دولياتسياسة عربية

هل انضم البترول الى عناصر الحرب الجهادية؟

يوم الثلاثاء 24 ايلول (سبتمبر)، انتهى الهجوم (الذي تحول الى مجزرة) على مجمع وست غايت، التجاري في نيروبي، بعد اربعة ايام من الخوف وتسبب بمقتل 67 شخصاً، 18 منهم على الاقل، من الاجانب. واعلن الرئيس اوهورو كينياتا على التلفزيون ان 5 من المهاجمين قتلوا و11 اعتقلوا. وان 175 شخصاً على الاقل جرحوا، بينما قالت منظمة الشباب، التي اعلنت مسؤوليتها عن العملية، عبر موقعها على تويتر، ان عدد الضحايا بلغ 137 رهينة.

 كشفت وزيرة الداخلية الكينية، امينة محمد، ان اميركيين وبريطانية تدعى سامانتا لوثوايث، المعروفة باسم «الشقيقة البيضاء» شاركوا في العملية، ويعتقد انها قتلت، وهي من مواليد جمايكا وعمرها 28 سنة. وشاركت في العملية الاخيرة، مع مهاجمين كينيين مهاجرين من جنسيات مختلفة: اميركية، وكندية، وبريطانية وفنلندية وسورية. اضافة الى الصوماليين، وهذا يدل على الطابع الجديد للقاعدة، مع العلم ان ثلاثة انواع من الحركات تنشط داخل الاراضي الصومالية:
– مجموعات مرتبطة مباشرة بالشباب الصوماليين.
– مجموعات ا
جنبية صغيرة، مرتبطة عقائدياً بالقاعدة، بالرغم من عدم وجود اي رباط عملاني واضح.
- خلايا متط
رفين محليين.

ضربات ارهابية
التشكيلات الارهابية، نفذت حتى الآن، ارتباطاً بالصومال، ضربات صغيرة، ولكنها سعت دائماً وراء ضربة «مثيرة ومدوية». واشار «الشباب» الى ان الاهداف هي المحلات التجارية الكبرى التي يرتادها اجانب.
خطط هذا التنظيم عمليات عدة، افشلتها حتى الآن الاجهزة الامنية المحلية، مدعومة بمخابرات اميركية وبريطانية واسرائيلية. وكانت معلومات اشارت الى وصول عناصر جهادية من اليمن، ومشاريع اعتداءات.
بيان «الشباب» الذي تبنى العملية اشار الى ان «الوقت حان لنقل المعركة الى كينيا». وهي كلمات تربط البلدين في عناق قاتل وتهدد بعمليات اخرى. فردت التنظيمات القاعدية في تلك المنطقة على الصعوبات التي واجهتها في السنة الماضية في الصومال، بالضرب في الخارج، على هدفين مزدوجين: المحلات التجارية الكبرى والاجانب، لاعطاء التحدي طابعاً دولياً اوسع، ادراكاً منها للردة الدعائية التي تتركها مثل هذه العمليات، ويدخل في هذا النوع من العمليات، حجز الرهائن.
واذا كان الشباب القاعديون يعتبرون انهم في حالة حرب مع كينيا، فان اختيار مركز وستغايت التجاري الضخم، لم يكن صدفة، فهو يقع في احد اغنى احياء نيروبي، يرتاده الاجانب في العاصمة الكينية ويملكه الثري اليهودي الاسرائيلي الكس تراختبرغ، المقيم في نيروبي، منذ عقود. وكان في المركز، ساعة وقوع العملية، حوالي 3000 شخص. فالمراكز التجارية، في نيروبي تعتبر اماكن اجتماع وتسلية، في اوقات الفراغ.
وانضم الى المرحلة الاخيرة من تصفية عملية الهجوم، اثنان من ضباط القوة الاسرائيلية لمكافحة الارهاب، التي تتولى في اي حال تدريب القوات الكينية الخاصة.
من هم الشباب الذين ضربوا في كينيا؟!
اسمهم الشباب وليست التسمية هوائية، لان الشباب يشكلون العمود الفقري للحركة التي تأخذهم مراهقين وتنتزعهم، احياناً اطفالاً من عائلاتهم، لترسلهم الى مدارسها الدينية ثم الى مخيمات التدريب. وبالرغم من الهزائم التي ألحقها بهم جيش كينيا في جنوب الصومال حيث يوجد البترول، كذلك قوات الاتحاد الافريقي واثيوبيا، في وسط البلاد، يبقى الشباب احدى المجموعات الاكثر تنظيماً في كوكبة المجموعات المتطرفة المرتبطة بالقاعدة، وعمدت الحركة الى تغيير استراتيجيتها القتالية، بعد ان خسرت كيسمايا، في ايلول (سبتمبر) 2012، المدينة المفتاح في الجنوب، بعد اشهر من خروجها من العاصمة مقديشو، وتحولت الى تقنيات الحرب والعمليات الانتحارية، اساس حروب القاعدة. وليست عمليتها الاخيرة في نيروبي، سوى نموذج من الخطط الجديدة.

  تطور الاوضاع
وكيف وصلنا الى هكذا وضع؟
بين 1996 و1997، ادركت مجموعة من الحركات الاصولية الاسلامية، انه من السابق لاوانه، فرض تفكيرها بالقوة، وكانت الصومال على وشك الاختناق بين ايدي امراء الحرب، تنقصها  الادوية والغذاء
، فانطلق الاصوليون، وكان بينهم عدد من »«شباب» الغد فادركوا اهمية التربية في بلاد 60 في المئة من سكانها دون السادسة عشرة، وقامت الوف المدارس الاصولية، وسط تجاهل الجميع، واصبح «تلامذة» الامس، «شباب» اليوم الجهاديين، الذين طموحهم الاسمى، هو الشهادة. فكانوا يخطفون المتطوعين الاجتماعيين الاجانب عندما لا يقتلونهم، ويجبرون الناس على اعتناق تفسيرهم الاصولي للشريعة والقرآن. ومنعوا الموسيقى والرياضة.
وكان صعودهم ثمرة مسيرة تدريجية، الى ان اختمر ظهورهم الى العلن في كانون الثاني (يناير) 2005، عندما دنسوا مقبرة ايطالية رمزاً للمسيحية، واصبح لهم قاعدة مهمة للتدريب العقائدي والعسكري. وبدأت تظهر اسماء، في قمتهم جهاديون عائدون من افغانستان، مثل احمد غودان، الذي اعلن نفسه اميراً للشباب، ثم مختار روبو، وابرهيم حاجي الافغاني. وكان عادن حاشي عيرو، مطلق عقيدة الشباب الذي قتله صاروخ اميركي في ايار (مايو) 2008، تدرب وتمرس في مخيمات بن لادن، في عهد الطالبان. اما صالح الصومالي، فكان يتولى هجرة المجاهدين الاجانب الى الصومال واليمن، قبل ان يقتله صاروخ اميركي في باكستان، في كانون الثاني (يناير) الماضي.
وبدأ يتكون تنظيم شبابي اممي – ديني، يرفض التمييز القبلي، او يستغله احياناً لمصلحته في انتظار الوقت المناسب، بينما كانت الصومال، ضحية حرب اهلية، بدأت مع سقوط سياد بري، في سنة 1993، عندما راح تنظيم المحاكم الاسلامية، المتعدد الانتماءات، يتحدى امراء الحرب فتحول الاعداء الذين حاربتهم الولايات المتحدة في سنة 1993 الى حلفاء.
وفي معركة مقديشو بين ميليشيات المحاكم، تميز فريق شجاع ومنظم اسمه الشباب، عرف بسرعة التحرك، والفعالية والانضباط، فدمر عناصره ميليشيات امراء الحرب واكثريتها من المرتزقة، وسيطرت المحاكم وكان فيها فريق من المعتدلين، على قسم كبير من جنوب الصومال ولكن العلاقة ساءت مع الشباب بعد زوال العدو المشترك. وفي كانون الاول (ديسمبر) 2006، كانت مناسبة اخرى، فغزا الجيش الاثيوبي القوي الصومال، واحتل مقديشو، بعد خمسة ايام ولجأت «المحاكم» الى الخارج، فبقي الشباب في الساحة، ووضعتهم واشنطن على لائحة المنظمات الارهابية، اخرجت الجيش الاثيوبي من مقديشو، في كانون الثاني (يناير) 2009، بعد حرب مضنية، سميت عراق اديس ابابا الافريقية وبقي الشباب بلا منافس، فاستعادوا الارض.
وفي الاول من حزيران (يونيو) 2008، شرح احمد غودلفه، قواعد الحركة، الايديولوجية، التي لم تتغير حتى الآن، وتقضي باقامة خلافة اسلامية في الصومال، عن طريق الجهاد، حتى اسلمة العالم كله . وسهلت الحدود «الشفافة» مع جيبوتي وكينيا، والمرافىء التي كانت تحت تصرف الشباب، دخول القاعديين الاجانب الى الصومال. وقدّر عددهم، في سنة 2009، بحوالي الف، بينهم باكستانيون، وسعوديون، ويمنيون، تسلموا مراكز قيادية.

  عمليات انتحارية
ثم كانت العمليات الانتحارية، العنصر الجديد، الغريب تماماً عن عقلية الصوماليين. وفي 18 ايلول (سبتمبر) 2006، فجّر احدهم نفسه، لدى مرور سيارة الرئيس يوسف في احد شوارع بيداوا، فكان «الشهيد» الاول في صفوف الشباب، منذ ان اخرجوا من مقديشو وكيسمايو، وبلغ عددهم 40 يومئذٍ.
وتحرك الشباب خارج الصومال، فضربوا اكثر من مرة في كينيا، التي شن
ت اكثر من هجوم عليهم في جنوب الصومال، وضربوا في اوغندا، التي يشكل عسكرها مع قوات بوروندي اساس قوات الاتحاد الافريقي في مقديشو. وفي كامبالا ضرب انتحاريون من الشباب، مطعماً اثيوبياً، في سنة 2010، يعج بمتفرجين على احدى مباريات بطولة العالم في كرة القدم وبلغ عدد الضحايا 74.
وكان الشباب على وشك السيطرة على وسط شرق الصومال كله، قبل تدخل كينيا واثيوبيا، لمساعدة القوة الافريقية.
ففي حزيران (يونيو) 2009، لم تكن اية حركة اصولية اخرى تسيطر على منطقة في اتساع سيطرتهم: 8 مناطق من 9 في وسط جنوب الصومال الشرقي، تؤمن لهم مطارين وثلاثة مرافىء، بينما كانت قوات الحكومة الصومالية المؤقتة، تحصر تواجدها، مع قوات الاتحاد الافريقي، القليلة التدريب، في احياء قليلة من مقديشو. وكانت قلة اهتمام المجتمع الدولي بأزمة بدت محصورة في الصومال، احد الاسباب التي سهلت صعود الشباب.
لا يزال هناك من يصف الشباب بالحركة الملحقة بالقاعدة بينما يراهم آخرون عنصراً قاعدياً اساسياً حقاً. فان ورثة بن لادن، يعتبرون القرن الافريقي منطقة مغرية، كما تؤكد الهجرة الجهادية الى اليمن والصومال. ويعتبر هؤلاء ان الهدف الاساسي هو اقامة جسر بين البلدين والسيطرة على خليج عدن، من دون اي اهتمام بالقاعدة الام.

نزاعات داخلية
نزاعاتهم الداخلية اضعفتهم، وكانت آخر حروبهم الداخلية، مع ميليشيات الزعيم النافذ، الشيخ حسن ضاهر عويس، الذي كان حليفهم. وما زالوا يسيطرون على بضع مناطق قروية خصوصاً، ولكنهم خسروا مواقع استراتيجية، ومن غير المحتمل ان يستطيعوا استعادة مقديشو وكيسمايو، وغيرهما من المدن الستراتيجية، ولكنهم يستطيعون توجيه ضربات قاتلة في الخارج، كما دلت عملية كينيا، وفي قلب مقديشو، كما فعلوا منذ ايام في احد المطاعم، فاوقعوا 18 قتيلاً، وفي شهر حزيران (يونيو) تم الاعتداء على تجمع الامم المتحدة في مقديشو، ثم الاعتداء الذي شنه 6 انتحاريين ومجموعة كوماندوس مسلحة على محطة المدينة وعلى قافلة للهلال الاحمر (34 ضحية).
ولم يسبق ان مرت «الصومال الجديدة» بمرحلة استعادة العافية، مثل اليوم، ولو بصعوبة. بينما يبقى الشباب التهديد الاكبر، الذي يستطيع جر البلاد الى تلك الحرب الاهلية التي تدوم منذ 23 سنة.
ان الصومال، في حاجة اليوم، اكثر من اي وقت مضى، الى مساعدة المجتمع الدولي.

جوزف صفير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق