تشكيل

حدائق ومنتزهات باريسية نقلتها فاطمة الحاج الى وسط بيروت

«لا شك في ان مفكر رودان يشبهني» (وهي المنحوتة الشهيرة للفرنسي اوغوست رودان)، هذا ما تراءى للفنانة التشكيلية فاطمة الحاج حين جلست تتأمل منحوتته من على مقعد في حديقة متحفه، وتقول لـ «الاسبوع العربي»: «لا يمكن ان انسى كيف انني حين نظرت الى الوان الخريف الرائعة المرتبة بعناية هناك في الحديقة ادمعت عيناي الامر الذي دفع بي فوراً  لشراء دفتر رسم خاص بالاولاد لأدون عليه سريعاً حنيني وانفعالاتي في هذا المكان، ومن هنا انطلقت فكرة المعرض». والمقصود معرضها الجديد في غاليري الوان الصيفي فيللاج في وسط بيروت تحت عنوان «حدائق ومنتزهات» الذي ضم اخر اعمالها عن باريس المدينة  التي تعلقت بها، احبتها كثيراً ولا زالت منذ كانت فيها تلميذة.

تشكل معرض فاطمة الحاج من 42 لوحة بالالوان الزيتية والاكريليك، او بالاكريليك على القماش بالحجم الكبير، وهو ليس بالطبع  وليد هذا العام بل تحضرت  له  الفنانة منذ العام 2007 وهي منذ ذلك الوقت تزور باريس دورياً، وترسم رسومات اولية (لا تحب الاستعانة بالكاميرا) للحدائق والمنتزهات التي زارتها وتفاعلت معها لتدون احاسيسها وانفعالاتها وما خلفته في اعماقها هذه المناظر، مما اتاح لنا الاطلاع  عبر ريشتها على اجمل الحدائق الباريسية واجمل الاوقات التي يقضيها الناس في المنتزهات العامة: العائلات والامهات مع اطفالهن والعشاق مع بعضهم، فرأينا انفسنا نزور معها القصر الكبير ومنتزه مونتسوري في اكثر من لوحة وحديقة للنباتات وغيرها.

الى عالم مونبارناس
ونعرج مع فاطمة الحاج على برج مونبارناس الشهير الذي يتيح للسياح التعرف على اهم معالم باريس من الطبقة 56 حيث يظهر بوضوح برج ايفل وكنيسة نوتردام وكل المدينة، والفنانة هنا تتوسع في اظهار التضاد بين مونبارناس القديم والجديد وتضيء على العلاقات الانسانية الجميلة التي كانت سائدة بين الفنانين في مونبارناس القديمة وتلك الحميمية الجميلة، وهنا تجدر الاشارة الى ان الفنانة وضعت دراسة عن هذه المقارنة استحقت عنها تنويهاً من الجامعة.
الحقيقة اننا عندما نتأمل اللوحات نشعر ان اجواء الفرح تسيطر عليها الا ان هذه الالوان تعكس بعض الحزن خصوصاً احدى لوحات المفكر «لو بونسور» وسرعان ما نعرف ان الفنانة عانت في السنتين الاخيرتين من تجربة فقدان احباء لديها  وربما لهذا السبب وجدت ضالتها في اللوحات الكبيرة الحجم لتفرغ فيها كل قلقها وتوترها الداخلي.

تعبيرية شعرية
وفاطمة الحاج حين ترى المشهد لا ترسمه مباشرة بل تتركه يتخمر في ذهنها وخيالها لان طريقتها في رسم الطبيعة التي لم تزل مرجعها الدائم في كل معارضها، لا تشبه اسلوب الانطباعيين لانها تركب وتؤلف وتذهب باتجاه تعبيرية شعرية وتبتعد عن الرومنسية المبسطة باتجاه التركيب المشهدي «انا ارسم بتصرف – تقول – آتي بعناصر بعيدة عن التأليف والغي عناصر اخرى لا اراها مهمة بقدر ما يهمني اظهار المعاناة».

حنين ابنة الضيعة
اما قصة حبها لا بل عشقها للقرية اللبنانية فليس لها حدود فكلما عادت من احدى سفراتها تسارع فاطمة الحاج للخروج الى حديقة المنزل اولاً، الحديقة التي تزرعها وتسقيها وتعتني بها شخصياً وتحبها كثيراً. التراب يعنيها كثيراً مع كل ما له من دلالة على تعلقها بالجذور والاصول والينابيع وبالوطن مما يفسر تلك الشحنات المؤثرة من الحنين في لوحاتها التي يحس بها المشاهد، الحنين الى تلك الجلسات القروية الهادئة وهي ابنة «الضيعة» من منطقة الوردانية في اقليم الخروب 1953 تسكن بلدة الرميلة، بدأت الدراسة في الجامعة اللبنانية سنة 1974 وحصلت على ديبلوم دراسات عليا في الرسم والتصوير سنة 1978، وبعدها بثلاث سنوات درست في اكاديمية الفنون الجميلة في ليننغراد في الاتحاد السوفياتي قبل ان تصبح «بطرسبورغ». وبعدها كانت سفرة باريس اثر منحة حصلت عليها من الجامعة اللبنانية حيث درست الجداريات والمطبوعات والحفر وهي استاذة في معهد الفنون الجميلة منذ العام 1984. في البداية تأثرت باعمال بعض الكبار مثل «بونير» و«فنيس» و«كندنسكي» الا انها سرعان ما صار لها اسلوبها الفريد والمميز الذي يتعرف عليه سريعاً المتابع لمسيرتها الفنية.
في الختام يبقى ان معرضها الحالي «حدائق ومنتزهات» هو الفردي الـ 22 بعد مشاركات عديدة لها في لبنان وخارجه في باريس، لندن، ابوظبي،  الكويت، الشارقة، سوريا، مصر، عمان، مسقط، سوسة، الخرطوم ولوزان.

كوثر حنبوري

 

العدد ٢٨٢٢ الاثنين ١١ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٣ /٨ محرم ١٤٣٥

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق