أبرز الأخبار

ليبيا: رفاق السلاح يؤيدون حفتر ومشروع انقلابي ناجح يواجه المد الاسلامي ويضبط ايقاع الشارع

التطورات المتسارعة للمشهد الليبي تؤكد ان ما يجري لا يمكن ان يصنف على اساس انه «نزوة» عابرة كتلك النزوات التي يشهدها الشارع، والتي تمارس بدون اية ضوابط، وتترك اثراً تدميرياً يطفو على سطح الثورة، ويخفي جمالياتها، المتمثلة باطاحة «نظام العقيد». وهي نزوات وممارسات دفعت بالبعض من الليبيين، والمتابعين من الخارج الى استذكار «العهد البائد» من بوابة الامن التي كانت سائدة.

المشهد بنسخته الراهنة، يتشكل من حالة فوضى متجذرة، يسود فيها حكم الميليشيات، وينعدم الامن بشكل كامل. اما التطورات الاخيرة، فيبدو انها تتشكل من مشروع عسكري عنوانه ضبط الايقاع، ومواجهة حالة الفلتان الامني وصولاً الى صيغة نظامية ابرز ملامحها انهاء حكم الميليشيات.
الا ان ذلك لا يلغي هدفاً آخر ليس بعيداً عن معالجة «الملف الميليشياوي»، من زاوية اسلامية. فالمد الاسلامي اصبح واضحاً للعيان، وبدأت جماعة الاخوان ومن يناصرها باستغلال حالة الفوضى والتشرذم، لتجذر حضورها، ولتسيطر على بعض المفاصل في الدولة الهشة.
ويبدو ان التطورات الاخيرة تراعي هذا البعد ضمن اهدافها التي باتت معلنة، والتي يقرأها البعض بانها ليست بعيدة عن التجربة المصرية.
ورغم الفوارق الكبيرة في تفاصيل المشهدين الليبي والمصري، الا ان بعض القراءات تربط بين السيسي وحفتر، وترى ان العنوان الرئيس الذي يسعى حفتر الى تحقيقه هو مواجهة المشروع الاسلامي، كجزء من محاربة الفوضى الميليشياوية التي باتت العنوان الابرز للمشهد الليبي باطاره العام وبكل تفاصيله، حيث تنتشر مئات الميليشيات في كل المدن والمناطق، وتتقاطع مع بعضها البعض، وتلتقي في مصالح احياناً، وتتقاطع في خلافات احياناً كثيرة، وتستنزف كل مقدرات الدولة، الا انها في الوقت نفسه تستجيب لتطلعات ومطالب الشارع الليبي الذي مل الفوضى وضاق ذرعا بكل الممارسات التي تكشف عن فقدان الامن بشكل كامل.

حملة عسكرية
فقد أعلن اللواء خليفة حفتر إطلاق حملة عسكرية ضد من يصفهم بالإرهابيين والتكفيريين، في إشارة إلى مجموعات إسلامية مسلحة، بعضها يتحالف مع الحكومة المؤقتة في طرابلس. واعلن حفتر تصميمه على مواصلة عمليته ضد «المجموعات الارهابية» في بنغازي غداة اشتباكات في المدينة الواقعة شرقاً اسفرت عن سقوط 24 قتيلاً.
ودعا حفتر الشعب الليبي كافة الى الالتحاق بـ «معركة الكرامة» ومساندتها لتطهير كل الاقاليم الليبية من «الارهاب الاسود». وناشد كل الضباط وضباط الصف والجنود العودة إلى معسكراتهم من أجل دعم معركة تطهير بنغازي من الخارجين عن القانون والتكفيريين. وأكد العقيد صقر آدم الجروشي، قائد القوات الجوية السابق وأحد قادة معركة الكرامة، فى تصريح لاحدى الفضائيات الليبية خبر انضمام القواعد الجوية لمعركة الجيش الوطني التى بدأت فجر الجمعة. وشدد العقيد الجروشي على أن المعركة ضد التطرف وعصابات الجريمة، ومن أجل تصحيح مسار الثورة. وأضاف: «نحن من ثوار 17 فبراير الأصليين، ونسعى من أجل تحقيق الديموقراطية، وحماية الشعب، ورد الكرامة لليبيا».
وفي السياق عينه، قال حفتر، في تصريحات صحفية، أن «عملية الكرامة» التي تشنها قوات عسكرية موالية له منذ الجمعة الماضي تهدف إلى تطهير ليبيا من المتطرفين وجماعة الإخوان المسلمين.
وتوعد حفتر بتقديم كبار مسؤولي المؤتمر الوطني العام والحكومة وجماعة الإخوان للمحاكمة في حال اعتقالهم بتهمة ارتكاب جرائم  ضد الشعب الليبي خلال فترة توليهم السلطة. وأضاف أنه يتمتع بتأييد قطاعات كبيرة في الجيش الليبي، وقال إن الطريقة التي قاد بها المؤتمر الوطني، الأمور في البلاد مؤخراً، هي التي أدت إلى دخولها  في نفق مظلم، واعتبر أن تطهير ليبيا من «الظلاميين والتكفيريين» واجب وطني.
وحول ما إذا كان يعتزم الترشح لرئاسة الجمهورية بعد انتهاء الأمر، قال «نحن نريد أن نؤمن بلادنا تأميناً حقيقياً لكي نعيش ويعيش جيراننا في  سلام حقيقي وأمن طبيعي، واكد انه لا ينظر إلى هذه العملية، في إطار ترشيح نفسه، تاركاً ذلك «للمستقبل».
وتتهم القوات الموالية لحفتر المؤتمر الوطني بدعم جماعات «إرهابية»، بينما يرد أعضاء في المؤتمر ومسؤولون في الحكومة باتهام قوات حفتر بالانقلاب على الثورة التي أطاحت بنظام القذافي.

تجميد المؤتمر الوطني
وكانت القوات الموالية للواء حفتر اقتحمت مقر المؤتمر الوطني قبل أن تعلن تجميد عمله ونقل سلطاته إلى لجنة صياغة الدستور (لجنة الستين)، بينما اقترحت الحكومة تجميد عمل المؤتمر لحين إجراء انتخابات برلمانية جديدة. الا ان الجدل يدور حول هذا المطلب لجهة ان تعطيله يعني تأجيل منح الثقة لرئيس الحكومة المنتخب حديثاً احمد معيتيق بضغط اسلاميين، اضافة الى مناقشة الموازنة للسنة المقبلة. غير ان التوقعات تشير الى تطورات مثيرة في هذا المجال، والى احتمالية اتخاذ قرار من قبل حفتر بتجميد كل مؤسسات الدولة، والاعداد الى مرحلة انتقالية.
ويعتقد محللون ان المشروع الجديد الذي يقوده اللواء المتقاعد خليفة حفتر، يمتلك قدراً كبيراً من مقومات النجاح، حيث اعلنت قطاعات واسعة من الجيش الليبي واجهزة الامن انضمامها للمشروع، والتسليم بقيادة حفتر الذي يعتقد انه حصل على كم من الاضواء الخضر من اطراف محلية واقليمية ودولية. والذي بدا واضحاً انه جاد في استكمال المشروع وصولاً الى انتخابات رئاسية وتشريعية، وتوفير اجواء آمنة لتلك الانتخابات. حيث حددت مفوضية الانتخابات الليبية 25 حزيران (يونيو) موعداً لانتخاب برلمان جديد يحل محل المؤتمر الوطني العام الذي يزداد الجدل بشانه، والذي دار جدل حول صلاحياته، في ضوء قرارات من مصادر عدة ابرزها الحكومة والجيش بتعطيل عمله، والذي ثارت شكوك حول شرعية قراراته في ضوء القرار الذي اتخذه بمد فترة ولايته.
والمؤتمر الوطني العام، الذي يعتبر اعلى سلطة سياسية وتشريعية في البلاد والذي يعتبر رئيسه رئيساً للدولة، يثير اعتراضاً شديداً ويتهم بالاسهام في زرع الفوضى في ليبيا ويعتبره مراقبون اساس الازمة في البلاد. ويعتقد البعض بان استمرار عمله الى حين اجراء الانتخابات يمكن ان يؤدي الى تشكيل مجلس جديد اكثر سوءاً من المجلس الحالي الذي تتنازعه المصالح، والذي بدأ يخضع لسلطة وهيمنة بعض التيارات وفي مقدمتها التيار الاسلامي الذي يفرض حضوره على المشهد رغم عدم تمتعه بالاغلبية.

التيار الاسلامي
وبحسب مصادر متابعة بدأ التيار الاسلامي الذي تتقدمه جماعة الاخوان المسلمين باستخدام وسائل الترغيب والترهيب من اجل الوصول الى اهدافه. ومن ذلك فرض رئيس جديد للوزراء، وممارسة ضغوط على شخصيات سياسية لابعادها عن الترشح لمواقع سياسية. واختطاف سياسيين لالزامهم بتوجهات معينة،واختطاف دبلوماسيين لمبادلة معتقلين يتبعون لتنظيماتهم.
والامثلة على ذلك كثيرة جداً، من بينها اختطاف السفير الاردني فواز العيطان، ومبادلته بشخص يدعى محمد الدرسي، ودبلوماسي تونسي لغاية المبادلة ايضاً. وتهديد عبدالله الثني، وارغام علي زيدان على الاستقالة، وغير ذلك من اجراءات.
وتعرض مقر المؤتمر الوطني الاحد لهجوم شنته مجموعات مسلحة نافذة في منطقة الزنتان تطالب بحله. وفي هذا السياق،عرضت الحكومة الموقتة منح «اجازة برلمانية» للمؤتمر الوطني لتجنيب «انزلاق» ليبيا الى «اقتتال داخلي».
الى ذلك، تشير معلومات متسربة من الاروقة الليبية الى ان مشروع اللواء حفتر حقق اولى خطوات النجاح، حيث اجمعت الوحدات العسكرية على إعلان تسميته قائداً أعلى للقوات المسلحة الليبية. وبينما لم يصدر أي تأكيد للقرار من جانب حفتر، أعلنت كل من رئاسة أركان القوات الجوية في ليبيا ووزارة الداخلية، انضمامهما إلى القوات الموالية لحفتر ضد الجماعات المسلحة في بنغازي. وطالب قائد القوات الجوية العميد جمعة العباني الشعب الليبي بدعم الجيش الوطني الليبي ببنغازي في هذه العملية.
وكانت إدارة الاستخبارات العسكرية قد أعلنت في وقت سابق، دخولها في ما اطلق عليه «معركة الكرامة» التي يتولاها الجيش الليبي بقيادة اللواء خليفة حفتر. ومثل ذلك اعلان كتيبة المشاة الأولى والقوات الخاصة والصاعقة، وقوات من طبرق الواقعة في أقصى الشرق، وبنغازي، حيث انضمت جميعها الى قيادة «الجيش الوطني الليبي» الذي يقوده حفتر. ونقلت تقارير عن شهود إن انفجارات ومعارك ضارية بأسلحة مضادة للطائرات سمعت بالقرب من معسكرين للجيش في العاصمة الليبية طرابلس في ساعة مبكرة يوم الأربعاء الفائت. ووقعت معارك ضارية بالقرب من معسكر للجيش في ضاحية تاجورا الشرقية. وشهدت العاصمة طرابلس حالة من الهدوء المشوب بالحذر بعد أن اقتحم رجال من قوات القعقاع والصواعق مقر المؤتمر الوطني العام (البرلمان) واشتبكوا لساعات مع جماعات مسلحة أخرى على طريق المطار.

الاسلاميون في طرابلس
وفي تطور خطير، وصلت قوات (درع ليبيا) الوسطى، المقربة من الإسلاميين التي تتخذ من مصراته شمالي غربي البلاد إلى مشارف العاصمة طرابلس، في محاولة لتأمين العاصمة بعد دعوة من المؤتمر الوطني العام (البرلمان) بهذا الخصوص.
وتزامن وصول القوة مع بيان أصدرته أكدت فيه أنها «ليست طرفاً» في الاستقطاب بين الجماعات المسلحة، الذي تشهده البلاد منذ أيام. وقالت القوة في بيان لها: «نؤكد أننا لسنا طرفاً في أي نزاع سياسي أو مسلح يدور في العاصمة طرابلس»، وحذرت من «المساس بالمدنيين»، وقالت إنها ستكون «سداً منيعاً» لحمايتهم.
ودعت القوة في البيان الذي حمل ترويسة وزارة الدفاع، ورئاسة هيئة الأركان للجيش الليبي، «جميع الأطراف المتنازعة في العاصمة إلى الاحتكام للعقل وتجنيب المدنيين مزيداً من إراقة الدماء»، مبدية استعدادها «للتواصل مع كل أطراف النزاع للوصول إلى طاولة الحوار».
الى ذلك، اكد المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا بشير الكبتي أنه وجماعته تحت مظلة القانون، نافياً اتهامات الإرهاب التي يوجهها لهم حفتر، واتهمه بأنه يحاول نسخ ما حدث في مصر بإعلانه تجميد عمل المؤتمر الوطني.
وقال الكبتي في تصريحات صحفية، ان قرار حفتر «تجميد عمل المؤتمر الوطني» يحاول نسخ شيء مماثل  لما حدث بمصر في ليبيا، لكنه شدد على استحالة مرور مثل هذا الأمر، خصوصاً وان الشعب الليبي  كله مسلح. ويكاد لا يخلو بيت من وجود سلاح. كما ان كل أنواع الأسلحة موجودة بالشارع، كاشفاً عن وجود ما بين 22 إلى 25 مليون قطعة سلاح بين يدي الناس.
ومن جانبها، اعلنت جماعة أنصار الشريعة الليبية، أنها «سترد على أي هجوم» من قوات اللواء خليفة حفتر، التي شنت هجمات على الجماعات المسلحة «المتشددة» في شرق ليبيا.
وأعلنت الجماعة المدرجة على لوائح الولايات المتحدة «الإرهابية» في بيان أن «خيار المواجهة أمر أصبح مفروضاً ومحتوماً، وبررت ذلك بـ «حماية المدينة». ووصفت حفتر بـ «الطاغوت» وحملته المسؤولية عن أي هجوم على المدينة.
واعتبرت الجماعة عملية اللواء حفتر بأنها «حرب على الإسلام» وعلى «من ينادي بإقامة الشريعة الإسلامية».

تحذير زيدان
وفي المقابل، حذر رئيس الحكومة الليبية السابق علي زيدان، من خطر التنظيمات الإسلامية على عملية إعادة بناء البلاد. وقال زيدان، الذي فرّ إلى ألمانيا بعد أن نزع البرلمان الليبي الثقة عنه، «إنه يستعد للعودة إلى بلاده قريباً جداً»، من أجل المساعدة على فرض النظام، ودحر التطرف بعد عامين ونصف العام على مقتل معمر القذافي.
وأضاف أن «ليبيا قد تصبح مقراً لتنظيم القاعدة تنطلق منها في أي عملية في إيطاليا وبريطانيا وفرنسا وإسبانيا والمغرب، وفي أي مكان»، مضيفاً أن «السلاح منتشر في كل مكان والذخيرة في كل مكان».
وأشار رئيس الحكومة الأسبق إلى أن تنظيمات، مثل القاعدة وجماعة الإخوان المسلمين، تستفيد من الانقسامات في المجتمع الليبي، مضيفاً، ان هذه الجماعات لا تريد أن تكون في ليبيا حكومة مدنية ودولة قانون، وانما يريدونها على صورة ما يجري في أفغانستان.

احمد الحسبان

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق