الاقتصادمفكرة الأسبوع

العملات الناشئة الكبرى على الشفير الاميركي

حافظت الدول الناشئة على نوع من النمو والازدهار الاقتصادي في الوقت الذي كانت اميركا تتخبط بازماتها المالية، واوروبا بازمات ديونها، ودول الربيع العربي بانتكاساتها. لكن تلك الدول ما لبثت ان التحقت بالركب المأزوم، والدليل على ذلك تدهور العملات المحلية، ولا سيما في تركيا والبرازيل والهند.

لم تستطع الليرة التركية ان تنأى بنفسها طويلاً عن الفيروس الذي اصاب عملات الدول الناشئة الاخرى، ولا سيما البرازيل والهند، اذ بدأت مسيرتها التراجعية في الاسبوع الاخير من شهر آب (اغسطس) من العام الحالي.

الليرة الضحية
في 22 اب (اغسطس) الماضي سجلت الليرة التركية رقماً قياسياً في التراجع بلغ 1،9912 ليرة للدولار. وكانت الليرة قد تجاوزت عتبة الليرتين للدولار (2،010 ل ت). ومنذ ان اعلن بنك الاحتياط الفيديرالي (البنك المركزي الاميركي) عن نيته في ايار (مايو) الماضي تقليص ضخ السيولة عاد السعر الى 1،9910 ليرات للدولار)، مع بيع البنك المركزي التركي 200 مليون دولار في 21 اب (اغسطس)، و350 مليون دولار في اليوم التالي، و350 مليون دولار اخرى في اليوم الثالث من اجل وقف تدهور العملة.
ومنذ اعلان بنك الاحتياط الفيديرالي تراجعت الليرة التركية 10٪ حتى بداية الاسبوع الاخير من شهر اب (اغسطس). فيما خسرت بورصة اسطنبول اكثر من 5٪ في يومين. ولم تتوقف اجراءات تطويق التدهور، فقرر البنك المركزي مرة جديدة رفع الفائدة الرئيسية على القروض من يوم ليوم من 7،25٪ الى 7،75٪، وكان البنك قد رفعها في تموز (يوليو) من 6،50٪ الى7،25٪، كما قرر ضخ 100 مليون دولار يومياً في الاسواق لتهدئة العملة.
ويقول خبير اقتصادي غربي ان تسارع التراجع في سعر صرف الليرة التركية يأتي ضحية لخروج الرساميل من البلاد بشكل مكثف. فالمستثمرون يخشون عجز الميزان الجاري (فوق 5٪ من اجمالي الناتج المحلي)، الامر الذي يعزز تبعية الاقتصاد التركي للتمويل الخارجي.
ومنذ الاول من حزيران (يونيو)، باعت السلطات النقدية التركية 8 مليارات دولار لدعم الليرة، لكن هذه العملية كانت محدودة التأثير، بحيث حلقت الفوائد في سوق السندات، وارتفعت فائدة قروض العشر سنوات الى 10،10٪ في 2010، و8،5٪ في 2011. ومع ارتفاع الاسعار والتضخم الى نحو  9٪ اختنق النمو الذي تتوقعه انقرة لهذه العام نحو 4٪ مع احتمال اعادة النظر في هذا الرقم في ضوء الظروف والتطورات المستقبلية، فيما اشار معهد الاحصاءات التركي الى ان معدل البطالة في البلاد ارتفع الى 10،1٪ في اذار (مارس) في مقابل 9،9٪ في الفترة نفسها من العام الماضي. ولم يغفل محافظ البنك المركزي التركي ارديم باشتشي الاشارة الى ان الاموال التي خرجت من الاسواق التركية منذ بداية ايار (مايو) تراوح بين 7،9 و8 مليارات دولار، وان التدفقات الرأسمالية من اسواق الاسهم التركية منذ 26 ايار (مايو) بلغت 1،35 مليار دولار، وذلك بسبب ظروف الاسواق العالمية واحتجاجات سياسية داخلية مستمرة منذ اسابيع عدة.

البرازيل والهند
واللافت ان الدول الناشئة الكبرى، والتي كانت تتميز على مدى السنوات الماضية بنسب نمو مرتفعة، بدأت تتساقط عملاتها في الضعف والوهن، متأثرة بآفاق القيود النقدية في الولايات المتحدة الاميركية، وكذلك بتباطؤ النمو الاقتصادي في هذه الدول، ولا سيما في الهند والبرازيل اللتين انضمت اليهما تركيا في الاسابيع الماضية.
ويؤكد الخبراء الدوليون ان الخسائر التي تسببت بها هذه العملات جسيمة. ففي غضون ثلاثة اشهر خسرت الروبية الهندية 19،5٪ من قيمتها ازاء الدولار الاميركي، لتصل منذ ايام الى 64،12 روبية للدولار، وهو ادنى رقم تاريخي سجلته الروبية، وعزي هذا الانخفاض الى تطورات سياسة بنك الاحتياط الفيديرالي الاميركي التي اعتبرت بمثابة «تلغيم» للعملات الناشئة، باعتبار انها ستؤدي الى عودة الرساميل الى الولايات المتحدة مأخذوة بارتفاع الفوائد الاميركية. وقد استدعى تدهور الروبية ضخ 80 مليار روبية (940 مليون دولار) في الجهاز المصرفي الهندي لشراء سندات خزينة طويلة الاجل من اجل تسهيل منح القروض، كما تم سحب سيولة من السوق من دون ان تهدىء العملة، ولا سيما في ظل غياب الاصلاحات، وتراجع النمو الى 5٪، وهي النسبة الادنى منذ عشر سنوات، والفساد، والعجز. وقد بلغ الامر بالسلطات حد رفع الرسوم الجمركية على مستوردات الذهب علماً بأن المواطنين الهنود شغوفون بشراء الذهب.
ويأتي هذا التدهور للروبية متزامناً مع تدهور مماثل في الدولة الناشئة الكبرى الاخرى، اي البرازيل، التي تراجع ريالها ليبلغ 2،4228 ريال للدولار الاميركي، وهو السعر الادنى منذ العام 2009. وقد تسارعت وتيرة ضوء تخفيض اجراءات الدعم التي يقوم بها بنك الاحتياط الفيديرالي للاقتصاد الاميركي.
ومن المهم الاشارة الى ان الاسواق الآسيوية استفادت من المال السهل الذي كانت تمثله السيولة التي كان يضخها بنك الاحتياط (في الجهاز المصرفي الاميركي) لكن احتمالات تقليص هذه السيولة عززت المخاوف من تسارع فعلي في هروب الرساميل، كما قال احد المحللين الاميركيين، الذي يضيف ان هذه السيولة شجعت، في اوج الازمة المالية العالمية، على تقوية تلك العملات بفضل الفوائد الاعلى مما هي في اقتصادات مجموعة السبع الغربية.
ومع تزايد العلامات على انتعاش اقتصادي اميركي، بدأ المستثمرون الاجانب استرجاع استثماراتهم في الاقتصادات الناشئة التي بدأ النمو فيها يعاني من الاختناق، لاعادة توظيفها في اسهم مرتبطة بنمو الاقتصاد العالمي.
لكن الانتعاش الاميركي ليس وحده من ادى الى تدهور العملات الناشئة، كما يرى مايكل هايسون، المحلل لدى احد البيوت المالية الاميركية. ويضيف ان تباطؤ النمو الاقتصادي في الدول الناشئة، ولا سيما في الهند والبرازيل – مع ان التدهور طاول عملات آسيوية اخرى كـ «الباهت» التايلاندي، والروبية الاندونيسية، والرينجت الماليزي – دفع المستثمرين الى التمحيص  عن قرب بالمشكلات البنوية التي تعاني منها تلك الاقتصادات.
واللافت ان صندوق النقد الدولي قد ادلى بدلوه في هذه الازمات النقدية محذراً، الشهر الماضي من خطر «متزايد» للنمو الاقتصادي في هذه الاقتصادات الناشئة الكبرى، الذي ترك بصماته على النمو العالمي في السنوات الاخيرة.
وفي محاولة لمجابهة الانخفاض الذي اصاب عملاتها، والمخاطر التضخمية المترتبة عليه، لجأ بعض البنوك المركزية اخيراً الى تدابير وهي في طور الاعداد لتدابير اخرى.

 

«وول ستريت» آسيوية
فوق مساحة ميل مربع على قمة تل مطل على مضيق البوسفور ستنتشر في غضون ثلاث سنوات المباني الادارية الفاخرة التي يفترض ان تحتضن المركز المالي الجديد الذي يسعى رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان لانشائه بحيث سيكون نواة لـ «وول ستريت» على شاطىء مرمرة. ومع بدء عمل المركز المالي الجديد ستستعيد مدينة اسطنبول دورها التاريخي باعتبارها مركز تجارة عالمياً، هذا اذا لم تعطل التطورات السياسية والامنية الجارية في تركيا اقامة المركز العتيد. ويذكر ان اسطنبول يقع جزء منها في اوروبا، والجزء الآخر في آسيا، وتضم 13 مليون نسمة.

 

العدد ٢٨١٤ الاثنين ١٦ ايلول (سبتمبر) ٢٠١٣ /١٠ ذو القعدة ١٤٣٤

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق