صحة

العناية التلطيفية… كي يرحل المريض بسلام!

حين يُقال: المريض لن يُشفى والعلاج لن يجدي نفعاً والجسم لن يستجيب والمريض لن يعيش. وحين يُصبح المريض بحاجة الى رعاية ما قبل الموت… تبدأ العناية التلطيفية! أولم تسمعوا مقولة: الوجه المبتسم، اللطيف، شمس ثانية؟ اللطف هو موقف، تعبير، نظرة، لمسة، انه أي شيء قد يرفع شخصاً آخر. أنه أكثر ما قد يحتاجه مريض رفع الطب يده منه! وتذكروا دائماً أن الانسانية تنتقل بالعدوى فلا تنتظروا عدوى أحد بل كونوا حاملين لهذا «الميكروب»!

تستطيع كلمة طيبة إزالة قمم الثلوج فلنكن إذاً طيبين، لطيفين، خصوصاً مع المرضى – الضعفاء الذين لن يعودوا، مهما تدخل الطب، أقوياء. العناية التلطيفية هي عبورٌ الى الإنسان الآخر بكثيرٍ من الودِ والرأفةِ والتقدير، فذاك الإنسان، الإنسان الآخر، كان ذات يوم مثلنا: كان يمشي، يعمل، يحلم، يبني، يفرح، يُحب… لكن، لسببٍ ما، لمرضٍ ما، لخبيثٍ طارىء، لتراكمِ سنوات العمر، اقترب ليُصبح في خبر كان. الطب رفع يديه منه. انه في مراحل عمره الأخيرة. نتركه؟ نقول: عاش عمره ونغض الطرف ام نعيش لأجلِهِ وننسى أنفسنا أم نسأل من الآن وصاعداً: هل هناك في مؤسساتنا الصحية الرعائية عناية تلطيفية تُشاركنا، يداً بيدٍ، آخر أيامه بتسليمٍ أكبر الى السماء وعناية نفسية وجسدية أكثر لطفاً وتأثيراً؟

تركيز على المريض لا المرض
تبتسم الدكتورة هبة عثمان، الاختصاصية في الطب العائلي ومديرة قسم العناية التلطيفية في الجامعة الأميركية في بيروت، وهي تُعلن بفرح هائل  عن اعتراف لبنان رسمياً، اسوة بدول إقليمية ودولية كثيرة، بالعناية التلطيفية وذلك بموجب قرار صدر عن وزارة الصحة العامة في الثامن والعشرين من حزيران (يونيو) الماضي وحمل الرقم 1548/1. الخبر رائع. لبنان الرائد في التقديمات الصحية يبالي، كما كل الآخرين، بالعناية التلطيفية التي تختلف، بحسب الدكتورة عثمان عن سائر الاختصاصات الطبية الأخرى، فالتركيز هنا يكون على المريض لا على المرض وطبيعة العلاج. وكل همنا، تقول، يكون بتخفيف معاناة المريض. العناية التلطيفية فلسفة تُركز على المريض ومن يهتم به مباشرة. نهتم بالعقر الذي يتسبب به استسلام المريض لحالته وعدم حراكه ونهتم بالأعراض الجانبية المختلفة. نهتم بالنواحي الإجتماعية والنفسية والجسدية والروحية، فالمريض الذي يقترب من حتفه يرتاح أكثر كلما دنا روحياً من السماء. تساؤلات المريض أيضاً تكثر. توقعاته تقل. وتكهناته تزيد: ماذا بعد؟ ماذا ينتظرني بعد؟ كم سأعيش بعد: شهراً؟ اثنين؟ سنة؟ هل سأتألم كثيراً؟ كيف سأستحم وآكل وأشرب؟ هذه أمور قد تُعد، في النظرة العامة، بسيطة لكنها مسائل جد أساسية في حياة المريض ومن يعتني به.

بلسمة الحياة قبل الموت
التركيز إذاً يكون حول إدارة العوارض والمساعدة من أجل اتخاذ القرار الصحيح على تساؤلات من نوع: هل أنتقل، في حال أصبت بعارض خطير، الى المستشفى أم أبقى في البيت؟ إذا توقف قلبي فجأة أريدهم أن يتركوني وشأني، أموت، أو أريد إنعاشاً سريعاً؟
ماذا لو طلب المريض ممن يعتنون به تركه وشأنه؟ ماذا لو طلب وألحّ بعدم أخذه الى الطبيب المعالج؟ هل يُترك ليموت؟ أليس هذا شكلاً من أشكال الموت الرحيم؟
رغبة المريض تؤخذ طبعاً بعين الإعتبار، لا بل يكون لها الإعتبار الأول في العناية التلطيفية، وهذه العناية ليست موتاً رحيماً بل هي شكل تفاعلي مع الموت، يجعلنا ننتظره بصدرٍ رحب وبألمٍ أقل. ممنوع أن يتألم المريض. ممنوع أن يعيش القهر والخوف والإستسلام السلبي. ممنوع أن يواجه الموت ألف مرة قبل أن يموت. ويفترض أن يفهم الإنسان، كل إنسان، صحيحاً أو مريضاً، أن العلاج التلطيفي هو مفهوم جديد في عالمنا العربي. انه مفهوم يعمل على بلسمة الحياة وإزالة الألم الذي قد يمر به مريض السرطان ومريض الكلى والمفاصل والقلب قبل أن يواجه الموت.
 

 


الموت بكرامة
نعود لنكرر السؤال: هل يحق للطبيب وقف إعطاء المريض المصل إذا طلب هذا؟ هل يُفترض بالطبيب بالتالي الإقلاع عن كل التدخلات الطبية إذا شاء المريض هذا؟
يبدو أن مؤيدي هذا الرأي يُعللون بأن التدخلات الطبية تكون في هذه المرحلة الصعبة غير مجدية، لا بل قد تشكل خطراً، فجسد المريض المنهك قد يعجز عن التعامل مع السوائل التي قد تُضخّ فيه ما يجعله يتنفس بصعوبة أكبر، وربما يؤثر هذا سلباً على رئتيه وعلى جهازه المعوي! إنعاش القل
ب قد يؤثر بدوره سلباً على بقية أعضاء جسم المريض ووظائفه! العناية التلطيفية تستوجب بكلام آخر الإمتناع عن إعطاء المريض العلاج، إذا شاء هذا، حين يتحول ضرر العلاج أكبر من منفعته. قد يفيد المريض إذاً في هذه المرحلة الصعبة منحه الرعاية النفسية أكثر من الرعاية الطبية. وقد يفيده أيضاً وأيضاً تخفيف آلامه كي يموت، حين يحين الأوان، بكرامة.
سؤال آخر محير: هل يفترض بمن يمارسون العناية التلطيفية إخبار المريض بحالته كما هي؟ هل يفترض بالطبيب إخباره عن مدى تقدم مرضه؟
ثمة تضارب في الإجابة، فهناك من يقول بوجوب إخبار المريض بعض الحقيقة لا كلها في حين يظهر من يطالب بإخباره بكل الحقيقة، كونه المعني الأول في الموضوع وله الحق الأول بمعرفة طبيعة المرض ومدى انتشاره ونتائج الفحوصات المخبرية والنسيجية كاملة، لكن بأسلوب «لطيف» يتضمن في طياته كثيراً من الرحمة
والرأفة! يفترض أن ترتفع إذاً الإنسانية هنا، الى قمتها، متجاوزة أي شيء آخر، فيحصل المريض على المعلومات وهو يرى في عيني الطبيب كل العناية.
تُرى من له الحق في توجيه مسار المريض: الطبيب؟ الممرض؟ اختصاصي علم النفس؟
ترى الدكتورة هبة عثمان، التي ترأس أيضاً جمعية «بلسم»، أن الأمر يحتاج الى فريق عمل «طويل عريض»، أي الى مجموعة متكافئة تضم طبيباً وممرضاً ورجل دين واختصاصياً في علم النفس وفي علم الاجتماع واختصاصياً في الخدمات الإجتماعية وصيدلانياً واختصاصياً في العلاج الطبيعي وفي الطب البديل. يحتاج الأمر الى تضافر كل هؤلاء ليكونوا في خدمة المريض وتشرح: ليس أصعب من الكلام في مسألة الموت! ليس أصعب من أن يُفكر المريض أو أهله بمرحلة ما بعد الموت بينما الجسد لا يزال ينبض، لذا مهمتنا ليست أبداً سهلة!

علم جديد
ثمة من قد يفهم بالعناية الملطفة شكلاً من أشكال الاستسلام! فهل هو حقا كذلك؟ وماذا يعني أن يُقال: مريضكم شارف على الموت… وهي مجرد مسألة أيام!
هبة عثمان، الطبيبة التي اختارت أن تُبلسم الروح والجسد معاً، تصرّ على القول أن الهدف من العناية الملطفة كان ويبقى بث الراحة وجعل المريض يحيا أفضل نوعية حياة ممكنة في حالته، في ما تبقى من حياته، ولا يتعلق الأمر بالتالي أبداً بالإستسلام أو الموت بل بالحياة. العناية الملطفة مثل وردة جورية تفوح على كل من حولها مبلسمة الروح والنفس والجسد.
العناية التلطيفية إذاً هي، في شكلها الحالي، علم جديد للرعاية الشاملة للمرضى في مراحل المرض الأخيرة، بعد أن يكون العلاج قد فشل، وهذا ما يحاول البعض تصحيحه لتبدأ العناية التلطيفية قبل ذلك، أي أن تبدأ تلك العناية مع بداية العلاج الشفائي لا بعد فشله! وفي هذا الإطار يصرّ بعض الأطباء، وبينهم الدكتورة عثمان، على العودة الى دراسة تشير الى أن المرضى الذين خضعوا الى عناية تلطيفية عاشوا نحو ثلاثة أشهر أكثر من المرضى الآخرين الذين يعانون من حالات مماثلة. العناية التلطيفية «تُلطف» نهاية العمر جاعلة المريض يعيش أكثر ويرحل بهدوء.
ترك المريض لحاله ليس حلاً ومثله الإصرار على تقديم العلاجات حتى لو كانت أضرارها أعظم بكثير من فوائدها! والحل؟ العناية التلطيفية التي تلتزم بالإنسان، بكرامة الإنسان، بتخفيف آلامه، بتقديم ابتسامة عريضة له حتى يرحل، ساعة يحين الموعد، بسلام!.

نوال نصر

العدد ٢٨١٤ الاثنين ١٦ ايلول (سبتمبر) ٢٠١٣ /١٠ ذو القعدة ١٤٣٤

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق