الاقتصادمفكرة الأسبوع

اوروبا فوق برميل… الديون!

لم يعد خيار اليورو، في ظل التطورات النقدية والمالية العالمية عموماً والاوروبية خصوصاً، خارج دائرة النقاش في مختلف المحافل والاندية. وحتى ذهب البعض الى حد الدعوة الى التخلي عن العملة الموحدة والعودة الى العملات الوطنية، كما يتضمن الكتاب الجديد تحت عنوان: «تحطيم اليورو لانقاذ اوروبا»، الذي اصدره اربعة صحافيين اقتصاديين في باريس.

يتولى الكتاب القيام بجردة عامة للعملة الاوروبية الموحدة، ويعتبر ان اليورو ابتعد عن وعود الانطلاق. فهو لم يشكل عامل نمو اضافياً كما كان مؤملاً، وانما كان عامل مزيد من التباطؤ. وهو لم يسمح بتوافق الدول التي تبنته، لكنه ساعد على فرز الاقتصادات الاوروبية. وهو لم يبعد البطالة، بل ان الادارة المدمرة للازمة بواسطة التكنوقراط الاوروبيين عجلت وفاقمت الركود في الدول الاكثر تعرضاً. وبصورة لا ادارية تعد الشعوب الاوروبية اليوم كل حبة في سبحة الوعود التي لم تنفذ.

مقارنة
ويجري واضعو الكتاب مقارنة على فترة طويلة بين اداء الدول التي تبنت اليورو، والدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي التي لم تستقل قطار العملة الموحدة، اي بريطانيا والدانمارك والسويد. فمن 1992 حتى 1998، بلغ معدل النمو السنوي في منطقة اليورو 1،8٪ في مقابل 2،7٪ في الدول غير الاعضاء. ولم يغير تثبيت اسعار الصرف اي شيء منذ العام 1999. وبين 1999 و2008 سجلت دول اليورو نمواً سنوياً متوسطاً بلغ 1،9٪ في مقابل 2،5٪ في الفئة الثانية.
لقد ضربت ازمة 2008 الكبرى التي انطلقت من الولايات المتحدة، منطقة اليورو بقساوة، وكأنها تكشف عن هشاشة هذا النقد. ومنذ 2009 وحتى 2013 سجلت منطقة اليورو في مجموعها انخفاضاً في الثروة الوطنية بنسبة 0،4٪ سنوياً في مقابل ارتفاع بنسبة 0،2٪ في الدول غير الاعضاء. ويعتبر الكتاب «ان الحقيقة الاحصائية مفجعة»، خصوصاً في ما يتعلق باعداد الملايين من العاطلين عن العمل. وفي مجال التوظيف ايضاً تبدو الآمال مخيبة. فمعدل البطالة في منطقة اليورو يقترب من 8،5٪ في الفترة الممتدة من 1999 وحتى 2008، وتناهز اليوم 12،5٪ من القوى العاملة، وهذا رقم قياسي. في حين ان معدل البطالة في الدول غير الاعضاء كان ادنى، ولم يقفز عن 5٪ قبل الازمة وهو اليوم في حدود 7،5٪.

عملة مشتركة
وللخروج من مأزق اليورو يقترح الكتاب استبدال العملة الموحدة بعملة مشتركة على غرار وحدات السحب الخاصة (SME). غير ان العودة الى هذه الاخيرة لن تحمي العملات الاوروبية من غريزة مضاربات السماسرة، وتحدد العملات الوطنية الاوروبية قياساً مع اليورو ووفق سعر قطع ثابت لكنه قابل للتصحيح. وفي المقابل فان التحويل الداخلي بين العملات الوطنية الاوروبية يتم حصراً في البنك المركزي الاوروبي بالاسعار الثابتة الرائجة. اما التحويل «الخارجي» بين اليورو – الفرنك الفرنسي والدولار فيتم في مرحلتين اولاهما على شباك البنك المركزي الاوروبي بالسعر الثابت اليورو – الفرنك/اليورو، والثانية التحويل في سوق اليورو/الدولار. وهكذا يستمر اليورو معوماً في اسواق القطع الدولية، لكن سعره ثابت نسبياً.
ولا يمكن ان يتم التحويل المباشر بين العملات: فاليورو – الفرنك لا يمكن تحويله لا الى يورو – مارك، ولا الى دولار، لانه يخضع بالدرجة الاولى للتحويل بسعر ثابت لليورو. وبمعنى آخر لن يعود هناك سوق قطع بين الدول الاوروبية تبقى العملات الوطنية عائمة فيها. ويتسبب هذا النظام بنوع من الاستقرار الداخلي بين العملات قريب من الاستقرار الذي تؤمنه العملة الموحدة حالياً. نظام قواعد مستوحى من مشروع لـ «كينز» يتولى على الدوام تصحيح اسعار الصرف بين دول العجز ودول الفائض. وهكذا فان تجاوز بعض العتبات للعجز الجاري سيسمح للدول الاعضاء المعنيةباللجوء الى خفض قيمة عملاتها بالنسبة الى اليورو. غير ان تجاوز الفائض بعض العتبات سيضطر الدول المعنية لرفع سعر عملتها.

الديون بعد اليورو
قد يظن البعض ان خروج فرنسا من اليورو قد يقضي على الديون، كما قال المؤلفون الاربعة، لكن النائب الفرنسي مارن بينوا لجأ الى «حساب صغير وبسيط جداً» كما قال: «الدين الفرنسي يرتفع الى 2000 مليار يورو، 1300 مليار منه في حوزة مستثمرين اجانب. فالخروج من اليورو الآن الى فرنك ذي سعر صرف منخفض 45٪، سيزيد من اعباء هذا الدين من خلال تسديد 400 مليار يورو اضافية بين ليلة وضحاها».. ومع ذلك، وباسم مبدأ السيادة النقدية الذي يعتمده القانون الانكليزي، بامكان اي دولة ان تعدل في قيمة ديونها من دون التعرض للقيمة الاسمية. وهذا ما يؤكده العالم الفرنسي جان بودان على طريقته في القرن السادس عشر بقوله: «الطبيعة تصنع المعادن والملك يصنع العملة». لكن يجب الانتظار حتى العام 1929 حتى يتكرس هذا المبدأ قانونياً، ويعترف لكل دولة بـ «حق تحديد عملاتها بنفسها». وبالفعل، لجأت حكومات عدة لاجراء تحويرات في عملاتها. وهذا ما ينطبق على الولايات المتحدة في 15 اب (اغسطس) عندما قرر الرئيس ريتشارد نيكسون بمفرده تعليق معادلة تحويل الدولار الى ذهب، المكفولة لجميع الدائنين على اساس 35 دولاراً للاونصة الواحدة.

فشل اليورو كدس الديون
يعتبر الخبراء ان ازمة الديون الاوروبية المتعاظمة تكمن في فشل العملة الموحدة التي تربط بين 17 دولة اوروبية «بطريقة حميمة ولكن معيبة»، على حد قول احد هؤلاء الخبراء. خلال السنوات الثلاث الماضية، وقفت اليونان والبرتغال وايرلندا وايطاليا واسبانيا كلها على حافة الانهيار المالي مهددة بانهيار القارة بأكملها وباقي انحاء العالم، ومذكرة بحروب الداخل الاوروبي والتي اعاقت عملية التبادل التجاري بين بلدان القارة الى ان جاءت الحرب العالمية الثانية التي بلغت الحاجة في نهايتها الى فتح الحدود الاوروبية على بعضها، فالغيت الرسوم الحمركية وسهلت عمليات التبادل وتحرك معظم الدول نحو الوحدة الاقتصادية فالوحدة النقدية التي لم تحظ حتى الآن بالاطمئنان اليها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق