رئيسيسياسة عربية

الجيش… غراء قابض على الاستقرار

يراهن الغرب باستمرار على قدرة الجيش اللبناني على الحفاظ على الحد الادنى من الاستقرار، في ظل تفلت القوى السياسية من عقال الحكمة والتروي نتيجة انخراطها في الصراع السوري. لذا لا تتلكأ التقارير الديبلوماسية والبحثية عن حض المجتمع الدولي على الانخراط في عملية دعم لوجستي واسعة للمؤسسة العسكرية، تتخطى الدعم السياسي اللفظي.

 يعتبر تقرير ديبلوماسي اوروبي ان «مستقبل لبنان يناط بأداء الجيش اللبناني الذي هو المرساة والصخرة في لبنان. فهو لا يزال غير مسيّس، ويبقى المؤسسة العسكرية الشرعية المتميزة في هذا البلد المتوسطي الصغير».
يضيف: «من السهل جداً التنبؤ بانهيار لبنان بسبب الخلافات الطائفية المرتبطة بالصراع الاقليمي. فتدخل حزب الله الشيعي في سوريا بغية تغيير قواعد اللعبة، قابله صد جذري من جانب جماعات الجهاديين السنة الذين باتوا يستخدمون لبنان قاعدة للهجمات في سوريا. بالنسبة الى لبنان، الأزمة في سوريا هي، في آن، حرب أهلية داخلية – خارجية. انها في الوقت نفسه حرب بالوكالة تنطوي على تورط القوى الكبرى، ومعركة طائفية إقليمية تدور رحاها في ساحات القتال السورية. وسط هذا الخلط، يقف الجيش اللبناني في الوسط. هو يحتاج إلى دعم قوي من الولايات المتحدة في الوقت الراهن وفي المستقبل لمنع لبنان من الانزلاق الى التفتيت والى حرب أهلية شاملة».
يتابع التقرير: «يقول العرف انه عندما تعطس سوريا، يصاب لبنان بالانفلونزا. وسوريا تعطس بعنف في الوقت الراهن. لكن رغم هذا العرف الذي بات تقليداً سياسياً، يبقى لبنان مستقراً نسبياً بفعل الجيش اللبناني. اما السلطة اللبنانية الطائفية فتساعد وتعيق، على حد سواء، مهمة الجيش اللبناني في تثبيت الاستقرار. انها مرنة بما فيه الكفاية حتى تستطيع تحمل الصدمة، لكنها حتى الآن تبقى عرضة للتدخل الأجنبي، مما يعني أنه لا يمكنها اتخاذ قرارات سياسية موحدة».

3 سيناريوهات
ويرى ان «هناك على الأرجح ثلاث نتائج محتملة من الحرب الأهلية السورية – أي منها لن تكون مرغوبة من المنظور الإنساني – من شأنها أن تؤدي إلى سيناريوهات مختلفة ستجد في لبنان مساحات شاسعة للعبث.
السيناريو الاول: يقوم على ان نظام الرئيس السوري بشار الأسد سيفوز في الصراع الحاصل، مما يتهدد، بشكل ملحوظ، بخطر الحرب الأهلية في لبنان. ويمكن ان يؤدي رد المجموعات الجهادية والسلفية الساخطة على فوز الاسد، إلى عنف طائفي بالجملة. علماً بأن هذه المجموعات عثرت راهناً على ملاذ آمن في لبنان.
السيناريو الثاني: يقوم على فوز المعارضة السورية، مما يؤدي حكماً الى قيام حكومة سنية في دمشق. عندها، سيفقد حزب الله حليفاً استراتيجياً رئيسياً في بلاد الشام، ومن المؤكد أنه سيحشر وسط ضغوط تسعى الى نزع سلاحه. ومن المرجح أن يرفض الحزب هذا المسعى، مما يمكن أن يشعل حرباً أهلية أخرى.
السيناريو الثالث: يحافظ لبنان على الستاتيكو الراهن، وتستمر سوريا على اضطرابها، ويبقى الجيش اللبناني ركناً رئيسياً في الاستقرار».

الاكثر جاذبية
يقول التقرير الديبلوماسي الاوروبي: «لا ريب في ان السيناريو الثالث هو الخيار الأكثر جاذبية للجيش اللبناني في الوقت الحاضر، بصرف النظر عن أي تحولات جيو – استراتيجية كبيرة ممكنة او يجري العمل عليها. كما ان أفضل ما يخدم مصلحة لبنان هو السيناريو الثالث بعينه، لأنه يبقي الصراع اللبناني الداخلي مركّزاً في الخارج. مع ذلك، يجعل هذا السيناريو الجيش اللبناني الغراء القابض على استقرار لبنان، لكنه سيبقى تحت ضغط كبير، وهذا هو السبب الرئيس الذي يجب ان يحرك الولايات المتحدة الاميركية لاتخاذ قرار جذري بزيادة مساعداتها، بصرف النظر عن امكانات الاضطراب الواضح الذي قد يصاحب السيناريو الثالث. اما في حال طغى السيناريوهان الاول والثاني على السيناريو الثالث، فتبقى القوات المسلحة اللبنانية في حاجة ماسة وعاجلة وضرورية إلى مساعدة كبيرة كي تشكل منطقة عازلة بين الفصائل المسلحة الشيعية والسنية التي تستعد بإستمرار لجولات قتال مسلح. ومن دون قوات مسلحة لبنانية قادرة على الحل والربط، ينحدر لبنان إلى الهاوية من دون فرامل او معوقات».
ويشير التقرير الى ان «هناك صلة واضحة بين الصراع في سوريا وعدم الاستقرار في لبنان. فدراسات سياسية كثيرة تربط عدم الاستقرار في لبنان بعوامل عدة، بما فيها «حزب الله» ودعمه نظام الأسد، والإسلاميون السنة اللبنانيون ودعمهم المتمردين السوريين الذين تسلحهم راهناً وكالة المخابرات المركزية الاميركية. وتعتبر هذه الدراسات الجيش اللبناني الجهة العازلة الوحيدة القادرة على منع حدوث حرب أهلية طائفية شاملة. لذا من الضروري على الاتحاد الأوروبي وألمانيا تقديم الدعم اللوجستي الى الجيش، وهو دعم اساسي لا مفر منه، يساوي تماماً الإرادة السياسية التي أظهرها الغرب تجاه الجيش اللبناني. وفي حين يشكك بعض المتطرفين في لبنان بحياد القوات المسلحة اللبنانية عن الصراع الطائفي، تجمع كل الأحزاب السياسية الرئيسية على ان لها مصلحة استراتيجية في دعم الجيش اللبناني، الذي من دونه سيتحول لبنان الى مجموعات من الميليشيات المحلية».

  اللاجئون
ويلفت الى انه «اضافة الى العوامل المذكورة اعلاه، يشكل اللاجئون السوريون في لبنان عامل تهديد اساسياً ليس فقط على الدولة بوصف ازمة اللجوء أزمة إنسانية، لكنه أيضاً عامل تهديد بسبب عدم الاتزان في الترتيب الدقيق الذي يحكم تقاسم السلطة والذي قد ينتج من استمرار تدفق اللاجئين. فالعديد من هؤلاء هم من السنة ويلقون تعاطفاً واحتضاناً من جانب السنة في لبنان، في كفاحهم ضد الأسد، في حين أن العديد من اللاجئين الشيعة يدعمون النظام. ولم يكن اهتمام القوات المسلحة اللبنانية بالمتطرفين السنة مساوياً لاهتمامها بحزب الله وسلاحه. اذ ليس لدى الجيش اللبناني القوة القتالية القادرة بما فيه الكفاية على الردع لإجبار حزب الله على نزع سلاحه وعلى عدم التدخل في سوريا، لكن لدى الجيش ما يكفي من المعرفة للحد من نشاط حزب الله داخل لبنان. وهذه ليست الحال مع الفصائل السنية، التي هي أكثر صعوبة لمن يريد تحديد سبل السيطرة عليها. ومع ذلك، ما دامت الفصائل اللبنانية تركز طاقاتها على سوريا، ستساند القيادة السياسية السنية الجيش اللبناني، لأنها من دونه ستضطر إلى الاعتماد على حماية المتطرفين الدينيين الذين لا سيطرة لهذه القيادة السياسية السنية عليهم».

الحزب
في الموازاة، يرى مرجع في قوى الرابع عشر من آذار ان «قرار حزب الله الذهاب الى سوريا للقتال الى جانب النظام والانخراط في الصراع العسكري، قد يكون من أهم وأخطر القرارات التي اتخذها الحزب في تاريخه. فهذا القرار الاستراتيجي الكبير كان مكلفاً، ورتب عليه خسائر وأعباء وتبعات، بدءاً من خسارته عشرات من خيرة كوادره، الى ما جوبه به من تساؤلات وضغوط بين بيئته التي اعتادت لثلاثة عقود العنوان الاسرائيلي، وليس انتهاء بتعرضه الى حملة دولية وعربية مع إدراج جناحه العسكري في لائحة الارهاب الأوروبية ومع اتخاذ مجلس التعاون الخليجي جملة إجراءات رقابية وعقابية مالية وأمنية، اذ اعتبر تدخل حزب الله عسكرياً في سوريا، وخصوصاً في معركة القصير، بمثابة الاسهام في تعديل مسار الصراع وشكل خرقاً لقواعد اللعبة ولخطوط حمراء حددت لمنع انتقال الأزمة السورية الى دول الجوار ولمنع أي تدخل مجاور في الصراع السوري».
ويشير المرجع اياه الى ان «تدخل حزب الله في سوريا شكل نقطة تحوّل في مسار الوضع الداخلي وبسببه يحمّل فريق الرابع عشر من آذار الحزب مسؤولية تصاعد الصراع السني – الشيعي ومخاطر الفتنة، ومسؤولية تعطل الحياة السياسية وعدم تشكيل حكومة جديدة وعدم استئناف الحوار الوطني بعدما أعطى الحزب أولوية مطلقة للملف السوري الذي يقرر وجهة الصراع وهوية المنتصر. اما الجزئيات في لبنان فتفصيل صغير في سياق المعركة الاستراتيجية».

انسحاب؟
هل ينسحب الحزب من سوريا؟
بعض من فريق الثامن من آذار يرى بأن «قرار التدخل اتخذه الحزب بتأن واثر دراسة شاملة حددت الكلفة العالية لكنها حددت ايضاً المكاسب والضرورات الواجبة للتدخل. وهي في غالبيتها ذات طابع استراتيجي وأمني واستباقي ووقائي. هو حقق اهدافاً مباشرة بدءاً من معركة القصير، ومن ثم تمكن من تحقيق مكسب سياسي يتمثل بقدرته على استيعاب كل الضغوط وإثبات قدرته على إقناع بيئته بمراميه، فتجاوز بذلك امتحان الصمود والاقناع، وبات قادراً على تجاوز مبررات بقائه في حال انتفت الحاجة الى مشاركته في الحرب السورية، مع ادراكه في الوقت نفسه صوابية خياره، الذي تعزز في ضوء الصفقة الاميركية – الروسية وعنوانها الظاهر الكامن في الاسلحة الكيميائية».
ويعتبر مراقبون سياسيون ان الحزب «غير راغب راهناً في الانسحاب الكلي من المعركة السورية، لكنه سيبقي النقاش مفتوحاً في هذا الشأن:
أ- في ضوء التطورات المحتمل ان ترافق مؤتمر «جنيف – ٢»، وخصوصاً مع توقعه اختراقات واسعة من شأنها أن تقدم المسار السياسي على الخيار العسكري.
ب- في ضوء تقدم المعركة ضد الجماعات المسلحة، فإن الحزب لا يستبعد ان ينخرط المجتمع الدولي في حرب ضروس، وربما عمليات استخبارية معقدة ترمي الى تجفيف مصادر الدعم بالمال والسلاح واحتواء هذه الجماعات وعزلها وتحديد هوية المعارضة ومن يمثلها على طاولة المفاوضات».
ويخلص المراقبون الى ان الحزب «لن ينسحب راهناً من سوريا، لكنه يدير اذناً صوب جنيف حيث الحل والربط السياسيان، فإذا تحققا سيكون انسحابه من سوريا، تماماً كما انخراطه، هادئاً وسلساً.

طلال عساف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق