اخبار النجوم

جوزفين بايكر… نجمة استعراضية وصاحبة فلسفة انسانية

من المعالم الشهيرة في باريس، مبنى «البانتيون» الذي يقع فوق هضبة سانت جنفياف، ويعود تاريخه الى سنة 1764، وقد تحوّل في زمن الثورة الفرنسية الى مكان يضم رفات الكبار في فرنسا. والدخول الى هذا الصرح التاريخي ليس بالامر السهل، لان ذلك يعني ان الداخل احتل مكانه بين العظماء، ويعني ايضاً، انه كتب لنفسه الخلود. وهذا الصرح الذي تحوّل الى كنيسة، ومن ثم، الى معبد النصر، استعاد مركزه في ظل الجمهورية الثالثة عندما استقبل رفات شاعر فرنسا الكبير وحارس الديمقراطية فيكتور هوغو في سنة 1885. اذاً، مَن يستقر في هذا المكان يكون قد دخل التاريخ من بابه الواسع. اما الشخصية الجديدة التي ستحل ضيفة في «البانتيون»، فهي من نوع آخر، ساهمت في صنع تاريخ القرن العشرين تاركة بصماتها الفنية والانسانية في عالم تسوده الحروب والبشاعة… انها سيدة اميركية سوداء اجتازت المحيط الاطلسي الى فرنسا، بحثاً عن حياة جديدة، وكان اسمها جوزفين بايكر.

أبدأ بالكتابة عن الفنانة جوزفين بايكر التي التقيتها في بيروت، سنة 1969، بالحوار التالي الذي دار بين طفلة زنجية وأمها:
الطفلة: يا أماه… لماذا نحن سود؟
الأُم: لأننا في حداد يا ابنتي!
الطفلة: حداد على مَن يا أماه؟
الأُم: حداد على اخوتنا البيض!
الطفلة: ومتى ينتهي حدادنا يا أماه؟
الأُم: عندما يخلعون الحداد من قلوبهم ولا تعود سوداء كوجوهنا!

جوزفين بايكر في بيروت
كان من المعقول ان تنسحب جوزفين بايكر من الميدان الفني، من دون ان تأتي الى لبنان مرة ثانية، فلا يراها عشاق صوتها الدافىء، ولا أولئك الذين يقدرون الناحية الانسانية التي تميزت بها شخصيتها الفذة!
ولكن الرياح هذه المرة، جرت كما يشتهي أنصار الفن العريق والانسانية الخيّرة.
وحطت جوزفين بايكر الرحال في بيروت للمرة الثانية في حياتها، اذ سبق لها قبل اكثر من 70 سنة، ان مرّت في سوريا، ولكن لا لتغني وترقص، بل كانت يومئذٍ، ترتدي لباس الميدان، وذلك في اثناء الحرب العالمية الثانية… وعند مرورها في بيروت أحيت حفلة غنائية استعراضية واحدة، اما في زيارتها الثانية فأحيت حفلات عدة في ملهى «الإيبي كلوب» – الذي كان يديره دينامو الحركة الفنية سيرانوسيان – وفي كازينو لبنان.

على ضفاف نهر الميسيسيبي الاميركي
قبل ان ألتقي بجوزفين بايكر في بيروت، كنت أواظب على متابعة مسيرة حياتها بشكل دائم، لانني كنت اعتبرها خارجة على المألوف، ولذلك تكوّت لديّ فكرة واضحة عن هذه الفنانة الاستعراضية التي اطلق عليها ذات يوم لقب «اللؤلؤة السوداء».
انها المرأة العصامية التي انطلقت من ضفاف نهر الميسيسيبي، ودخلت عالم الشهرة من الباب العريض. هي حفيدة أولئك «العبيد» الذين نزلوا القارة الاميركية خلال القرون الغابرة، وساهموا في بناء الوطن الجديد الذي كان بأشد الحاجة الى جهودهم البناءة، وعبقريتهم المكبوتة.
أبصرت نور الحياة في سنة 1906 في مدينة سان لويس بولاية ميسوري الاميركية التي يخترقها نهر الميسيسيبي الخالد الذي استمد منه الفنان الاميركي الاسود لويس ارمسترونغ أعذب الالحان الموسيقية التي تروي مأساة الانسان الاسود في القارة الاميركية، ومدى ارتباط هذه المأساة بهذا النهر المتدفق دائماً وأبداً.
جوزفين بايكر ليست سوداء كلون الليل، كما قد يتخيل البعض، بل هي اشبه ما تكون بلون البن المحروق… وهبتها أمها الافريقية الكثير من سوادها الحالك، ووهبها والدها الاسباني الاصل القليل من بياضه الناصع. وهكذا وُلدت جوزفين، لا سوداء، ولا بيضاء، بل مزيج من الاسود والابيض، يجري في عروقها الدم الاسباني الحار، والافريقي الاشد حرارة!

فوق مسارح عواصم الدنيا
كان من الطبيعي ان تميل جوزفين بايكر منذ نعومة اظفارها الى الرقص والغناء. فالقارة السوداء من اقصاها الى اقصاها تغنّي وترقص عند كل مساء، بعد رحيل الشمس في خضم الافق الافريقي البعيد، على انغام التام تام المجنونة. وكذلك الحال في اسبانيا، فالرقص والغناء هناك منتشران بشكل واسع في كل بقعة من البقاع الاسبانية الساحرة.
وهكذا انطلقت جوزفين بايكر وهي في سن المراهقة تغنّي وترقص، وتنشر السعادة والمرح والنشوة، أينما حلّت وكيفما توجهت، من ميامي الى برودواي، ومن لوس انجلوس الى مونتريال، ومن نيويورك الى باريس… حيث لاقت الاعجاب الكبير، والحفاوة البالغة، واصبح اسمها على كل شفة ولسان، فراحت تغني اغنياتها العذبة وترقص رقصاتها المبدعة، على مسارح معظم عواصم الدنيا.
وبقيت مرحلة طويلة من عمر الزمن تقارب الـ 32 سنة وهي تنتقل من مسرح الى مسرح، ومن نصر الى نصر، حاملة الى جميع شعوب الارض لوناً جديداً من الاستعراض الفني.
ومن خلال هذا العمل المتواصل، استطاعت ان تكوّن لنفسها شخصية مميزة ذات طابع عالمي. كما انها استطاعت ان تجمع من حولها قلوب الناس على اختلاف اجناسهم وآرائهم ومعتقداتهم.

صاحبة فلسفة انسانية جديدة
وعندما كانت تسير على الدروب المفروشة بالشوك والمتاعب تارة، وبالورد والجمال طوراً، كانت الفكرة التي طالما راودت خيالها، منذ عهد المراهقة، تنمو وتتبلور مع مرور السنوات… ألا وهي فكرة انشاء قرية صغيرة في مكان ما من العالم، يعيش فيها مجموعة من الاطفال ينتمون الى مختلف الاوطان والاجناس والاديان والمذاهب.
من هنا، من هذه الفكرة بالذات، انبثقت فلسفة جوزفين بايكر في الحياة. فلسفة انسانية لعب القدر دوراً كبيراً في تكوينها وابرازها الى حيّز الوجود.
أليست هذه المرأة من الملايين الذين يعيشون في الولايات المتحدة الاميركية وكانوا يلاقون الكثير من المصاعب والعراقيل بسبب سواد بشرتهم؟! ألم تكن أبواب الفندق النيويوركي الفخم «والدروف استوريا» مثلاً، موصدة في وجهها، وهي الفنانة التي دخلت افخم فنادق العالم؟! ألم يكن محرماً عليها – وهي المرأة السوداء - ان تتصرف بحرية، وتعيش على مزاجها الخاص، في البلاد التي اختارها لها القدر، كما اختارها لبقية الشعوب المختلفة التي تعيش في الوطن الاميركي الكبير؟!
في غمرة رحلاتها الطويلة عبر العالم، كانت جوزفين بايكر منهمكة في البحث عن الاطفال البؤساء الذين حرمتهم الحياة عاطفة الأب وحنان الأُم… وهم ضحايا الجهل والجوع وفقدان العدالة الاجتماعية، وضحايا الحروب واهوالها…

عائلة «دولية» تتألف من 12 طفلاً
ومع مرور الايام، استطاعت هذه المرأة التي يخفق قلبها بالحب والعطف على الانسانية المعذبة، ان تجمع من حولها عائلة «دولية» – اذا جاز التعبير – تتألف من 12 طفلاً حرمتهم الاحداث التي عصفت بالعالم، من العيش في بحبوحة كبقية اطفال الدنيا… ولكن الحرمان لم يطل لأن هناك امرأة حرمتها الطبيعة من انجاب البنين فوجدت في اولئك الصغار الابرياء عزاءها وأملها في الحياة.
وضمن هذه العائلة نجد الطفل الكوري الذي وقعت بلاده في مخالب حرب ضروس كادت في فترة من الفترات تتحول الى حرب عالمية ثالثة… ونجد الطفل الياباني وهو احدى ضحايا القنبلة الذرية التي فجرّها الرئيس الاميركي هاري ترومان في مدينة هيروشيما وادت الى مقتل 300 الف ياباني… ونجد الطفل الجزائري الذي شهدت بلاده ثورة تحررية دامت اكثر من ثماني سنوات… ونجد الافريقي الاسود وهو احدى ضحايا الاستعمار… والفرنسي الذي انتشلته من مزبلة في احد شوارع باريس، وهو احدى ضحايا الحب الحرام… وكذلك نجد الكولومبي والهندي والكوبي، الى آخر السلسلة…

كلنا ننتمي الى الجنس البشري الواحد
كانت امنية الفنانة الكبيرة من وراء القيام بهذا العمل الانساني، ان تظهر للعالم بأجمعه ان الاطفال عندما يعيشون ويتقاسمون الحياة جنباً الى جنب، ويتلقون التربية نفسها، والثقافة نفسها، من دون تمييز بينهم، باستطاعتهم – عندئذٍ – التغلب على جميع الحواجز التي اقامتها المجتمعات الظالمة بين ابناء البشر، وازالة الفوارق الاجتماعية التي هي – في الاساس – من صنع سخافات الانسان!
وفي هذا الصدد تقول جوزفين بايكر: «ان كلمة الاخاء بين البشر لا يمكن لها بعد اليوم ان تكون كلمة باطلة، لا طعم فيها ولا حياة!».
وهي القائلة ايضاً: «نحن الافريقيين لا نعترف بوجود الاجناس المختلفة بين ابناء هذه الارض، بل نؤمن ايماناً عميقاً بأننا ننتمي جميعاً الى ذلك الجنس الأعلى الذي هو الجنس البشري!».
هذه هي «اللؤلؤة السوداء»، وهذه هي فلسفتها في الحياة التي عملت كثيراً من اجلها، وكانت على أتم الاستعداد لأن تضحي بنفسها في سبيل تنفيذها.
وظلت تمارس هوايتها المفضلة – اذا جاز القول – اي العثور على الاطفال البؤساء، المساكين، الفاقدين كل أمل في الحياة، وضمهم الى عائلتها الكبيرة التي أنشأت مكاناً لهم على بعد 500 كيلومتر من باريس، في جو ريفي جميل ومناسب.

محاولة انقاذ هذا المشروع الانساني
ولكن هذا المشروع الانساني الكبير لم يلبث ان اخذ يعاني من الصعوبات المادية، وذلك بعد ان تركت جوزفين بايكر ميدان الفن الذي زاولته سنوات طويلة، واصبح من حقها ان تعيش مرحلة من الراحة والاستقرار الى جانب عائلتها.
واخذت الديون تتراكم عليها نتيجة الانفاق الضروري على العائلة التي صممت ان تجعل منها عائلة نموذجية، ترمز الى الاخاء بين بني البشر!
في سنة 1968، تقرر بيع املاك الفنانة في منطقة «ميلاند» التي تبلغ مساحتها 232 هكتاراً، لمصلحة دائنيها… وتضم قصراً كبيراً اشترته سنة 1952، ويعود عهده الى القرون الوسطى، وفي مرحلة من المراحل كانت تنوي تحويله الى «جامعة الاخاء العالمي» التي من شأنها استقبال الطلاب على اختلاف اجناسهم ومعتقداتهم!
وفي حينه تألفت لجنة فرنسية برئاسة الكاتب الراحل اندريه موروا من اجل مساعدتها… واسهمت الممثلة بريجيت باردو بنفسها في حملة المساعدات، فوجهت نداء عبر التلفزيون الفرنسي لانقاذ هذا المشروع من الخراب!
وبدورها، قامت جوزفين بايكر بجولة عالمية لانقاذ مشروعها من الانهيار، ولكن التبرعات التي نالتها لم تكن كافية!
وفي سنة 1968 ايضاً، صدر حكم في باريس لم يكن لمصلحة الفنانة العالمية، وقضى ببيع املاكها بالمزاد العلني! وفي اوائل سنة 1969 تم البيع لايفاء الديون، وانتقل قصرها الى اصحابه الجدد!

بعض ما قالته لي جوزفين بايكر
عندما صافحت جوزفين بايكر في فندق «المارتينيز» البيروتي، قالت لي باللغة الفرنسية وبلهجتها الأفرو – اميركية المحببة، التي لها نكهة خاصة، وبتواضع كبير: تراني، هل استحق هذه البادرة اللطيفة، بعدما قطعت مسافات بعيدة في دروب العمر؟!
قلت: أنتِ انسانية كبيرة، وتستحقين كل احترام وتقدير.
ما هو هدفك من ذلك كله؟
الوحدة الانسانية بدلاً من التفرقة.
اين تعيشين الآن مع عائلتك الكبيرة بعد مغادرتك القصر القديم الذي كنت تسكنين فيه؟
انا لم اترك قصري في «ميلاند» بملء ارادتي، بل ان اصحابه الجدد طرودني منه بشكل وحشي، وانا شبه عارية! والآن اعيش في مدينة «الكارت – بوستال» اي في امارة موناكو، بفضل الاميرة غرايس كيلي.
وما هي الصعاب التي تعترض طريقك في هذه المرحلة من حياتك؟
الصعاب التي اعاني منها كثيرة… فأنا في هذه المرحلة من حياتي لا أملك شيئاً من حطام الدنيا. حتى عندما قررت السفر الى لبنان، لم تكن لدي الثياب اللائقة التي لا بدّ منها في مثل هذه المناسبة، ولولا احدى الصديقات التي تعمل في احدى دور الازياء، لما توفرت لي الازياء اللازمة! ولكن علينا ألا نستسلم لقساوة الحياة. وليست عودتي الى مزاولة المهنة الفنية بعد فوات الاوان الا بسبب الحاجة الملحة الى المال من اجل تربية ابنائي وتأمين المستقبل الباهر لهم، وتحقيق الفكرة الانسانية التي طالما راودت خيالي.
اذاً، لقد عشت المأساة حتى الثمالة؟
اجل، لقد عشت المأساة، ولكنني سعيدة. فالتفاؤل اجمل ما في الحياة… ولهذا، فان الاغنية التي افضلها من بين جميع اغنياتي، هي التي تحمل عنوان: «بسمة للحياة».
❊❊❊
وبعد، في سنة 1975، حيث كانت تواظب على تأدية استعراضها الذي يحكي قصة كفاحها مع الفن، رحلت نجمة «الميوزيك هول» جوزفين باكير في باريس عن 69 سنة، بعد تجربة حياتية لا مثيل لها، فتحت لها ابواب «البانتيون».

اسكندر داغر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق