أبرز الأخبار

«قمة الخلافات» تتخطى هزات الربيع العربي الارتدادية

خلاف قطري – عراقي، اثناء وقبل القاء امير قطر كلمته في القمة، وخلال التحضيرات التي تمت على مستوى وزراء الخارجية، آخرها الاحتجاج على ما تضمنته كلمة الشيخ تميم حول مفهوم الارهاب. ومغادرة ولي العهد السعودي قاعة الاجتماع في الجلسة المغلقة وسط تفسيرات بان الانسحاب عنوانه عدم الرغبة في الاصطدام مع امير قطر. وقراءات مضادة ترى ان ما حدث ليس انسحاباً، وانما خروجاً مؤقتاً اقتضته الضرورة.

تلويح الجزائر بالانسحاب من القمة في حال تم تسليم المعارضة السورية المقعد السوري في الجامعة العربية، وفي قمة الكويت رسمياً. وتلويح مضاد باتخاذ موقف من القمة في حال لم تتسلم المعارضة تلك المهمة اعترافا بتمثيلها للشارع السوري.
كل تلك الاحداث والتطورات شهدتها قمة الكويت التي انعقدت قبل يومين، والتي نجحت الدبلوماسية الكويتية، وجهود الامير صباح في تجاوز بعضها، وصولاً الى تحقيق نجاح رئيسي تمثل باستعادة دورية القمة، واحياء مبادرة السلام العربية، وفتح العديد من الملفات بقصد تحريكها وفاقياً. الا انها سارت في الاتجاه المضاد.
وثمة مفارقات واضحة، فبينما اختلفت السعودية وقطر حول ملف العلاقات الخليجية، ولم يقدما اية تنازلات في موضوع المصالحة، اتفقت الدولتان على ضرورة تسليم مقعد سوريا في الجامعة وفي القمة الى المعارضة السورية، الامر الذي ترجمه امير الكويت بقدر من الفطنة والدهاء بان «الفجوة ما بين قضايانا الوفاقية اقل بكثير من تلك الخلافية».
وبين هذه وتلك، ثمة جدل ساخن تواصل على مدى ساعات وايام القمة التي قيل انها اختصرت اجتماعاتها ليوم واحد، قبل ان يصار الى نفي المعلومة والتأكيد على انها تمضي بحسب ما خطط لها. وانها ستمتد ليومين كاملين. وهو ما حدث فعلاً، وما فتح الباب على تساؤلات حول ما اذا كانت القمة ناجحة ام لا؟ اسهم في ذلك انخفاض توقعات السياسيين والاعلاميين الحاضرين، سواء للتغطية الصحفية او كمراقبين لاعمال القمة العربية التي تميزت بنشاط دبلوماسي وسياسي غير مسبوق، املاً في تحقيق نوع من التقدم في تقريب مساراتها المتشعبة.

اعلان الكويت
فعقب  انتهاء اجتماع وزراء الخارجية العرب المغلق، والتصريحات التي انطلقت من دبلوماسيين حول الخلافات على مقعد سوريا، وضعف التمثيل العربي عموماً والخليجي خصوصاً، وعدم بحث الخلاف الخليجي في القمة وتركه للبيت الخليجي، وضعف القناعات بالوصول الى مصالحات عربية – عربية. كل
ها عوامل اسهمت في تحديد سقوف التوقعات. وارتفع منسوب الاحباط، عندما وصلت الامور الى حد الاعلان عن عدم امكانية الخروج ببيان ختامي عن اعمال القمة وانما اعلان اطلق عليه «اعلان الكويت»، والذي تم التعاطي معه اعلامياً من زاوية انه لا يتضمن قرارات، وانما توصيات وتوجهات عامة، وقد تكون «غير ملزمة». وبحسب مراقبين، جاء الاعلان مشابهاً لما كان يصدر في اية قمة عربية سابقة. وباسلوب التمرير للازمة، ومحاولة ابقائها على حالها دون أي مساس بتفاصيلها، او الوصول الى تفاهمات تقترب من حلها. لكنه تضمن كماً من القرارات التي غطت مختلف القضايا التي ادرجت على جدول الاعمال، واعادت صياغات تكررت في بيانات ختامية لقمم سابقة.
من هنا يمكن التوقف عند صعوبة الحكم بمدى نجاح او فشل القمة العربية التي اختتمت اعمالها في الكويت يوم امس «الاربعاء». حيث تشير بعض القراءات الى انه لم يسبق ان خلت قمة عربية من
ملفات خلافية، ومن محاولات بحث عن نصوص وفاقية قد لا تكون جاءت بحلول، وانما اكتفت بتمرير ملف او قضية تمريراً يرضي غرور البعض، ويحول دون تجذر خلافي من قبل البعض الاخر.
هذه العبارة شكلت اجابة اكثر من مراقب لاعمال القمة ومتابعة كواليسها، لجهة ان الكواليس كانت الاكثر نشاطاً، من الجلسات الرسمية وخصوصاً الجلسات المفتوحة. اما السبب في تأكيد صعوبة التقويم فليس مرده غياب المعلومة، وانما الربط بين ما هو متوقع، وما تم الكشف عنه من نتائج.
خلاصة ذلك، ان توقعات غالبية المتابعين لشؤون القمة كانت متواضعة جداً، ولم يكونوا ينتظرون منها اكثر مما حدث. اما مجموعة المتفائلين، فلم يتركوا لخيالاتهم المجال لتوقع الكثير، وخصوصاً في مجال المصالحة، او حتى التوافق على الكثير من القضايا الخلافية.  واكثر من ذلك، بلغت حالة الفهم العام لمجريات القمة بانها قمة الخلافات العربية، بدلاً من ان تكون قمة الوفاق. فعلى الرغم من محاولات مستميتة لبعض الاطراف، وخصوصاً الدولة المضيفة «الكويت» التي وظفت كل امكاناتها، وما لقيادتها من احترام على مختلف المستويات من اجل اختراق جدار الخلافات، الا انها اصطدمت بحوائط صد متينة، الامر الذي دفعها الى الاكتفاء باي قدر من التوافق.
اما القادة من جهتهم، فقد قدروا الحرص الذي ابدته بعض الدول، وقياداتها على انجاح القمة، والخروج ببعض النجاحات، وعوضت النقص الحاصل في منسوب التفاؤل من خلال التوجه نحو بعض الملفات الوفاقية، وفي مقدمتها الملف الفلسطيني ، ومشروعات السلام التي يجري الترويج لها اميركياً. ومن خلال وزير الخارجية جون كيري. حيث اجمعت القمة على رفض يهودية الدولة، باعتبارها المحور الذي تقوم عليه فكرة الحل الاميركية للقضية الفلسطينية.

في اروقة القمة
اروقة القمة التي كانت تغص بالشائعات، المغذية للعناصر الخلافية، شهدت نشاطاً كبيراً في التواصل بين القادة، ورؤساء الوفود الذين شدد بعضهم على النأي بالنفس عن الدخول في معمعة الخلافات، ولكن من باب عدم الرغبة في اتخاذ موقف يثير حفيظة فريق دون آخر.  واللافت هنا ان الملفات الخلافية كثيرة ومتعددة، وتتجاوز ما كان متوقعاً من قبل، حيث اشارت التوقعات الاولية الى ان ينحصر الخلاف في ملفين اثنين هما الملف السوري، وملف العلاقات الخليجية في ضوء قرار سحب سفراء بعض الدول من قطر.
فالتوقعات كانت اكثر ميلاً الى تغليب فرضية المصالحة، ولو بالقدر النسبي في ما يخص الازمة بين كل من السعودية والامارات والبحرين من جهة، وقطر من جهة اخرى. وكانت فرضية المصالحة تستند الى توقعات بان ينجح امير الكويت الذي بذل جهداً كبيراً في هذا السياق، في تذليل بعض الصعوبات، واختراق حاجز الازمة المتصاعدة، والتي يعتقد انها زادت حدتها اثناء وبعد القمة.
فقد تلقى المراقبون معلومة حول الجهد الكويتي الهادف الى تحقيق المصالحة بين السعودية وقطر، عندما خرج امير الكويت من احدى القاعات الجانبية متو
سطاً ولي العهد السعودي وامير قطر، والابتسامة تعلو وجوه الجميع. حيث ترجمت وسائل الاعلام تلك الخطوة بانها اختراق للازمة، وتحقيق المصالحة. ليتبين لاحقاً ان اللقاء لم يسفر عن اي تقدم، بحكم ثبات المواقف من الطرفين، وعدم رغبة امير قطر في الاستجابة الى اي من المطالب السعودية، التي تطرح كحزمة واحدة مع مطالب الامارات والبحرين. وفي المقابل اعتبار الدول الثلاث ان مطالبها ثوابت لا يمكن التغاضي عن اي منها. وان اي تنازل عن بعضها انما يعزز الازمة الخلافية ولا يؤشر على حلها. بينما توقف المدققون عند امتداد تلك التفاصيل باتجاه الموضوع المصري رغم انه لم يدرج رسمياً كملف واحد. ولم تدخل القضية بواجهتها المعلنة، في نفق الازمة المصرية.
ومهم
ا حاول المراقبون معرفة اية تفاصيل موثقة حول النقاش، أو حول وجهات النظر التفصيلية، الا ان اللقاء الذي كان مغلقاً لم يتسرب منه الكثير، وبالتالي بقيت النقاشات ضمن اطار التوقعات، وفي سياق المعلومات المتسربة فقط.
اما بالنسبة الى الملف السوري، فقد اعتبر الصحافيون والمراقبون كلمة ول
ي العهد السعودي الامير سلمان بن عبد العزيز المؤشر الذي يهتدون به في تحديد المواقف، وبيان المتطلبات اللازمة لهذا الملف.
 

سلمان يتهم المجتمع الدولي
ففي ما يتعلق بالازمة السورية، اتهم الامير سلمان المجتمع الدولي بـ «خداع» المعارضة السورية. وقال امام القادة العرب المشاركين في القمة ان التحديات في سوريا تواجهها «مقاومة مشروعة خدعها المجتمع الدولي وتركها فريسة سائغة لقوى غاشمة حالت دون تحقيق طموحات الشعب السوري».
وأضاف الأمير سلمان قائلاً إن «النظام السوري نظام جائر يمارس القتل والتنكيل». وأكد أنّ المأزق السوري يتطلب تغيير موازين القوى على الأرض.
وشدد الأمير سلمان على منح الائتلاف المعارض الدعم كممثل للشعب السوري. ودعا إلى منح الائتلاف مقعد سوريا في القمة، حيث تكشفت المفارقة العجيبة، والتي تمثلت بتوافق سعودي – قطري على هذا المطلب، رغم الخلاف البيني العميق في ملفات اخرى.  وقال الامير سلمان إن استقرار المنطقة لا يأتي من خلال وجود الاسلحة الفتاكة، وانما ذلك يهدد أمن المنطقة.
المقترح السعودي – القطري المشترك، الذي كان واضحاً، ويتمثل بمنح المعارضة مقعد سوريا في الجامعة العربية، شكل محور جدل على مستوى القمة، حيث بدأت حدة النقاش وتباين وجهات النظر من القاهرة، وقبل ان تصل الى الكويت.
وفي سياق مواز، اكد الامير سلمان أنه لا بد من تضافر الجهود لتجاوز الصعوبات التي تمر بها الأمة. وأكد ان الممارسات الإسرائيلية تقوض الجهود المبذولة لتحقيق السلام في المنطقة. وشدد في كلمته على أن القضية الفلسطينية في صلب اهتمامات المملكة.
اما الرد الكويتي فلم يكن بعيداً عن وجهة النظر السعودية في العديد من المفاصل، حيث رد الشيخ صباح في كلمته الي تسلم فيها رئاسة القمة بالقول «إن مساحة الاتفاق بين الدول العربية أكبر من مساحة الخلاف، وعلينا أن نستثمر مساحة الاتفاق».
واكد أن الخلافات التي اتسع نطاقها في الأمة العربية «تعصف بوجودنا وقيمنا وآمالنا»، وطالب «بمضاعفة الجهود والانضمام إلى ركب الجهود الدولية الراهنة لوأد ظاهرة الإرهاب الخطيرة».
وأضاف «لن ننعم بالاستقرار والسلام ما لم تتخل إسرائيل عن نزعتها العدوانية وتجنح إلى السلام».
اما في ما يخص القضية السورية، فقد اكد الصباح أن «خطر النزاع المدمر في سوريا تجاوز الحدود السورية والإقليمية»، مشيراً إلى «أن كارثة سوريا هي الأكبر في تاريخنا المعاصر». كما دعا إيران إلى الالتزام بالمواثيق والمعاهدات التي وقعتها مع المجتمع الدولي، حتى يعم الاستقرار بالمنطقة.

قرارات توفيقية
التدقيق في مجريات القمة، يفضي الى ان المشاركين توصلوا الى اتخاذ بعض القرارات التوفيقية، التي لا تستجيب لكل ما يطلبه هذا الفريق او ذاك، وانما تقترب من بعض المطالب، ولو بنسبة متدنية. وفي هذا السياق، استجابت القمة – تقريبياً – الى المطلب السعودي بخصوص تمثيل المعارضة في سوريا. ولكن دون ان تتخلى عن العامل القانوني في تلك المعادلة، وبما يحفظ هيبة نظام الجامعة العربية. فبعد جدل طويل، وعميق، ونتيجة لاجتماعات ولقاءات مطولة استمرت حتى ساعة متاخرة من الليل، قررت القمة دعوة «الائتلاف الوطني المعارض» للمشاركة في اجتماعات مجلس جامعة الدول العربية، كـ «حالة استثنائية» للقواعد المعمول بها بالجامعة، اعتباراً من الدورة العادية المقبلة للمجلس، والتي ستعقد في أيلول (سبتمبر) المقبل بالقاهرة. وأكد القرار، الذي جاء في ضوء مطالبات عربية، بما فيها الائتلاف نفسه في جلسات اليوم الاول للقمة، وما سبقه من لقاءات وجلسات تحضيرية، انه لا يترتب على مشاركة الائتلاف أية التزامات تمس القرار السيادي لكل دولة عضو في جامعة الدول العربية.
وبحسب مراقبين، جاء قرار القمة «مخرجاً» للازمة التي شهدتها أروقة الجلسات، والتي تتمثل في مطالبات عربية بينها المملكة العربية السعودية وقطر بضرورة شغل الائتلاف للمقعد السوري بالجامعة، فيما تحفظت العراق والجزائر ولبنان الذي قرر «النأي بنفسه» عن القرار.
وفي الوقت نفسه، دعا القرار مجلس الامن الى تحمل مسؤولياته إزاء حالة الجمود التي اصابت مسار المفاوضات بين وفدي المعارضة والحكومة السورية في جنيف، والطلب الى الامين العام للجامعة مواصلة مشاوراته مع الامين العام للامم المتحدة والممثل الخاص المشترك للامم المتحدة وجامعة الدول العربية ومختلف الاطراف المعنية من أجل التوصل الى إقرار تحرك مشترك يفضي الى إنجاز الحل السياسي التفاوضي للازمة السورية وإقرار الاتفاق حول تشكيل هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة وفقاً لما نص عليه بيان مؤتمر جنيف.

نجاح جزئي
القمة، وعلى الرغم عن كل ما قيل او يقال عنها، لم تكن بعيدة عن الواقع العربي، ولم تكن مخرجاتها بمعزل عن هزات الربيع العربي الارتدادية. الا انها نجحت في تخطي تلك الهزات، وصولاً الى استعادة دورية القمة، واحياء الموقف العربي الموحد من عملية السلام. وخصوصاً في ضوء الزحف الاميركي – الاسرائيلي الرامي الى استغلال الواقع العربي الراهن من اجل تصفية القضية. وبالتزامن، فقد حركت المياه الراكدة بخصوص الملف السوري الذي طفت على سطحه، وصولاً الى محاولة خنقه، احداث اوكرانيا، وتطورات الازمة العراقية والازمة الخليجية وغيرها.
ومع ان عملية التقويم النهائي تحتاج الى عمليات بحث دقيقة، ومعمقة، وربط مخرجات القمة مع الواقع العربي المعاش، فإن القراءات الراهنة تؤشر على انها قمة لا تختلف كثيراً عن القمم السابقة الا من زاوية الظروف المحيطة والتي كانت مختلفة عن سابقاتها. ولكن باتجاه اكثر تعقيداً، وضمن سياق ازمات اكثر عمقاً.
وفي الصف المقابل، هناك قدر كبير من التفاؤل بان تتواصل المشاورات في مرحلة ما بعد القمة، وعلى هدي ما حدث فيها من ايجابيات اقلها تحريك المياه الراكدة املاً بدفع الربيع العربي الى وجهة اكثر وضوحا، والى ملاذات اكثر امناً. ومن ثم الى تفاهمات اكثر قرباً من نبض الشارع العربي.

احمد الحسبان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق