أبرز الأخبار

الانتخابات الجزائرية: مشروع ازمة على اكتاف «الولاية الرابعة»

هل ستكون الانتخابات الرئاسية الجزائرية بمثابة حد فاصل بين حالة الاستقرار النسبي الذي يعيشه الشارع وحالة اخرى مختلفة في الشكل والمضمون؟ وهل يمكن ان تشكل نتائج الانتخابات تحولاً باتجاه العنف كما كان سائداً في فترات سابقة؟

سؤال يتصدر المشهد السياسي الجزائري، والعربي، والاقليمي، في ضوء تطورات الموقف المتمثلة بالانتخابات الرئاسية، وتحديداً الركن المتعلق بالولاية الرابعة للرئيس بوتفلقية، وما يشاع عن ترتيبات رسمية رافقت عملية الترشيح والانتخاب وصولاً الى تبوء السدة الرئاسية لفترة رابعة وبحيث يسجل رقماً قياسياً في طول فترة الرئاسة. وفي عدد الدورات الرئاسية. الانطباع العام الذي يقف وراء تلك التخوفات التي يترجمها متابعون على شكل تساؤلات تتجاوز التفاصيل المباشرة الى مجمل العناصر الامنية والسياسية والاقتصادية وغيرها. ويستند الى فرضية ان الرئيس قد استنفد طاقاته وامكاناته كافة خلال الولايات الرئاسية الثلاث التي بلغت 12 عاماً، والتي زادت لولاية اخرى لتصبح فترة الحكم المفترضة في حال قدر له العيش الى نهاية تلك الفترة 16 عاماً.
وفي البعد الاخر تستند التخوفات الى الوضع الصحي الذي يصنفه بعض الاطباء على اساس انه وضع حرج، وانه لا يستطيع القيام بواجباته الرئاسية في ظل ذلك الواقع. حيث عاد قبل اسابيع من رحلة علاجية خارجية، اجرى خلالها عمليات جراحية عدة. واصبح غير قادر على الحركة الا بمساعدة من طرف آخر.
وفي مسارات اخرى، هناك من يقرأ المشهد من  زاوية المحيط السياسي العربي والاقليمي والدولي، ومن رؤية تؤشر على ان الوضع يحتاج الى قدر من التغيير. وان الرئيس بوتفليقة غير قادر على احداث التغيير المطلوب، أو حتى التعاطي مع المستجدات التي تشهدها المنطقة.

في اعماق المشهد
وبين هذه وتلك، ثمة قراءات تغوص في اعماق المشهد، وصولاً الى اعتقاد بان الرئيس بوتفليقة الذي يعاني من وضع صحي حرج، لن يكون هو الرئيس الفعلي. وان هناك من يحكم من وراء الستار، وهي اتهامات تطاول المؤسسة الامنية الجزائرية التي يعتقد انها هي التي تدعم بوتفليقة، وتؤمن له كل الدعم اللازم وبما يوصله الى موقع الرئاسة، دافعها في ذلك خشيتها من ان تخرج الامور عن السيطرة، وان يتوقف برنامج الحكم الذي يعتمد البعد الامني، والذي نجح في لجم الحركات الاسلامية المتطرفة، وفي ضبط الايقاع الامني عند حدوده الدنيا. وصولاً الى دولة اكثر قرباً من دولة المؤسسات. والى سطوة امنية قادرة على ضبط جميع الامور ضمن منظومة حولت البلاد من بقعة يسودها الارهاب والعنف الى منطقة يستطيع القانون ان يأخذ مداه في غالبية الامور والمناطق.
وفي هذا السياق، هناك من يتوقف عند بعض حالات العنف التي تحدث هنا وهناك، وخصوصاً في بعض المناطق القبلية، والبعيدة عن المدن الرئيسية، والتي تنفذها تنظيمات ارهابية. الا ان البعض الاخر يرد على ذلك بضرورة اجراء مقارنة بين الواقع الامني والمعيشي عندما تسلم بوتفليقة السلطة، والمرحلة التي تلتها وصولاً الى الواقع الراهن. ما يعني ان المقارنة تكون في صالح الرئيس، وفي دعم الفترة الحالية، وتحديداً في مسألة النجاح في اجتياز الربيع العربي، وعدم التاثر به. اضافة الى ادارة الملف الامني مع دول الجوار التي تأثرت باحداث الربيع، ومنها تونس وليبيا، وادارة الخلاف مع المغرب في ما يخص ملف الصحراء.
الحالة الجدلية الناجمة عن الانتخابات الرئاسية بكل تفاصيلها، والتي تصب في خدمة بوتفليقة، افضت الى توقعات بان انتخابه سيؤدي الى اندلاع ازمة اخرى قد لا تقل صعوبة عن الازمة التي سادت البلاد قبل تسلم بوتفليقة الحكم.
واستندت الى تهديدات مباشرة من قبل بعض المناهضين لمشروع بوتفليقة الرئاسي، والى تحليلات تؤكد ان اليوم الأخطر في حياة الجزائر سيكون اليوم التالي للانتخابات «الثامن عشر من الشهر الجاري» أي يوم اعلان النتائج رسمياً. فبعض التحليلات تشير الى ان إعلان فوز بوتفليقة بكل ما يعنيه من استمرار النظام القائم سيدفع نحو احتقان الأوضاع، لا سيما مع الجو المشحون محلياً، ولعب أكثر من فصيل معارض على وتر التجييش.
وترى التحليلات ان ما يقرب المشهد من صورته الواقعية، من ان السيناريو المنتظر قد يكون وخيماً، تشديد المرشح بن فليس الذي كان المنافس الاقوى لبوتفليقة في معركته الانتخابية على جاهزيته للتصعيد، وخصوصاً في حال احساس الاطراف المعارضة بحدوث تزوير في العملية الانتخابية. وبالتوازي، تأكيدات كريم يونس، الرئيس السابق للجمعية الوطنية (البرلمان)، المؤيد لبن فليس، الذي تحدث عن تجارب تزوير سابقة، والذي اكد صراحة ان ما حصل في انتخابات 2004 والتي فاز بها بوتفليقة «لن يتكرر هذه المرة».
الى ذلك، هناك احساس عام بان جميع الاجهزة عملت وتعمل لصالح فوز بوتفليقة. وان ذلك الاحساس لا يتوقف عند حدود المعارضة، وانما يتعداها الى انصار بوتفليقة انفسهم. مع فارق في التعاطي مع تلك المعلومة. فبينما يقر انصاره بهذا الاسلوب ويعتقدون انه يصب في صالح البلاد، يرى المعارضون انه يتنافى مع المصلحة الوطنية.

نتائج محسومة
وفي المحصلة، يعتقد غالبية الجزائريين انهم يخوضون انتخابات نتائجها محسومة سلفاً. ويتبارى البعض منهم في تشخيص الحالة، حيث يرى ان فوز بوتفليقة امر محتم ومعروف منذ ما قبل انطلاق المعركة الانتخابية، واثناء عملية الاقتراع التي بدأت مبكراً في الخارج، وفي مناطق القبائل، وانتقلت «الخميس» الى المدن والمناطق الحضرية.
واللافت هنا، تحول الجدل من مسالة فرص المرشحين، الى مبررات فوز الرئيس بوتفلقية، وسط طروحات تضع الملف الامني في مقدمة المبررات التي دفعت الناخبين الى تعظيم فرصته، ومنحه ثقتهم.
وفي الوقت الذي لا يجد اصحاب هذا الرأي صعوبة في الترويج للفكرة، سواء اكانت نابعة من قناعاتهم، او بسبب معطيات اخرى خاصة، هناك من يدفع بالتشكيك في نزاهة وسلامة الانتخابات منذ ان كانت مشروعاً، وحتى استكملت، ويلوح بمشروع مناهضة لنتائجها فيما اذا لم تات في صالحه. وهناك من اسس لحملة مناهضة للنتائج منذ بداية الحملات الانتحابية، التي يؤكد متابعون لتفاصيلها انها انطوت على كم من مشاريع العنف اللفظي والجسدي. وبحسب تقارير لمتابعين لتفاصيل الحملة، فقد كانت مختلفة عن مثيلاتها عبر عشرين عاماً مضت، حيث بدت هذه المرة محتدمة من حيث الخطاب، ومثقلة بألوان من الشتائم والتظاهرات، مع إصرار أنصار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على تمكين الأخير من نيل ولاية رابعة، ووعيد المعارضين بقطع الطريق على بوتفليقة، خصوصاً مع تواجده في حالة صحية لا تسمح له بتسيير البلاد لخمس سنوات إضافية.
وحفلت الحملة الدعائية على مدار 17 يوماً بألوان من العنف الجسدي، كانت بعض المحافظات مسرحاً له، ومنها، بجاية وتبسة وتيبازة. كما كان العنف اللفظي حاضراً بقوة في خطابات المرشحين الستة أو ممثليهم، وبرز تعمّد «الشخصنة» في الخطابات، وتبني أساليب استفزازية في بعض الأحيان، ما جعل الشارع المحلي يعيش حالة من الترقب والخوف من انزلاق الأمور نحو العنف. وتجلّت الملاسنات عبر الشتائم واحتدام حمى التخوين والعمالة، وهي ممارسات كان أبطالها كثيرون من مؤيدي بوتفليقة والزعيمة اليسارية لويزة حنون، التي اتهمت المرشح علي بن فليس بمحاولة الوصول إلى الحكم على ظهر الدبابات الأميركية. ولم تبخل عن المعارضين بتهم افتعال الزوابع واللعب بالاستقرار، بإيعاز من جهات أجنبية.  اللافت في هذه الانتخابات، انها دخلت مرحلة كسر العظم بين المرشحين وانصارهم، وبدأت بتبادل الاتهامات، تحت مسميات متعددة، ابرزها تهمة التزوير التي وجهت لبوتفليقة، حيث اعتبر بعض منافسيه انه غير قادر على الفوز الا من خلال التزوير. وهي التهمة التي يرد عليها انصار صاحب «الولاية الرابعة» بانه صاحب مشروع نجح في اعادة الامن للجزائر. وانه هو الاقدر على مواصلة تطبيق ذلك البرنامج، والحفاظ على هيبة الدولة ووحدتها.

صحة بوتفليقة
غير ان النقطة التي ينفذ من خلالها الناقدون لترشيح بوتفليقة، تتمثل بموضوع صحته التي يجمع محللون واطباء ومختصون انها لن تسمح له بممارسة مهامه على اكمل وجه. وانه سيكون غير قادر على التعامل مع المرحلة المقبلة بكل ما فيها من خطورة، سواء اكانت ناجمة عن الوضع العام في المنطقة والعالم وتداعيات الربيع العربي، أو انها ناتجة عن رد الفعل المباشر لفوزه بالرئاسة لولاية رابعة.
وقاطعت بعض قوى المعارضة الانتخابات من حيث الترشيح أو التصويت مثل حركة مجتمع السلم الإسلامية، وحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، إضافة إلى شخصيات وحركات احتجاج جديدة مثل «بركات» التي تضم سياسيين وصحفيين معارضين لترشح بوتفليقة.
وبررالناطق باسم حزب التجمع مقاطعة الحزب للانتخابات بان وصف العملية بانها «مسرحية سياسية هزيلة»، واتهم السلطة بتنفيذها. واضاف بان تحليلات الحزب توصلت الى «غياب كل قواعد المنافسة الانتخابية النزيهة».
وأسست القوى المقاطعة للانتخابات تنسيقية للأحزاب وللشخصيات، واستبقت الانتخابات باصدار بيان دعت من خلاله المترشحين الخمسة الذين ينافسون بوتفليقة، إلى «الانسحاب من السباق الرئاسي وترك الساحة له» مؤكدين ان جميع الامكانات قد سخرت له، وان النتائج حسمت لصالحه مبكراً.
الا ان آخرين يرون ان الحديث عن ان النتيجة كانت محسومة مسبقاً لصالح بوتفليقة الذي يحظى بدعم حزب جبهة التحرير الوطني الحزب الحاكم في البلاد، تتقاطع مع وجود مرشحين اخرين مثل بن فليس، الذي يتمتع بنفوذ قوي، وبشعبية لا يستهان بها.  وفي المحصلة سبقت الانتخابات عملية استقطاب واسعة، تطورت الى نوع من التحشيد بين مؤيد ومعارض لـ «الولاية الرابعة»، وسط تحذيرات من ان تمتد العملية لاحقاً الى خلافات بين اجنحة الحكم، وباسلوب الاختلاف العميق.

اقتراح بالغاء الانتخابات
واقترح مقاطعو الانتخابات الذين ينضوون ضمن اربعة احزاب اسلامية وعلمانية ومعهم المرشح المنسحب من الانتخابات احمد بن بيتور الغاء الانتخابات، واعتماد «مرحلة انتقالية ديموقراطية بعد 17 نيسان (ابريل)».
الا ان دعوتهم لم تجد الصدى في دوائر الحكم، او في المرجعيات المعنية بهذا الملف. ما يعني ان القراءة الرئيسية للمشهد تؤكد ان الانتخابات ستضع البلاد على اعتاب مرحلة جديدة قد لا تكون بعيدة عن مشروع الازمة. وان المرحلة المقبلة ستكون بمثابة سباق بين مؤيد ومعارض. ولكن بطريقة لا تخل من الاتهامية التي ترتقي الى مستوى التخوين. والى ازمة قد تضع البلاد على حافة منحدر لا يعلم احد نهاياته. اما الرسميون فلهم وجهة نظرهم، وينطلقون من قناعة بان الامور تحت السيطرة. وان فوز بوتفليقة يعني حقبة جديدة من الاستقرار السياسي والامني. ما يعني مشاريع متقاطعة قد يكون من المبكر معرفة ما ستنتهي اليه.

احمد الحسبان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق