رئيسيسياسة عربية

بغداد: الكلمة الاعلى لمن؟ للارهابيين ام للدولة؟

منذ ان بدأ الغرب يقرع طبول الحرب على سوريا قبل ايام، كان السؤال الملح: ماذا عن تداعيات هذه الضربة العسكرية المحتملة وانعكاساتها على الدول المحيطة بسوريا، وذلك انطلاقاً من حسابات وهواجس متعددة؟

اول هذه الهواجس ان هذه الدول وهي: لبنان والاردن والعراق، تعيش تحت وطأة التداعيات السلبية للحدث السوري، منذ اللحظة الاولى لاندلاع الاحداث في الساحة السورية قبل نحو عامين ونصف العام، فزادت حراجة الاوضاع الاقتصادية والامنية والاحتقان السياسي فيها، وبلغ اقصى حدوده، مع العلم انها كانت تعيش فوق صفيح ساخن من المشاكل المتراكمة والتناقضات الكامنة وتلك الظاهرة على السطح.
وثانيها، ان الضربة الغربية المحتملة على سوريا، وبصرف النظر عن حجمها ونوعها ومدتها الزمنية، ستترك ارتدادات وتأثيرات على الواقع الحافل بالازمات والتعقيدات في هذه الدول الثلاث، ليس لجهة احتمال تدفق المزيد من النازحين واللاجئين السوريين الذين يتوافدون الى هذه الدول بأشكال عشوائية واعتباطية، مما يفاقم ازمات ايواء هؤلاء وتأمين متطلبات العيش لهم، ولكن ايضاً لان الضربة الغربية المحتملة ستكون لها تداعيات ابعد واكثر عمقاً وتأثيراً على كل المستويات في هذه الدول.
ولا ريب في ان ثمة من يرى ان العراق هو اكثر من الاردن ولبنان سيجد نفسه تحت الوطأة الثقيلة، مما سينجم عن الضربة الغربية الوشيكة الحدوث على الساحة السورية.
وعليه، لم يكن مستغرباً للمراقبين ان يبادر رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الى التحذير صراحة في اعقاب ارتفاع وتيرة الحديث عن امكان توجيه ضربة عسكرية الى سوريا، من ان الاحداث في سوريا قد تكون الاكثر تأثيراً على اوضاع العراق الداخلية، وهي الاكثر تفجراً وتوتراً في المنطقة.

استنفار عام
وعليه، كان من الطبيعي ان يعلن المالكي الاستنفار العام لمواجهة تداعيات اي عمل عسكري ضد سوريا، وان يوجه رسالة مفتوحة الى نائب الرئيس الاميركي جوزف بايدن يطالبه فيها بامتناع ادارته عن توجيه ضربة الى سوريا.
فالمالكي وسواه من المسؤولين العراقيين هم على بينة تامة من ان التصعيد والتوتر والاحتقان صارت السمة العامة للاوضاع في بلاد الرافدين منذ الاشهر الاولى لبدء الاحداث المشتعلة في الساحة السورية.
ولم يعد خافياً لدى بعض العارفين بالشأن العراقي، ان الاوضاع الامنية في العراق انهارت في العامين الماضيين على نحو مريع ودراماتيكي ذكّر بأحداث العامين 2006 و2007.
فثمة من يرى من هؤلاء ان «انتفاضة» غالبية سكان محافظات الوسط الثلاث في وجه الحكومة المركزية ونزولهم الى الساحات والشوارع في اعتصامات مستمرة منذ اشهر، ما حصلت الا من جراء تداعيات الاحداث في سوريا، وما انتجته وولدته من وقائع وتصورات وانقسامات ومعادلات جديدة لم تقف حدودها عند الحدود السورية، بل امتدت الى دول الجوار الثلاث وفي المقدمة العراق اكثر من سواه.
صحيح ان العراق استقبل النسبة الاقل من المهجرين واللاجئين من سوريا ونجح في ضبط عمليات الاستقبال والايواء تحسباً لاي تداعيات او مشاكل، الا ان الاكيد ان ذلك لم يحل دون ان يكون العراق الاكثر تضرراً ماضياً وحاضراً ومستقبلاً من انفجار الاوضاع في سوريا، وبالتالي فإن احتمال ان يكون الاكثر تضرراً اذا ماحصلت الضربة على سوريا، هو الاحتمال الذي يقض مضاجع العراقيين جميعاً.
فالواقع والمعطيات الميدانية والسياسية التي فرضت نفسها على الواقع العراقي منذ اندلاع الاحداث في الساحة السورية المجاورة، لا تبعث على الاطمئنان اطلاقاً، بل هي مدعاة للقلق لدرجة ان السؤال الذي صار يطرحه قسم من العراقيين في الآونة الاخيرة، هو: من له الكلمة الاعلى في مسألة الاوضاع الامنية، «الارهابيون» بكل تلاوينهم ام الدولة بكل مؤسساتها واجهزتها الرسمية؟ حتى ان «القائمة العراقية» ردت على كلام اطلقته اخيراً وزارة الداخلية العراقية اكدت فيه انها احكمت قبضتها على الشارع بالقول: «ان الارهاب صار اقوى من المؤسسات العراقية».

 زيادة التوتر الامني والسياسي
لا شك في ان من يرصد مسار الوضع الامني والسياسي العراقي عن كثب منذ اندلاع شرارة الاحداث في سوريا، يخرج باستنتاج فحواه ان الاوضاع الامنية في العراق، فقدت استقرارها وان الاوضاع السياسية زادت من وتيرة ازمتها وذلك على النحو الاتي:
– ان كل الاحصائيات والوقائع تؤكد ان نسبة عمليات الارهاب بكل اشكالها من تفجيرات وعمليات قتل وخطف وتصفيات، زادت نسبتها قياساً لفترة ما قبل العامين، ووصلت في بعض الاحيان الى اكثر من خمسة اضعاف، وذلك بيّن من خلال عدد الضحايا الذين ارتفعت اعدادهم بما لا يقاس في الاشهر الستة الاخيرة.
– ان تنظيم «القاعدة» عاد في الاشهر الماضية ليتحرك بحرية اكبر وبثقة زائدة بالنفس، وعاد ليشن هجمات نوعية كان لها فعلها ودويها الواسعان، ولعل ابرزها الهجوم الواسع النطاق على اكبر سجنين في وسط بغداد، وهما سجن ابو غريب والتاجي، وهو الهجوم الذي اسفر عن اطلاق ما يقارب الالف سجين معظمهم من القيادات والكوادر الخطرة في هذا التنظيم.
وسواء كان الهجوم ونجاحه بفعل خرق للقوى الامنية المولجة حماية السجنين ام انه نتيجة عمل امني متقن، فثمة نتيجة واحدة وهي ان الهيبة الامنية لحكومة المالكي قد تلقت ضربة معنوية ومادية كبرى اثرت على سمعتها ومكانتها واثرت على قدراتها في الحل والربط لدرجة ان عديد العمليات الارهابية المتنوعة ومنها السيارات المفخخة ارتفع اضعافاً بعد نجاح هذه الضربة.
وفي الوقت عينه، كانت التقارير الامنية الواردة تتحدث عن ان الاوضاع على الحدود العراقية – السورية، تشهد حراكات غير طبيعية حيث ان هذه الحدود انفتحت بالاتجاهين وباتت المجموعات المسلحة تنتقل بكثافة، مما كون انطباعاً لدى بغداد، فحواه ان هناك محاولات لجر العراق الى اتون الصراع في سوريا.
وازداد هذا الانطباع رسوخاً في اعقاب اعلان احد تمظهرات تنظيم «القاعدة» عن نفسها على اساس انها «دولة العراق وسوريا الاسلامية»، في سعي واضح الى ربط الساحتين العراقية والسورية بمصير واحد.

تدابير واجراءات
والواضح في المقابل، ان المالكي استشعر ثقل وطأة هذه الاحداث والتطورات الدراماتيكية جميعها، وبالتالي ادرك ان العراق بات في عين العاصفة السورية وما ينتج عنها من تحديات وارتدادات، فكان ان رد خلال الفترة الماضية بجملة خطوات وتدابير واجراءات منها:
– تجميد العملية السياسية وابقاء الاوضاع على ما هي من المراوحة، فالحكومة العراقية بقيت «بتراء» لكي يسهل على المالكي القبض على زمامها، وكل التفاهمات التي انعقدت من اتفاق اربيل الاول والثاني لم تستكمل خطواتها وحلقاتها.
– ان المالكي اتبع اسلوب تحذير جيرانه واولئك الذين يشتبه بأنهم ضالعون في عملية تقويض الاوضاع في بلاده، فهكذا فتح ابواب السجال السياسي مع الحكم القائم في تركيا متهماً اياها بالتدخل في شؤون بلاده الداخلية، وحذر الاخير من ان اللعب بالنار العراقية سيؤدي الى احراق اصابع الجميع.
– على المستوى العسكري والامني، اضطر المالكي الى ان يكثف جهوده وخططه الامنية ليقطع الطريق على المجموعات الارهابية في الداخل من جهة، وليقيم جداراً فاصلاً على الحدود بين سوريا والعراق من جهة اخرى ليمنع انتقال النار السورية الى ساحته مباشرة، حاضراً ومستقبلاً.
وعليه، فقد ركزت حكومة المالكي في الايام القليلة الماضية على الخطط الامنية التي نفذتها قوى الامن العراقية في مناطق الحدود مع العراق، وفي المحافظات التي تشكل عادةً ملاذاً امناً للمجموعات الارهابية وبيئة حاضنة لهم.

مجالس الصحوة
وفي الوقت عينه، اعادت الحكومة العراقية الاعتبار لفكرة اعادة احياء مجالس الصحوات واعطائها دوراً اكبر لكبح جماح المجموعات الارهابية والحؤول دون تمددها، انطلاقاً من تجاذب عناصر هذه المجالس في الاعوام السابقة قد كان له الدور الاكبر في اجتثاث تنظيم «القاعدة» بعدما اوشك ان يشكل دويلة في بعض المناطق العراقية.
واللافت ان بغداد اهملت في السابق دور هذه المجالس، اما بضم قسم من اعضائها الى المؤسسات المدنية للدولة، واما بإهمال القسم الاخر وتركه يواجه قدره لوحده، في حين ان الدولة العراقية لم تحافظ على علاقتها مع بعض مشايخ وفاعليات مجالس الصحوة، فكان ان سارعوا الى الانضمام الى المتمردين على الحكومة والى الظهور في مقدم حركات الاعتصام.
كل ذلك ادى الى ايجاد منطقة فراغ نجحت المجموعات الارهابية بتعبئتها سريعاً، وعادت لتصير رقماً صعباً في معادلة العراق الامنية، وضربت احداث سوريا لتعطيها دفعاً اضافياً وحوافز اكبر للحراك.
وفي كل الحالات بدا واضحاً ان العراق يتحسس رأسه تحسباً للضربة المحتمل ان توجهها واشنطن ومعها تحالف غربي الى سوريا، كونه من الان يعتبر انه ليس بمنأى عن تداعيات هذا الحدث المدوي المرتقب.
فإذا ما نجحت الضربة وبالتالي تحقق للغرب هدف اسقاط النظام القائم حالياً، فإن ثمة في بغداد من يرى ان المعادلة العراقية الحالية ستزداد اهتزازاً وارتجاجاً وتتصاعد فيها احتمالات التغيير، اما اذا صدقت مقولة القائلين بأن الهدف الاساس غير المعلن عنه من هذه الضربة هو تقسيم سوريا، فإن  العراق يتحسس من هذه المسألة اكثر من سواه ولا سيما وان هناك مقدمات لمشكلات ومعضلات طائفية ومذهبية.
اما اذا ذهبت الامور باتجاه توجيه ضربة محدودة الى سوريا، تزيد من منسوب الفوضى والاضطراب والفلتان الامني الحاصل اصلاً، فإن العراق قبل سواه يعرف ان ذلك سرعان ما سينعكس على ساحته مزيداً من التوتير ورفعاً لمنسوب التأزيم الامني والسياسي الحاصل منذ فترة بعيدة.
وفي كل الاحوال، بغداد تعتبر نفسها من اولى ضحايا الضربة الغربية ضد سوريا، لانها عانت من نتائج الاجتياح الاميركي وما زالت تكتوي بناره رغم مرور ما يقرب العشرة اعوام.

ابرهيم بيرم

العدد ٢٨١٣ الاثنين٩ ايلول (سبتمبر) ٢٠١٣ /٣ ذو القعدة ١٤٣٤

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق