تشكيل

«تحية من بيروت الى اسياد الرسم في العالم» بريشة اميليو طراد

معرض استثنائي وفرصة نادرة تضعها عايدة شرفان في متناول الجمهور خلال شهر تشرين الثاني (نوفمبر) الحالي في غاليري فاين ارت – وسط بيروت، من خلال «تحية الى اساتذة الرسم الكبار»، انه معرض الرسام الشهير اميليو طراد، نقول انه استثنائي لان فيه تجتمع وتتحقق منافع عدة الى جانب اهميته  الاولى كونه نوعاً من تكريم وتحية لاساتذة الرسم الكبار في العالم، اذ يقدم رحلة مشوقة وممتعة عبر العصور والازمنة ضمن مسافة واحدة، فيستزيد المتلقي بها ثقافة عبر التعرف على اعمال هؤلاء الكبار اسياد الفن التشكيلي من ليوناردو دافنتشي الى يومنا الحاضر، ويستمتع بفنهم وفن اميليو طراد على حد سواء.

اميليو طراد الذي يؤكد مرة جديدة قوته التقنية وقدرته على الخلق، ها هو هنا يضع في متناولنا نتيجة دراسة وبحث تطلبت منه 30 عاماً من مقاربات وتلاق وتباعد بين التقاليد والحداثة، بين الاصالة ومستلزمات عصر الاستهلاك. رحلة لا بد ان  تتيقن معنا عبرها وتصل الى الخلاصة ذاتها التي وصل اليها الفنان وهي ان الثورة الفنية تقوم فعلياً من داخل ومن رحم التقاليد وليس بعيداً منها وان التلاقي والتكامل هما الحكَم في العمل الفني في كل زمان ومكان.
ذلك ان الجمال او الجمالية الفنية لا تغيب ابداً عن اي عمل قديم او جديد، ويسأل اميليو طراد في هذا السياق: الا نحس بالمتعة الفنية ذاتها حين ننظر الى لوحة لغويا او لمونيه؟ وهل نجحنا ابداً في ان نكون اكثر حداثة واصحاب افكار من الفنانين حتى غير المعروفين في رسومات الصخور؟ ثم الا يلخص ليوناردو دافنتشي بمفرده او الا يختصر هذه الرحلة بين الوقت والمسافة؟

استمرارية وتكامل
وانت بدورك حين تتأمل اللوحات المعروضة في الغاليري، تماماً مثل اميليو طراد، لن تلاحظ اي تضاد او اختلاف بين العملين القديم والجديد اللذين اجتمعا في كل اللوحات بل ستشاهد ان هناك تكاملاً واستمرارية لا بل ان هناك تشابهاً بين اللوحتين الحديثة والجديدة. وبدا كأن الفنان اختار لوحات للكبار تشبه الى حد ما لوحاته ليوصل الى المتلقي فكرته.
يقول الفنان  طراد في معرض تقديمه للمعرض: «من خلال هذا التكريم انا  ألقي نظرة على اساتذتي فيما  استلهم الحداثة وقد رحت اغوص في التقاليد المشهدية الوصفية الغربية الى الابعد قدر الامكان لان المهم بالنسبة الي كان ان اتسجل في مساحة واحدة وعلى قماشة واحدة، اصبحت مسرحاً للمواجهة بين التقاليد والحداثة، وحيث يتضح سريعاً ان نتيجة هذه المقارنة ليست من نوع المعاكسة والنقض بل استمرارية وتكامل كما اسلفنا، كون الجمالية مثل هالة غير مرئية تبقى فوق كل الميول الفنية في كل العصور بصورة دائمة ومستمرة، مما يؤكد ان الفن بكليته يسافر في الازمنة ويقطع المسافات وكل تاريخ البشرية من خلال بطاقة سفر واحدة هي الموهبة.
ومما لا شك فيه ان اميليو طراد كان حريصاً في هذا المعرض على ان يقول للمتلقي ان هذه اللوحات هي وليدة اليوم، وليدة هذا العصر وهذه اللحظة من خلال انابيب الالوان المفتوحة الموضوعة على الطاولة في اكثر من لوحة مما يضفي صفة الآنية على العمل ويعطي انطباعاً بأن الرسمة انجزت للتو، ونتوقف عند احدى اللوحات ايضاً التي تظهر فيها علب الكوكا كولا مما يدل بوضوح على اننا نعيش وسط عصر الاستهلاك.

جاذبية وسحر
المعرض الذي نحن في صدده يمثل عموماً نظرة اميليو طراد الى هذه اللوحات التي  من خلالها تضع فنه واسلوبه الخاص المميز تحت الضوء، وذلك عبر ادخال كل العناصر الاساسية التي كنا نعهدها في لوحاته: النوافذ والنباتات والنسور، ونلاحظ تشابهاً حتى في بعض اللوحات خصوصاً في لوحة عنوانها «العالم غير مكتمل».
هو اسلوب اميليو طراد ان يترك التفاصيل ويغوص الى الجوهر وهو قادر على ان يصطحب المتلقي معه بجاذبية وسحر. وهو من خلال لعبة الضوء والظل التي يتقنها ببراعة يضفي على اللوحات جواً من السرية الطبيعية غير المتصنعة او المفتعلة، اما رؤيته فغير مرتبطة بزمن معين بسبب توقه الدائم الى المطلق  وحتى من خلال بعض الخلفيات. ويسجل للفنان انه تنبه جداً الى المعايير الهندسية فهو، حتى لو ان الخيال يبدو مهماً جداً في اعماله، لا ينسى المهنة التي تبقى المفتاح الاكبر لكل نجاح مشهدي او وصفي. فكل لوحة تقدم كأنها ظهور تشكيلي في بحث عن التناغم كون بها رؤيته الشاعرية الشخصانية جداً التي كانت مفتاح نظرة حساسة متجددة ابداً في عالم الرمزية.
ونلاحظ ان الفنان يحب  تدوين مشهدياته المحسوسة التي يشعر بها امام هذا المشهد او ذاك ويتضح ان اعماله كلها ما هي الا مقدمة ليعبر من خلالها عن حقيقته الشخصية التي يقترحها علينا دون ان يفرضها فرضاً، ولعل قوة فنه تكمن في انه يجعلنا نلتقطها  بالاحرى بفضل الجمالية التي تلبس بشاعرية الوانه الناعمة الحنونة والحارة على القماش، وهناك  تحفظات في تأليفاته كفيلة بأن تنزع كل عنف حتى عندما يرسم شخصيات قاسية ذات حركة مجمدة.
في اعمال اميليو طراد تلك نرى بوضوح توقاً الى المطلق  والى ادخال بصمة تقول بأن هناك قوة خارقة اعظم واكبر قادرة على فعل اي شيء والتحكم بكل شيء، من هنا تندرج اعماله ضمن الخط السوريالي.

فنان مجدد
اذاً ها هو الفنان التشكيلي المجدد صاحب الرؤية المستقبلية اميليو طراد يتابع من خلال معرضه الاخير هذا بناء عالمه او «عوالمه» الغريبة جداً والخاصة جداً  بنضج واحترافية، مقدماً مجموعة لوحات ذكية ومتوازنة تؤكد مرة جديدة قدرة هذا الفنان اللامتناهية على الخلق فنرى ان كل شيء عنده  مباح ومسموح ولا حدود يعترف بها لا بين السماوات والارض ولا بين الواقع والخيال والاساطير.
يتميز فنه بمنحاه السردي اذ يجتمع اكثر من مشهد واكثر من حادثة في اللوحة الواحدة وبما يوحي للمتلقي بمسافات عدة قريبة وبعيدة، فنلاحظ كيف تحتشد الافكار وتجتمع في اللوحة الواحدة في كثير من الاحيان.
اما شخصيات طراد العارية كما نعهدها فتبدو مثل الرجال الآليين باردة بلا تعابير ولا مشاعر تذكرنا بشخصيات الفنان فرا انجليكو القادم مثله من فلورنسا.
اميليو طراد ولد في بيونس ايرس سنة 1953. بعد حصوله على ديبلوم بالفنون الجميلة غادر الارجنتين ليقطع اوروبا حيث اكمل وصقل ثقافته الفنية في كل المتاحف الكبرى.
سنة 1982 قرر ان يستقر في باريس حيث يعيش ويعمل حالياً اليوم. سنة 1992 حصل على الجائزة الاولى من صالون الخريف في باريس الامر الذي فتح امامه ابواب الغاليريهات الفنية، وسنة 1997 حصل على الجائزة الاولى باربيزون وجائزة مؤسسة تايلر في باريس.
عرض في باريس وبيونس ايرس وبيروت ولاهاي وبروكسل ولندن وميامي، وله اكثر من 15 معرضاً فردياً ومساهمات في اكثر من عشرة معارض جماعية بين باريس وبيونس ايرس.

كوثر حنبوري

العدد ٢٨٢٤ الاثنين ٢٥ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٣ /٢٢ محرم ١٤٣٥

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق