الأسبوع الثقافي

تاج السر الحسن… غنّى للأرض والانسان ورحل

عن 78 سنة، وبعد حياة حافلة بالعطاء الأدبي والشعري، وبعد الترحال بين مدينة وأخرى، بين كردفان والخرطوم في السودان، والقاهرة وموسكو وعدن… رحل الشاعر والباحث السوداني الدكتور تاج السر الحسن الذي غنّى “آخر المقطع للأرض الحميمة”. في أواخر العقد الثامن من القرن الماضي، التقيت في بغداد بالشاعر تاج السر الحسن، واكتشفت مدى إيمانه بالشعر والنثر معاً، قائلاً: “ان قضية الشعر هي قضية كبيرة جداً ومسؤولية ضخمة”… وانه يكتب القصيدة كما تفرضها عليه التجربة وكما يوحي بها الوجدان… مشيراً، الى ان قضايا العصر لا تخضع فقط للتفسير الشعري، ومن هنا، لا بدّ من كتابة النثر أيضاً… أكثر من ذلك، يومها اكتشفت طيبة وصدق ذلك الشاعر الذي يختزن في أعماقه الحب الكبير للإنسان، أينما كان وكيفما كان.
في البدء، لا بدّ من نبذة قصيرة عن حياة تاج السر الحسن الأدبية، الذي تعلّم في المرحلة الإبتدائية في كردفان – السودان، ومن ثم، انتقل للدراسة في جامعة الأزهر حيث تخرّج منها في سنة 1960 بعدما حصل على الديبلوم.
في ذلك الوقت، أصدر في القاهرة، مع زميله الشاعر جيلي عبد الرحمن ديوان “قصائد من السودان” وذلك في سنة 1956 تقريباً، وكان في الوقت نفسه، يكتب بعض المقالات والقصائد وينشرها في الصحافة السودانية والمصرية ومجلة “الآداب” البيروتية. ومن ثم، انتقل الى الدراسة في الاتحاد السوفياتي حيث تعلّم في “معهد غوركي للأدب” لمدة خمس سنوات، وحصل على الدكتوراه في الآداب سنة 1970. وفي السودان عمل في وزارة التعليم العالي.

مؤلفات شعرية
في سنة 1968 أصدر تاج السر الحسن في القاهرة، ديوان شعر بعنوان “القلب الأخضر” عن “دار الكاتب العربي” التي كانت تشرف عليها الدكتورة سهير القلماوي والشاعر صلاح عبد الصبور.
في تلك الأثناء، كتب المقالة الأدبية النقدية التي واظب على كتابتها الى أمد بعيد في الصحافة السودانية والمصرية والعربية.
وبعدئذ، أصدر ديوان “قصيدتان لفلسطين”، وديوان “النخلة تسأل أين الناس” الذي خصصه لتخليد مأساة أهالي مدينة حلفا في شمال السودان، الذين غرقت مدينتهم ومزارعهم بمياه السد العالي، فاختفت البيوت وظل النخيل يسأل أين الناس؟
الى ديوان “الآتون والنبع”، و«الشعر في زمن القهر”… وقد ترجمت بعض قصائده الى الروسية واليوغسلافية، كما تناول شعره بالدراسة باحثون عرب وأجانب.

قضية الشعر
عندما التقيت تاج السر الحسن في بغداد، دار الحوار بيني وبينه حول تجربته الشعرية، فقال لي:«ولدت في وسط يكتب الشعر، ووجدت نفسي أكتب الشعر. وكانت كتابة الشعر في البداية مسألة عادية، كما ينبع الماء من الصخر، ولكن بعد ذلك درست وتعرّفت على نظريات الأدب والنقد في الأدب العربي القديم والشعر العربي القديم وتجارب النقد في الشعر المعاصر، وقرأت الشعر الأوروبي المترجم، وقرأت كثيراً من الشعر في لغاته الأصلية كاللغة الروسية مثلاً”.
من هنا، كما قال:«أصبحت قضية الشعر بالنسبة إليّ، هي قضية كبيرة جداً، تعني مسؤولية ضخمة، هي في واقع الأمر مسؤولية قومية وإنسانية في الوقت نفسه، وفيها ما يوجد في الشعر من المعاناة الكبيرة والصعبة. وأعتقد ان الشعر، أستطيع فيه أن أعبّر عن كثير من المسائل الخاصة جداً، ومن الملاحظات الدقيقة عن الحياة وفلسفتها. وينعكس في شعري كثير مما عرفته في الوجود من تجارب ومعارف”.

نوع القصيدة
ولم يتمالك تاج السر الحسن من الإعتراف بأن التجربة الشعرية “ما زالت بحاجة الى التطوير والى التوسع، خصوصاً أننا ما زلنا في الشعر العربي المعاصر نقتصر في شعرنا على الوجدانيات الأدبية. وهناك ضرورة لشعر القصيدة الكبيرة ولشعر التمثيلية المسرحية. وهذه مسائل طبعاً تحتاج من الشاعر الى الوقت والجهد والى كثير من الإمكانيات”.
أما القصيدة التي يكتبها تاج السر الحسن، فهي “القصيدة كما تفرضها عليّ التجربة، وكما يوحي بها الوجدان. لا افكّر في شكل البيت الشعري ولا الموسيقى، ولكن عندما يتداعى الشعر تتداعى معه حاجاته الشكلية”.
يومها، قال لي:«لكنني أكتب في هذه الأيام في إطار التجربة الشعرية المتعلقة بالتفعيلة”.

التجربة النثرية
بعيداً عن الشعر، لتاج السر الحسن تجربته النثرية أيضاً، وكان يعيرها اهتمامه الشديد، ويعترف بدورها الكبير، في عالم يعج بالأسئلة، وبالقضايا والمعضلات المستعصية، من كل نوع ولون…
من هنا، يقول:«في واقع الأمر، كنّا نكتب الشعر فقط”، ولكنه يعتبر:«نحن في بلد كالسودان متعدد الأطراف والقبائل والقوميات والمناخات الطبيعية. وهو قطر يتصل بشكل أو بآخر بقضايا افريقيا السوداء، وقضايا القارة الافريقية بشكل عام، وقضايا الإنسان العربي في فلسطين، وهذه المسائل كلها تجعلنا نفكر في مصير هذا العالم الذي أصبح لا يخضع فقط للتفسير الشعري، بل انه يحتاج أيضاّ الى المعارف الأخرى لتفسير الأشياء”.

مسؤوليات أخرى
انطلاقاً من هنا، كان يرى، انه كشاعر “من شعراء افريقيا، وفي بلد كالسودان نسبة الأمية فيه تكاد تكون كبيرة، يفرض علينا الواقع الإجتماعي مسؤوليات أخرى غير كتابة الشعر، وهي أن نقوم بدور المنورين لأهلنا والقضاء على الجهل، وخصوصاً ان كثيراً من القضايا المطروحة، كقضايا السلام والحرب، وقضايا العنصرية والصهيونية، وقضايا تتعلق بالثقافة السودانية نفسها وأصولها وهل هي في العصر النوبي القديم، أو هي في العصر المسيحي، أو هي في العصر العربي بعد الإسلام؟ وما هو موقفنا من هذه الأشياء، وما هي علاقتنا بها… يعني هذه الأسئلة كثيراً ما تطرح نفسها علينا، فنضطر الى أن نكتب في هذه المسائل أشياء ليس لها علاقة بالشعر، وهي ذات علاقة وثيقة بمشاكل وقضايا الإنسان السوداني وثقافته المعاصرة وعلاقاته بينه وبين الشعوب الأخرى الموجودة في المنطقة”.
ويعتبر، ان “ما اغترفناه من ثقافات انسانية من خلال دراساتنا في الخارج تفرض علينا أن نكتب عن حضارات ومعارف لا بدّ من تعريف شعبنا بها. يعني مثلاً، نحن نعرف أن شاعراً  مثل الكسندر بوشكين هو شاعر كبير جداً في الأدب الإنساني ويوازى بالشاعر لورد بايرون، وطاغور، وغيرهما من كبار الشعراء في العالم، ولا بدّ من تعريف مثل هؤلاء الشعراء، وخصوصاً ان ما كتب عن الشعر الروسي وعن الأدب الروسي في عصر بوشكين قليل، وهذا ما كرّست له عدداً من المقالات في كتابي “بين الأدب والسياسة”، الذي صدر عندكم في بيروت، عن “دار الجيل”.

بلا شواطىء…
فالنثر بالنسبة إليه، هو اتجاه بلا حدود وبلا شواطىء. لأن النثر في نظره يتجه من القضية السياسية المعقدة وتاريخها، كالقضية الفلسطينية مثلاً، الى أقصى المسائل البعيدة في جنوب افريقيا العنصرية يومها… أو الى ما يتعلق بعلم الجمال، أو بالنقد المعاصر، أو التعريف بمذهب فني من المذاهب الحديثة، أو الكتابة والتعليق على رواية معاصرة، أو نقد شاعر سوداني… فحدود النثر في رأيه، لا تقل عن حدود الشعر أيضاً.

«بين الأدب والسياسة”
في ذلك اللقاء البعيد، تحدث تاج السر الحسن مطولاً عن كتابه النثري “بين الأدب والسياسة”، وهو عبارة عن مجموعة من المقالات التي كتبها في أوقات متفرقة في الصحافة السودانية، تناول فيها ردود أفعال العصر. فهناك مثلاً، مقالة عن نلسون مانديلا، ونحن نعرف هذه الشخصية الافريقية العظيمة. وهناك مقالات عن القدس وما يجري فيها من تخريب من قبل الدوائر الصهيونية. ومجهودات منظمة اليونسكو، وخصوصاً عندما كان على رأسها مختار أمبو الذي بذل جهوداً كبيرة في ترقية وتطوير الحركة الثقافية في اليونسكو وتقدمها لصالح كل شعوب العالم، وخصوصاً شعوب العالم الثالث. وهناك مقالات عن الشاعر بوشكين، والروائي غابرييل غارسيا ماركيز. وهناك بعض التعليقات على ما دار في السودان من أحداث أدبية تتعلق ببعض البرامج التلفزيونية، الخ…
المهم، ان الكتاب يتناول مختلف الموضوعات، لكنها كلها تصب في مصب واحد، الهدف منه توعية وترقية وتطوير الإنسان السوداني وتعريفه ببعض المسائل العصرية الملحة.

مصطلح الابتداعية
من أبرز مؤلفات تاج السر الحسن أيضاً، الكتاب الذي يتناول فيه قضية النقد للشعر العربي بين الحربين، يعني الحرب العالمية الأولى والثانية، ويحمل عنوان “الابتداعية في الشعر العربي الحديث”، وقد لجأ الى كلمة الابتداعية لأنها – كما يقول:«تليق بالشعر العربي الحديث، وهي تعبّر عن ذلك. وهي الكلمة التي لم ابتدعها أنا، بل ابتدعها أستاذنا الجليل الراحل أحمد حسن الزيات في كتاباته في مجلة “الرسالة”، وقد وجدت انها أصلح كلمة لأن تكون مصطلحاً لنا في ما يتعلق بهذا الموضوع”.
وهو يتناول في هذا الكتاب، خمسة أقطار عربية تقريباً. يتناول شمال افريقيا ممثلاً في شخصية أبو القاسم الشابي. ويتناول المدرسة الإبتداعية السودانية ولها عدد من الكتّاب والشعراء والنقاد وعلى رأسهم محمد أحمد محجوب. ويتناول مدرسة لبنان والشام وعلى رأسهم الياس أبو شبكة الذي يعتبره الحسن:«الشاعر الجليل العظيم، أحد الشعراء الكبار في هذا العصر”. ويتناول أيضاً، البيانات الأدبية التي ساعدت في تكوين تلك المدرسة عند أولئك جميعاً. كما تناول “الغربال” لميخائيل نعيمه، و«الديوان” للمازني والعقاد.

صوت الذات
خلاصة القول، ان مفهوم الشعر عند تاج السر الحسن، هو “أن نكتب عمّا في أنفسنا وعما يجيش فيها من آلام وأفراح ومعاناة وانفعالات تتعلق بالحب واليأس والكره والشفقة والخوف، وكل تلك المشاعر الإنسانية التي تتولد في العصر الحديث نتيجة الضغوط الإجتماعية وحياة العصر الحديث. إذاً، الإنسان يعبّر عن ذاته. يعني رفع صوت الذات في الشعر، وليس صوت التقليد والأشكال الجاهزة القديمة”.

اسكندر داغر
 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق