صحة

«الصفيرة» تقرع الباب بقوة… واجهوها بالأصفر والمشمش!

أصابها الوهن والإعياء، خارت قواها، عانت من الإسهال وآلام البطن، ومرت أيام سوداء عليها قبل أن تُشخص طبيبة الأطفال حالتها: هو مرض الصفيرة! لماذا الصفيرة الآن؟ لماذا هي؟ لماذا لم يستطع الأطباء تشخيص حالتها بسهولة؟ ألم يؤشر لهم الصفار في عينيها الى حالتها؟ وهل نسي أهلها تلقيحها ضد المرض يوم كانت طفلة؟ والأهم من كل هذا من أين التقطته والى من قد تنقله؟ وهل يترك الصفيرة بعد العلاج ترسبات دائمة في الجسد؟ والسؤال الأوسع: هل يكفي تلقيح أطفالنا لنضع أيدينا في المياه الباردة؟

هي صبية، في السادسة عشرة من عمرها، مستلقية اليوم على فراشٍ أبيض في المستشفى اللبناني الجعتاوي في بيروت، بعدما أنهكتها عوارض جمة قيل لها في البداية أنها «شبقة»، «شبقة برد»، وستزول. لكنها لا، لم تكن «شبقة» وهذا ما أدى الى دخولها الى المستشفى… فما الذي أصابها؟  تنفث والدتها السيكارة في الباحة الخارجية وتُخبر: نسكن في الضاحية، في ضاحية بيروت الجنوبية، وقررت المدرسة أن تأخذ الطلاب في رحلة الى الجنوب، الى الكفير في الجنوب، وبعد أيام بدأت زينب، ابنتي تعاني من الإسهال والإعياء وآلام في البطن ومن صداع رهيب. لم نعرف في البداية ما بها الى أن نظرت في عينيها الدكتورة وقالت: إبنتك مصابة بالصفيرة. صفيرة؟ ولماذا هي؟ وماذا عن أخوتها وأخواتها؟ هل سيصابون؟ أسئلة أسئلة طرحتها على الطبيبة بعبثية فأجابتني بما هو مختصر مفيد: إنه فيروس في هواء الجنوب!
مضى على الصبية في المستشفى ثلاثة أيام على المصل، ممنوع أن يزورها أحد، والدتها معها فقط، وممنوع أن يأكل أحد من صحنها وملعقتها، ويقدمون لها في المستشفى مربى المشمش، قالوا لها أن المشمش مفيد في حالة الصفيرة، أما والدها وأخوتها وأخواتها فلُقحوا من جديد ضد الصفيرة بعدما أخبرتهم الدكتورة أن الفيروس الحالي أكثر دهاء من اللقاحات السابقة. قالت الوالدة كل هذا وهي تنفث سيكارة بعد سيكارة… فما أبعاد كل ما قالت؟

فيروس جنوبي
ما عاد سرا أن مرض الصفيرة عاد للظهور في لبنان، في جنوب لبنان بالتحديد، وبتحديد أدق في منطقة حاصبيا والكفير في الجنوب… لماذا؟ المياه الملوثة قد تكون سبباً وربما هو فيروس سرى مع نسمات «الهواء الجنوبي» وربما وصل الفيروس مع سوريين واصلين للتوّ من مناطق سورية «ملغومة» بالفيروسات المتنوعة، نكرر ربما، فنادراً ما يمكن تحديد سبب الفيروس الأول، الأساسي، وغالباً ما تكثر التكهنات حوله فيضيع البشر بين السبب والنتيجة. في كل حال ثبت وجود تلوث في شبكة مياه الشرب في الكفير لكن نذكر بمقولة: قد تتعدد الأسباب والنتيجة واحدة… فماذا عن النتيجة؟ عشرات أصيبوا بين شباط (فبراير) وآذار (مارس) وها نحن في نيسان (ابريل) والحالات لا تزال تظهر، ما يجعلنا نتمهل قليلاً ولا نقلب الصفحة، فالصفيرة، لمن لا يعرف، معدية.
ماذا يفترض أن يفعل من يشك بأنه مصاب؟ وهل الإصفرار، إصفرار اللون والعينين، عارض وحيد؟
الصفيرة أو اليرقان أو الصفار كلها أسماء لمرض واحد يتسبب به فيروس يصيب الكبد ويؤدي الى إصفرار في الجلد والعينين والى تبدل في لون البول الى البني وإلى إسهال وارتفاع في الحرارة والى آلام في البطن وبوهن هائل. أما سببه الأول فيتأتى عن قلة نظافة أو عن إستهلاك طعام ملوث أو مياه ملوثة ببراز شخص مصاب بالصفيرة.
تشخيص الصفيرة يعتمد على جملة فحوصات سريرية بينها الكشف عن تصبغ الجلد وبياض العينين باللون الأصفر، وقد تكفي الرؤية بالعين المجردة غالباً في تحديد هذا النوع من التصبغات، ويتبدل اللون الى شاحب بسبب تغييرات في «البيليروبين» وهي مادة صفراء تنتج بسبب تكسير أو تحلل خلايا الدم الحمراء وتحديداً مادة الهيموغلوبين التي تُكسب خلايا الدم الحمراء لونها الأحمر. ويُصار الى تحديد نسبة تركيز البيليروبين عبر فحص محدد يدل ارتفاعه الى إنحلال الدم. ويعتمد عادة في حالات الشك فحص أنزيمات الكبد وإذا أتت هذه الأنزيمات مرتفعة استدل الطبيب الى وجود التهاب في الكبد أو انسداد في القنوات الصفراوية. وتستخدم عادة من أجل تشخيص أدق التصوير الرنيني واختبار الخزعة النسيجية الكبدية…
صحيح أن الأطفال أكثر من يصابون
بالصفيرة، نحو ستين في المئة من الأطفال حديثي الولادة، لكن هذا النوع من الصفيرة أو لنسمه اليرقان لا يكون خطيراً ويُعرف باليرقان الفسيولوجي. وهو يحدث كرد فعل طبيعي على عدم قدرة جسم الطفل على التخلص من «البيلروبين» في الأيام الأولى التي تلي إطلاقه صرخة الحياة. أما صفيرة الكبار فأصعب بكثير…

التحصن الجماعي
الصبية دخلت المستشفى وأهلها أخذوا اللقاح مجدداً فهل باتوا محميين؟
طبيب الأطفال الدكتور مارون السخن يُعرّف ماهية اللقاح ووظيفته: إنه فيروس بروتيني يخضع الى عناصر كيميائية أو فيزيائية، وهو يؤخذ إما نقطاً في الفم أو عبر حقنة توخز في الجسم، بهدف تعريف جهاز المناعة على هذه الجزيئيات بأقل مضاعفات ممكنة، وايجاد مناعة ضدّ فيروسات معينة، فإذا تعرض لها الطفل لاحقاً يتمكن من مقاومتها. وهدف التلقيح وقاية الانسان السليم إذاً من التقاط أمراض وفيروسات، لا سيما منها الأمراض الطفولية المعدية. وكلما كثر عدد الأشخاص الملقحين ضعفت إمكانية انتشار الأمراض الفيروسية وتضاءلت احتمالات العدوى، وهذا ما يسمى علمياً
التحصن الجماعي.  
ممتاز، لكن ماذا عن حال الصبية التي أخذت لقاح الصفيرة في الصغر وعادت وأصيبت بالفيروس، بقوة، حين كبرت؟ لم يحمها بالتالي اللقاح… يجيب السخن: ثمة أناس معرضون أكثر من سواهم لعوامل الإصابة لهذا نتحدث في الطب عن جرعات تذكيرية. ثمة نسبة 15 في المئة من الأطفال الملقحين ضد
جدرة المياه مثلاً تأتيهم مجدداً لكن خفيفة. لقاح الجدري لا يؤمن مناعة مئة في المئة. لقاح الصفيرة بحاجة ايضاً الى جرعتين لا واحدة، تفصل بينهما بين ستة أشهر الى اثني عشر شهراً، ليكون اللقاح فعالاً. لقاح الكريب بالكاد يغطي هو أيضاً نسبة أربعين في المئة من قوة المرض ومنفعته تبقى ضئيلة وممنوع أن يُعطى الى الأطفال دون الستة أشهر.

اللقاح ضروري
يبقى اللقاح سواء أعطى كل فعاليته أو بعضها ضرورياً، فمرض الجدري اختفى في العالم، كما لم تُسجل منذ أعوام طويلة في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا إي إصابة بشلل الأطفال الذي عاد إلينا، الى لبنان، من بوابة النازحين السوريين. ثمة لقاحات كثيرة لأمراض طبعاً كثيرة، لكن وعلى الرغم من هذا لا يزال يموت طفل من كل خمسة عشر طفلا يصابون بالدفتيريا. ويموت طفل من كل ألف طفل يصابون بالسعال الديكي. ويموت طفل من كل عشرة أطفال يصابون بالكزاز.
ختاماً، ثمة من قد يسأل: ولماذا يُعرف المرض شعبيا بالصفراء أو الصفيرة لا باليرقان؟ الجواب بسيط وهو أن تسمية كلمة يرقان تتحدر بالفرنسية من معنى أصفر “jaune” وهكذا شاع إسم اليرقان على أنه الصفراء أو الصفيرة…
الأصفر لون جميل، إرتدوه، خصوصا أننا في زمن فصح وقيامة لكن إسمحوا لنا أن نطلب من السماء أن تبعد «الصفيرة» عنكم لأنها لا تزال تقرع أبواب لبنان…

نوال نصر 


 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق