صحة

مريض هيمو؟… هيمو… فيليا؟ هيموفيليا… إضحك تضحك لك الدنيا!

هيمو… هيمو شو؟ هيمو… فيليا؟ هيموفيليا؟ تحاول إمرأة في المقلب الثاني من العمرِ تهجئة إسم مرض الهيموفيليا عبثاً. الإسم في ذاتِهِ صعب فماذا عن واقعه؟ ماذا عن مرض الهيموفيليا؟ هل هو جديد؟ طارىء؟ هل وُلد منذ بدأنا نسمع به منذ عامين أو ثلاثة؟ من يُصيب؟ وماذا يعني أن يكون الإنسان مريض هيموفيليا؟
«كل مصاب هو بطل». شعارٌ يستحقه مريض الهيموفيليا رُفع باسمِهِ هذا العام… فماذا في حكايات بطولات هؤلاء المصابين؟ وهل أبطال مرض الهيموفيليا مثل أبطال المسلسلات التركية يعيشون جلجلة طويلة طويلة لكن في النهاية، إذا ناسبتهم الظروف، يسعدون؟

يوم شعر باسل مولايا أن علاقته مع الفتاة، مع حبيبته، باتت جدية جداً، قرر أن يعترف لها فهمس في أذنيها: أريد أن أخبرك قبل ارتباطنا رسمياً بشيء ما، بشيء أساسي عن حالتي قد يُبعدك عني أو قد يُقربك أكثر. نظرت في عينيه، في عمق عينيه، مطالبة بإلحاح أن تعرف. دنا منها أكثر وقال: أنا مصاب بالهيموفيليا! ابتعدت عنه، خافت، وضعت كفها على فمِها، بلعت ريقها ورددت كلمات مبعثرة: إي؟ شو؟ هيمو شو؟ وهل إصابتك تعدي؟ لم تكن تعرف شيئاً عن الهيموفيليا فأخبرها كل شيء، كل كل شيء، وها هما اليوم زوجان بالسراء والضراء.
باسل، ابن 23 عاماً، يعاني منذ 23 عاماً، أي منذ الولادة من مرض الهيموفيليا، وشقيقه الصغير مصاب أيضاً مثله. أنطونيوس مصاب هو أيضاً بالمرض مع شقيقيه. فهل معنى هذا أن المرض وراثي؟ هل ورثوه عن الوالد؟ الوالدة؟ عن الجد والجدة؟ وماذا يعني أن يُصاب كل أفراد البيت بالمرض؟ كيف يتعايشون معه؟ ولماذا كل من رأيناهم أمس، في مكاتب «نوفو نورديسك» الحاملة همّ مرضى الهيموفيليا، هم من الذكور؟

كل مصاب بطل
ريتا صفير، المديرة العامة لشركة نوفو نورديسك في لبنان وقفت أمام عشرات المصابين لتعلن أن كل شخص مصاب بطل، نعم بطل في تقديمه كل يوم شهادة حياة، وفي سعيه من أجل تأمين العلاج وفي إصراره على مواجهة تحديات الإصابة.
فماذا
في تفاصيل تلك الإصابة التي قد تجعل من حاملها بطلاً؟
عضو
لجنة الجمعية اللبنانية للهيموفيليا الإختصاصية في أمراض الدم الدكتورة كلوديا خياط حكت عن المرض، عن حامليه، وعن هدف الجمعية التي ترأسها صولونج صقر ومن التفاصيل خرجنا بتفاصيل: الهيموفيليا هي مرض وراثي كناية عن إضطراب نادر في الدم يؤدي الى عدم تخثره طبيعياً وهي تظهر، في ثلث حالاتها، فجأة لدى العائلات التي لم تُسجل فيها أي إصابات سابقة، يعني قد يولد فجأة طفل مصاب من أبوين سليمين، وتشير  الأرقام الى أن ثلاثة أطفال من أصل كل عشرة أطفال مصابين يولدون في عائلات ليس لديها تاريخ مع الهيموفيليا. ويصيب المرض عادة الذكور فقط من أم تحمل الجينة المعيبة مع بعض الإستثناءات النادرة التي قد تُصاب فيها فتيات.
إذا كان السبب الرئيسي للإصابة وراثياً فأي أسباب إضافية قد تتضافر في تكوين جنين مصاب؟
إصابة الحامل بطفرة جينية خلال فترة الحمل قد تؤدي الى إصابة جنينها بالهيموفيليا، حتى لو لم يكن هناك تاريخ عائلي مع هذا المرض، وفي هذه الحال تكون الأم هي الشخص الأول الذي يحمل
المرض في العائلة… وربما يكون المرض موجوداً أساساً في العائلة منذ أجيال، من دون أن تتأتى عنه أعراض وعلامات فترة طويلة، فيخال عندها المصاب الجديد، من جيل آخر، أنه أول المصابين في العائلة.

الذكور الاكثر اصابة
أيُ عائلات تُصاب عادة؟ وهل هناك شعوب معرضة أكثر من شعوب؟

الثابت طبياً أن هذا النوع من الأمراض قد يصيب الناس من كل الجنسيات والأصول والألوان، السود والبيض والصفر، مع فارق أنه يصيب الجنس الخشن كما سبق وقلنا أكثر من الجنس اللطيف، وتكون إصابات الذكور من النوع الشديد، الذي لا يصيب الإناث إلا إذا تحدرنّ من بيوتٍ الأب فيها مصاب والأم تحمل المرض وهذا أمرٌ شبه نادر.
يفتقر المصابون بشكل كامل أو جزئي الى إحدى البروتينات الضرورية لتخثر الدم بصورة طبيعية وتُعرف «بعامل التخثر»! ماذا يعني هذا؟ هذا يعني أنه حين تتعرض الأوعية الدموية للإصابة تُساعد عوامل التخثر صفائح الدم على التماسك ليلتحم الجرح في مكان الإصابة وبالتالي وقف النزيف، وبما أن مرضى الهيموفيليا يفتقرون الى عامل التخثر فيحتاجون الى حقنهم بهذا العامل الناقص من أجل وقف النزيف.
كل هذا الترداد لكلمة «تخثر» يدفعنا الى السؤال أكثر عن أهمية ميكانيكية تخثر الدم في الأجسام السليمة؟
ثمة من يُطلق على عملية التخثر التجلط، وهي عملية داخلية معقدة، تسمح بإيقاف النزيف الذي يصيب الأوعية الدموية، إثر تعرضها الى جروح، وتنشط هنا، في هذه العملية، البروتينات في تكوين تجلط يُقفل فتحات الجروح، ما يساعد على اندمالها. وتتشكل هذه العملية «طبيعياً» من أربع مراحل: تتقلص في المرحلة الأولى الأوعية الدموية، ما يساعد في إبطاء تدفق الدم الى المنطقة المصابة، ويطلق على هذه العملية: انقباض الأوعية.
تلي هذه المرحلة تحرك الصفائح الدموية التي هي عبارة عن خلايا صغيرة جداً، تنتقل بسرعة الى موقع الإصابة، وتلعب هذه الصفائح دوراً أساسياً في وقف النزيف وعلاج الأوعية المصابة. ويطلق على هذه العملية: التصاق الصفائح.
وننتقل الى مرحلة ثالثة ترسل فيها الصفائح إشارات كيميائية تحث فيها الصفائح الدموية الأخرى وعوامل التخثر على المساعدة، فتتجمع في الموقع المصاب وتسده. وتطلق على هذه العملية تسمية: تكدس الصفائح.
ونصل الى مرحلة رابعة وأخيرة يُشكل خلالها سطح الصفائح النشطة مكاناً مناسباً جداً لحدوث الجلطة. ويطلق على هذه العملية اسم: حاجز التخثر.
انها، في اختصار، عملية ميكانيكية طبيعية وأي خلل يصيبها يتسبب بمشكلات مختلفة الهيموفيليا أحد أنواعها.

النجدة!
ماذا لو لم يتمكن المريض من الحصول على «عامل التخثر» الناقص؟

هذا هو الأسوأ: عدم الحصول على عامل التخثر المطلوب، الباهظ الثمن، وهو ما تتكفل وزارة الصحة بتأمينه لكن بما أنه ليس كل ما يتمناه المرء يدركه لا يحصل كل حملة الهيموفيليا على ما يحتاجون اليه من علاج شهرياً، ما يدفع الى طلب نجدة الجمعية اللبنانية للهيموفيليا… لكن ماذا قد يحصل إذا لم يجد المصاب ما يحتاج من علاج؟
تُقدر الإصابات باضطرابات تخثر الدم في لبنان بخمسمئة إنسان (ينضوي تحت لواء الجمعية 350 منهم) ونصف هؤلاء، للأسف، دون سن الرشد، أي لم يبلغوا بعد العشرين من عمرهم. ويعاني نحو ستين في المئة منهم من إعاقات شديدة نتيجة عدم توافر العلاج الكافي والنقص في التوعية الصحية، وبات يحتاج بعض هؤلاء الى التنقل بواسطة كرسي نقال. وفي هذا الإطار تقول الدكتورة خياط: أنه إذا لم تتم معالجة الهيموفيليا بسرعة، قد تتسبب بآلام حادة وأذى كبير في المفاصل، قد يتأتى عنهم عجز وظيفي ونزيف داخلي يهدد حياة المصاب، وفي المقابل إذا عولج المصاب باكراً، بطريقة ملائمة، يمكنه أن يعيش حياة طبيعية جداً.
شعار من يهتمون اليوم بالهيموفيليين: تبديل الآفاق… فهل هذا متاح؟ هل هذا ممكن؟
من يُتابع حراك الجمعية اللبنانية للهيموفيليا ونوفو نورديسك في هذا الإطار يدرك أن النظرة تتغير والوعي يكبر والشغف في مدّ يد الحب الى المصابين موجود… وماذا بعد؟
من يستمع الى باسم مولايا وهو يتحدث عن محاولاته الحثيثة للتخفيف من نسبة استهلاكه لعامل التخثر من أجل الإحتفاظ بالإبر لشقيقه الأصغر يُدرك مقدار الحب الذي يولد في نفوس المصابين تجاه بعضهم البعض، فليس سهلاً أبداً على طفل أو شاب أو حتى ناضج في لغة العمر أن يناموا أصحاء ويستفيقوا بجرح ينزف في مفاصلهم! ليس سهلاً أبداً أن يضطر «بطل» من «أبطال» الهيموفيليا الى أن يعيش كل العمر وهو في انتظار الشريان الذي سيفقع فيه شلش أو يحصل فيه جرح أو ورم أو يباس… والحل؟ الحل في تأمين العلاج أولاً وفي الوعي دائماً وهذا ما نجح فيه باسم الذي يقول حين يُسأل عما به: هو حالتي الدائمة هو صديقي الهيموفيليا. إنه حالة لا مرض.
أكثر ما يؤلم أنطونيوس، وهو الشقيق الأكبر لثلاثة صبيان مصابين، أن يسمع كلما قصد تقديم طلب عمل سيمفونية: ما عنا مطرح للمعاقين! ويقول: قررت مواجهة المجتمع والإنتقام للمرضى المصابين من خلال خلق طاقة ايجابية في داخلي، في أعماقي، لإفهام العالم أننا مثل كل الآخرين لنا الحق في الحياة، علينا الإنتباه أكثر، علينا إتباع الإرشادات الطبية، ويمكننا الحياة. وليعلم كل المصابين أن الإستسلام والإكتئاب يؤثران سلباً على الهيموفيليين.
هيموفيلي؟ إضحك أيها البطل تضحك لك الدنيا…

نوال نصر
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق