاطى مع الازمة السورية، خصوصاً في موضوع اللاجئيين السوريين.
وتعترف اوساط سياسية في مكونات 8 اذار بان مواقف كيري ليست زلة لسان او خطأ في الترجمة، كما قالت اوساط السفارة وقوى 14 اذار، بل انها مواقف مقصودة. فكيري تلا بياناً مكتوباً ولم يرتجل المواقف. فلو لم يكن يريد ايصال رسالة الى الحزب لكان استخدم ادبيات الادارة في الحديث عن لبنان. فقد تعاطى مع الحزب كأمر واقع كونه مكوناً اساسياً في الحرب في سوريا تماماً كما هي روسيا وايران، لذلك اكد الامين العام لحزب الله حسن نصرالله في اطلالته الاخيرة على دور الحزب في الحرب السورية، وعلى ان لا حل من دون الرئيس بشار الاسد، لافتاً الى ان حزب الله اصبح رقماً صعباً في المنطقة له حضوره ولا يمكن لاي جهة تجاهله او تجاوزه. وتبقى تصريحات كيري في دائرة الاستفسار والتحليل. ولو لم يكن كيري يريد الالتباس والغموض لكان تولى شخصياً التوضيح. وترى اوساط مراقبة «تغييراً» في السياسة الاميركية منذ وصول الرئيس باراك اوباما وانفتاحه على روسيا وايران مؤخراً. وتتوقع اوساط 8 اذار ان يكون لبنان الساحة التي ستتأثر بالتغيير. وان افول نجم تأثيرالسفير جيفري فيلتمان على الساحة مع مجيء السفير ديفيد هيل، يعكس نهج الادارة الاميركية الجديد التي تعتمد نهج التفاوض والحوار لحل الازمات والابتعاد عن العنف،وتعمل الادارة على حل سلمي للازمة السورية من خلال الوصول اولاً الى وقف لاطلاق النار لتبدأ اجتماعات الحوار بين الافرقاء.

فيليب ابي عقل

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق