أبرز الأخبارتحقيق

صيدا تواصل ادهاشنا… اكتشاف فريد في متحف جديد

لم ولن تكف صيدا عن ادهاشنا، فالمدينة الفينيقية التاريخية تواصل ابهارنا عاماً بعد عام بمزيد من المكتشفات، بمزيد من الاسرار… نخالها لكأنها شهرزاد، تكشف عن بعض من قصتها  ولا تلبث ان تعلن للعالم، وبكثير من الاغواء، انها لم  ترو قصتها الكاملة بعد، وننتظر ونترقب، تاريخاً يتكشف عاما بعد عام،  بعد ستة عشر عاماً من أعمال تنقيب مثيرة في حفرية «الفرير» الاثرية في صيدا، وجديدها هذه السنة: اكتشاف جديد فريد من نوعه يعود تاريخه إلى القرن السادس قبل الميلاد، وبدء وضع اساس متحف وطني للآثار سيكون الاول من نوعه في الشرق الاوسط.
 


 

 

لم يعثر في لبنان على نموذج أو مكتشف اثري مماثل منذ بداية ستينيات القرن الماضي

 

هي ليست المرة الاولى منذ بدأ علماء الآثار حفر خنادقهم في موقع الفرير في صيدا قبل أكثر من ستة عشر عاماً، لكن بعثة التنقيب عن الآثار التابعة للمتحف البريطاني ، بالتعاون مع المديرية العامة للآثار في لبنان، عثرت مؤخراً على قطعة اثرية فريدة حقاً، هي عبارة عن تمثال لكاهن، طوله 115 سنتيمتراً يعود تاريخه الى القرن السادس قبل الميلاد.

اكتشاف اثري فريد
وتؤكد رئيسة بعثة المتحف البريطاني الدكتورة كلود ضومط سرحال أنه «لم يعثر في لبنان على نموذج أو مكتشف اثري مماثل لما اكتشفناه منذ بداية ستينيات القرن الماضي»، مشيرة إلى أنه «ليس هناك سوى ثلاثة نماذج أخرى مماثلة مصدرها صيدا وأم العمد وصور، وهي موجودة في متحف بيروت الوطني».
والتمثال المكتشف مؤخراً هو لرجل يقف وظهره الى عمود طويل مرتدياً إزاراً ذا ثنيات (شينتي) يتدلى من وسطه حزام ضيق يمتد من الخصر الى الحاشية وينتهي بنقش لثعبانين متضادين (اورائي). ذراعه اليسرى تتدلى على طول جسمه وتنتهي بقبضة تمسك بجسم اسطواني، يرجح ان تكون لفيفة ورقية او منديلاً. وهذه التفاصيل المستوحاة من الفن المصري يمكن رؤيتها في تماثيل معروضة في المعابد الفينيقية في قبرص كجزء من اطار ديني فينيقي اوسع.

المتحف الاول من نوعه في الشرق الاوسط

وتوضح الدكتورة ضومط ان عمليات التنقيب هذه السنة جرى توسيعها وتمديدها بشكل استثنائي لفترة ستة اشهر بدأت في كانون الثاني (يناير) تحضيراً لبناء متحف في الموقع، سيكون الاول من نوعه في الشرق الاوسط. وليس هناك شك في ان هذه القطعة النادرة ستحتل مكاناً محورياً في المتحف المزمع الذي سيستضيف ما يزيد عن 1200 قطعة اثرية في طبقته الاولى. وسيسمح للزوار بالنزول الى الموقع نفسه للتمتع بمشاهدة الاطلال، وان يروا بأنفسهم كيف حفظت التنقيبات تحت المتحف.
 وهذه الرحلة الرائعة عبر الزمن ستغطي نحو خمسة آلاف سنة من الاكتشافات تبدأ من نهاية الالفية الرابعة قبل المي
لاد وتنتهي بصيدا القرون الوسطى. ووفق ضومط “فقد أمكن بدء مشروع المتحف وتمديد عمليات التنقيب بفضل «الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية» وجهود الرئيس فؤاد السنيورة. ولا تزال «شركة الاسمنت الوطنية – ترابة السبع» و«مؤسسة الحريري» تموّلان عمل فريق علماء الآثار الاساسي الذي ضم جهوده الى الفريق الاوسع».

قصة التمثال
لكن قصة التمثال لم تنته هنا كما تؤكد ضومط. فبعد اهماله في القرن الثاني بعد الميلاد، اعاد الرومان استخدامه ووضعوه تحت سقيفة رخامية جميلة ليقفلوا به مصرفاً مائياً ثنائي الجدار. وهكذا عثر عليه ا
لمنقبون مقلوباً على وجهه. واضافة الى ذلك تظهر مجموعات مختلفة من صفين متوازيين من خمسة ثقوب محفورة في حجر الرملة، ان الرومان استخدموا ايضاً ظهر التمثال في لعبة «المنقلة»، وهي كلمة مأخوذة من الكلمة العربية «نقل».

ومحاصيل زراعية…
وشملت الاكتشافات المهمة الاخرى ثلاث غرف اضافية في مبنى عام من الالفية الثالثة كان يعتقد انه يضم عشر غرف فقط. واستخرجت من الارض ايضاً اكوام عدة من المحاصيل المحفوظة الى حد ما. كما عثر على مخزون من 200 كيلوغرام من قمح بري مشوي يدعى «اينكورن» (كلمة المانية تعني «وحيد الحبة») في غرفة للمؤونة مبنية من الطين. ويتوافق هذا مع اكتشافات سابقة لمخزونات كبيرة اخرى من القمح المدجن مثل قمح «ايمر» (اي «ثنائي الحبة»)، والشعير المشوي. وهناك اكتشاف مهم آخر هو البقول المفضل في صيدا، أي الفول الذي عثر على 160 كيلوغراماً منه. لكن حبوبه كانت اصغر بشكل لافت من الفول في ايامنا هذه.

 

 

رحلة رائعة عبر خمسة آلاف سنة من الاكتشافات تبدأ من نهاية الالفية الرابعة قبل الميلاد وتنتهي بصيدا القرون الوسطى

 


 

 

جرار ورفات… وطقوس دفن
كما عثر ايضاً على رفات 20 بالغاً وطفلاً دفنوا في قبور مبنية، وعلى جرار دفن فيها اطفال واولاد تعود الى الالفية الثانية قبل الميلاد. وخلال هذه الفترة كانت طقوس الدفن تشكل نشاطاً اجتماعياً مهماً وتشمل توزيع الطعام والأكل الى جانب المدفن تكريما للميت.

آلهة وجوههم نصف حيوان ونصف انسان
يذكر انه جرى اكتشاف الكثير من الآثار المهمة في حفرية الفرير، ابرزها سور صيدا القديم الذي يعتبر الحلقة الاخيرة من تاريخ صيدا الغابر والذي يشكل حلقة الوصل مع التاريخ الحديث بدءاً من القلعتين البحرية والبرية والمتعبد «الصيداوي» او «الصيدوني» اي هيكل او مجسم لانسان كامل – منقوش بالبلاستير، يظهر الوجه فيما اليدان مضمومتان الى الصدر احتراماً وتعبيراً عن «الطاعة والولاء».
وبي
ن المكتشفات، جرار عليها نقوش آلهة وجوههم نصف حيوان ونصف انسان، اضافة الى غرف ومستودعات القمح والشعير وسواها ونحو 114 مقبرة ومئات الجرار الفخارية التي تدل على كثافة المبادلات التجارية من لبنان الى اليونان، اضافة الى جرار من جزيرة «رودوس» ومنها «جرة» عليها «قرن ثور» وداخلها هيكل عظمي وعقد من الذهب والعقيق وحلق مزدوج من البرونز، ما اتاح فهم الطقوس المدفنية.
هو تاريخ صيدا يتكشف عاماً بعد عام، كما تقول رئيسة بعثة المتحف البريطاني الدكتورة كلود ضومط، ويثبت ان المدينة الاثرية لم ترو حتى الآن قصتها كاملة، مواصلة ادهاشنا بعد ست عشرة سنة من اعمال التنقيب.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق