دولياتعالم

اوكرانيا تشتعل: قلق روسي، وتلويح غربي بعقوبات اضافية

مرة اخرى تدخل الازمة الاوكرانية مرحلة التحشيد، وسط توقعات بان الازمة المتصاعدة ستبلغ ذروتها قريباً جداً، وبحيث تتحول المنطقة كلها الى كم من الجمر المشتعل، الذي ستمتد آثاره الى محيط تلك المنطقة ضمن حراك اقل ما يمكن ان يوصف به انه محاولة لاعادة ترتيب تلك المنطقة وفقاً لاسس جديدة تلامس صورة الاتحاد السوفياتي، وتبتعد قليلاً عن النمط الغربي.

غير ان تلك الرؤية قد لا تكون دقيقة مائة بالمائة، بحكم وجود تقاطعات لا يستهان بثقلها على تلك الساحة، ما يعني صراعاً بين الشرق والغرب. وبين محاولات اسعادة الصولجان السوفياتي تحت اسم روسيا، واستمرار المشروع الغربي الذي يحاول البقاء بجوار الدب الروسي املاً بضبط اية ايقاعات من شأنها ان تعيد النظر بخريطة المنطقة.
الصراع الذي اتخذ شكل الحرب الباردة، خرج عن ذلك الاطار، وتحول الى مواجهات حقيقية، بعضها على شكل بارود وقصف وقتل وتدمير، وبعضها على اشكال اخرى من بينها العقوبات والتلويح والتخطيط وغير ذلك. الا ان المحصلة كانت مواجهات داخلية في بعض مناطق اوكرانيا، وصراعات نفوذ بين الغرب والشرق الى غير ذلك من ممارسات وضعت البلاد على شفا الهاوية، وسط توقعات بأن ساعة الانزلاق لن تكون بعيدة.
وبينما تشير التقارير الواردة من اوكرانيا الى ان بعض المناطق تواصل الاشتعال، وان العنف يسيطر على مختلف انحاء البلاد، سيطر القلق على الكرملين الذي بات يرى ان حسم الامور اصبح ضرورة ملحة، وان ما سبق اتخاذه من اجراءات في منطقة القرم كان صواباً.

قلق بالغ
وفي السياق عبر ديمتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين في مؤتمر صحفي عما تفكر به القيادة الروسية، حيث اشار الى ان الرئيس بوتين يمر في حالة قلق بالغ إزاء ما يحدث من تطورات على الساحة الاوكرانية، ومن طريقة تفسير المجتمع الدولي لهذه الأحداث. وزاد على ذلك بالتأكيد ان بوتين في غاية الامتعاض مما اسماه «تصرفات سلطات كييف» واصفاً ما تقوم به بانه «عمل إجرامي». وفي الوقت نفسه اكد بيسكوف ان بوتين يشعر ببالغ التعاطف والأسى على ضحايا «العملية العقابية» التي تجريها سلطات كييف في هذه المناطق.
وكشف بيسكوف أن الرئيس بوتين يتلقى تقارير على مدار الساعة حول تطورات الأحداث جنوب شرق أوكرانيا من جميع الأجهزة المعنية، بل وحتى من وسائل الإعلام. كما يتلقى الكرملين آلاف المكالمات الهاتفية من جنوب شرق أوكرانيا. وخلص الى التأكيد على ان محصلة تلك التقارير والاتصالات تؤشر على ان الوضع في جنوب شرق اوكرانيا مروع، وان السكان هناك بحاجة الى مساعدة.
واعتبر بيسكوف أنه لا أحد – لا روسيا ولا أي دولة أخرى – تستطيع بعد الآن أن تؤثر على قرار سكان جنوب أوكرانيا الذين استشعروا خطراً على حياتهم. وشدد على انه من غير الممكن إقناع «هؤلاء الناس» بإلقاء السلاح على خلفية التهديدات المباشرة لحياتهم من قبل المتطرفين والقوميين والقوات المسلحة التي تنفذ أوامر وصفها بانها «إجرامية وتقتل شعبها».
في السياق نفسه اعتبر بيسكوف أن «موسكو لا تستطيع منفردة بمعزل عن الحوار مع شركائها الأوروبيين تسوية الأزمة السياسية الداخلية في أوكرانيا».
كما اعتبر بيسكوف أن ما يحدث في جنوب شرق أوكرانيا يؤكد مرة أخرى صوابية موقف روسيا حيال شبه جزيرة القرم. مشيراً الى انه «لو لم يتخذ  بوتين موقفاً حازماً، ولو أن سكان القرم لم يصوتوا لصالح الانضمام إلى روسيا لكنا شهدنا إراقة دماء كما في جنوب شرق أوكرانيا».

اشتباكات وقتلى
وفي الاثناء كشفت مصادر متابعة ان عشرات القتلى سقطوا في اشتباكات بالشوارع في جنوب أوكرانيا بين جماعات موالية ومعارضة لروسيا وانتهى الأمر بحصار موالين لموسكو في مبنى اشتعلت فيه النيران.
وأطلق موالون لروسيا في شرق أوكرانيا سراح سبعة مراقبين عسكريين أوروبيين بعدما احتجزوهم ثمانية أيام في حين مضت كييف في عملية عسكرية تستهدف انتزاع السيطرة على المنطقة من الموالين لروسيا.
ووسعت الاشتباكات أيضاً نطاق العنف من معقل الانفصاليين في شرق أوكرانيا الى منطقة بعيدة عن الحدود مع روسيا مما ينذر بتفشي الاضطرابات على نطاق أكبر.
ووضع أشخاص الزهور بالقرب من الأبواب المحترقة لمبنى نقابة العمال وأضاءوا الشموع ووضعوا أعلام البلدة. واختفت ملامح مخيم محترق لمتظاهرين موالين لروسيا في مكان قريب. وتحدث البعض عن الذعر الذي أصابهم بسبب ما حدث.
من ناحية أخرى، قال جهاز الأمن في أوكرانيا إن جماعات مسلحة من منطقة تراسدنيستريا الانفصالية في مولدوفا ومجموعات روسية تعمل على تأجيج اضطرابات في مدينة أوديسا الجنوبية.
ووقعت الأحداث الدامية في أوديسا في اليوم الذي اتخذت فيه حكومة كييف كبرى خطواتها لتأكيد سيطرتها على مناطق الانفصاليين في الشرق بعدما أعلن الانفصاليون قيام «جمهورية دونيتسك الشعبية».
ويريد الانفصاليون في الشرق إجراء استفتاء يوم 11 ايار (مايو) على الانفصال عن أوكرانيا على غرار استفتاء أجرته شبه جزيرة القرم وانضمت بعده الى روسيا.
وأسقط انفصاليون في بلدة سلافيانسك الشرقية طائرتي هليكوبتر أوكرانيتين وقتلوا اثنين من الطاقم وعرقلوا تقدما للقوات الاوكرانية في عربات مصفحة. وقالت الحكومة إنها مستمرة في العملية بشرق البلاد لليوم الثاني.
وقال وزير الداخلية ارسين افاكوف أن القوات الاوكرانية فرضت سيطرتها على برج بث تلفزيوني في كراماتورسك قرب سلافيانسك وأن المرحلة النشطة من العملية استمرت في الفجر.
وكانت وسائل إعلام روسية أفادت بأن قتالاً يدور قرب كراماتورسك، ونقلت عن مصادر طبية ان عدداً من الاشخاص قتلوا وجرحوا أثناء تقدم القوات الاوكرانية في البلدة.
وقال رئيس مركز مكافحة الإرهاب في أوكرانيا فاسيل كروتوف إن قتالاً عنيفاً دار في البلدة الواقعة جنوبي سلافيانسك معقل انفصاليين موالين لروسيا.
وذكرت الداخلية الاوكرانية أن قوات أوكرانية استعادت السيطرة على مقر أمني في البلدة.
وألقى العنف في أوديسا بظلاله على العملية العسكرية في الشرق. وشهدت البلدة بعض التأييد للانفصاليين لكنه لم يصل الى حجم اشتباكات.
وقال بيترو لوتسيوك قائد الشرطة المحلية ان أكثر من 130 شخصاً اعتقلوا وقد يواجهون اتهامات من ارتكاب أعمال شغب الى الشروع في قتل.

عقوبات جديدة
في الاثناء، توعد الرئيس الاميركي باراك اوباما والمستشارة الالمانية انغيلا ميركل روسيا بعقوبات جديدة تستهدف مباشرة بعض القطاعات الاقتصادية اذا تفاقم الوضع في اوكرانيا.
وحذر اوباما في مؤتمر صحفي مشترك مع ميركل، موسكو من عقوبات جديدة اذا حدثت عرقلة للانتخابات المقرر تنظيمها في اوكرانيا في 25 ايار (مايو) الحالي مضيفاً انه والحالة هذه لن يكون امامنا سوى فرض عقوبات قاسية جديدة.
من جانبها حذرت ميركل من ان اوروبا على استعداد للانتقال الى «المرحلة 3» من العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا والتي تعارضها مؤسسات عدة.
وتتعلق «المرحلة 2» بعقوبات تستهدف افراداً في حين تستهدف «المرحلة 3» القطاعات الاقتصادية.
وكان الاتحاد الاوروبي اضاف اسماء 15 مسؤولاً روسياً واوكرانياً الى قائمة الاشخاص الخاضعين للعقوبات. الا ان بعض العواصم الاوروبية تريد الذهاب الى ما هو ابعد، وتحديداً الى تشديد الضغط على موسكو.
كما اقرت واشنطن الاثنين عقوبات اوسع تستهدف خصوصاً كيانات ومقربين من فلاديمير بوتين مثل ايغور ستشين مستشاره للطاقة او سيرغي تشيميزوف رئيس مجلس ادارة مجموعة روستيك التكنولوجية. الا ان الزعيمين كررا رغبتهما في التوصل الى تسوية سياسية.
وفي الاثناء، عرض الامين العام للامم المتحدة بان كي مون التوسط لانهاء الازمة المتصاعدة هناك. ودعا بان كي مون من ابو ظبي اطراف الازمة الاوكرانية الى «حل هذه المشكلة بالطرق السلمية»، مؤكداً استعداده للعب دور في ذلك عند الضرورة.
وعبر الامين العام عن «بالغ قلقه» حيال العنف في اوكرانيا داعياً الى تطبيق اتفاق 17 نيسان (ابريل) الموقع في جنيف من قبل الجميع. وكانت روسيا اعلنت الاسبوع الماضي ان الاتفاق لم يعد صالحاً بعد ان بدأت اوكرانيا «حرباً ضد شعبها» بحسب موسكو.

احمد الحسبان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق